العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

من وحي الإسلام الفنون الإسلامية: زراعة النخيل وصناعة العسيب (9)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ١٠ نوفمبر ٢٠١٧ - 11:29

* القرآن الكريم يبين الوصف التركيبي للنخلة

ورد في القرآن الكريم شيئا من الوصف التفصيلي لتراكيب النخلة من جانب شكلها الظاهري، وهي الأجزاء التي تخص الجذر والساق والأوراق والأزهار والثمار والنواة حيث لم تحظ شجرة في تاريخ الحضارة الإنسانية بمثل ما حظيت به النخلة المباركة، ولم يكرم من النبات مثلما كرمت به.. فهي في عالم النبات كالفرس والجمل في عالم الحيوان، ولم لا وقد أخذ الإنسان طعاما، وأوقد نارا، وصنع حبالا، واتخذ إرثا، وابتنى بيتا وصنع حصيرا وفراشا، ولعل هذه بعض المنافع التي تقدمها النخلة لأخيها الإنسان. 

وللنخلة في سجل التاريخ العربي الإسلامي مكانة خاصة زيادة على ما تقدم فعرفت في بيئتها حيث كانت قادرة على تحمل الجفاف والحرارة الذي يعد أبرز مواصفات الجزيرة العربية، وتحتل النخلة مكانة بارزة في تاريخ الدولة الإسلامية وحضارتها بشموخها فخرا واعتزازا، ورمزا للحياة والعطاء المتجددة، وقد أثبتت الدراسات البحثية أن النخلة تتحمل تقلبات درجات الحرارة إلى حد كبير عند هبوط درجة حرارة الجو في ليالي الشتاء القارس إلى ما دون الصفر أو درجة الحرارة ما فوق الأربعين، فلا غرو أن تكون مقدسة وموجودة في الأرض القاحلة في ربوع الوطن العربي.

* الأجزاء التركيبية للنخلة المباركة

أولا – الجذع قال تعالي: «وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا». (سورة مريم الآية 25) وللنخلة جذع أسطواني غير متفرع مغطى بقواعد الأوراق، وتنتظم في شكل درجات تسهل ترقي وصعود النخلة وهذه مقصورة على نخل البلح.

أ‌- الساق قال تعالى: «والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج» (سورة ق الآيتان 10-11) وقد بين عز وجل أن للنخلة ساقا طويلة تختلف عن الساق القزمية والساق القرصية والساق القصيرة أو السيقان الضعيفة الزاحفة والمتسلقة والملتفة والساق والطويلة ترفع الأوراق المتكاثفة للامتداد الأفقي للنمو والعملية للبناء الضوئي والنضج والبعد عن الرعي الجائر الأمراض الأرضية الفطرية والفيروسية والحشرة الموجودة في التربة، والساق تساعد كمصدات للرياح، وتتيح الفرصة لأجل الزراعة البيئية بين السيقان قال تعالى: «.. جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا» (سورة الكهف الآية 32).

ب‌- الورقة: وللنخلة أوراق خضراء مركبة ريشية تشبه ريش الطيور عبارة عن وريقات مدببة الطرف رمحية الحواف متقابلة الوضع على العرق.. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن كشجرة لا يتحات ورقها» أي لا يسقط ورقها. (رواية عبدالله بن عمر رضي الله عنهما). 

ثانيا- جذر النخلة قال تعالى: «ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء» (سورة إبراهيم الآية 24) وهو الجذر الأرضي العرضي الليفي الممتد إلى أكثر من 200 متر تمتص المياه عميقة الأغوار.

ثالثا- أكمام النخلة: وهو ما غطى جمار النخلة وسعفها وليفها وجذعها، فالعنق والطلع قبل مغلفات في الأكمام قال تعالى: «والحب ذو العصف والريحان. فبأي ألاء ربكما تكذبان» (سور الرحمن الآيتان 10-13) (الأكمام: أوعية التمر وهي الطلع).

رابعا- ثمرة النخل: ما ينتج عن عملية التلقيح والإخصاب ونمو المبيض والجنين.. وقال تعالى: «.. انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه، إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون» (سورة الأنعام الآية 99) وإذا لم ينقل حبوب اللقاح إلى الأزهار المؤنثة بعملية التأبير بواسطة الإنسان أصبح غير صالح للاستهلاك الإنساني.

* تفاصيل دقيقة ومهمة

خامسا: شطء النخلة: وهو ما خرج حول أصولها وهو الفسيلة، قال تعالى: «ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع» (سورة الفتح الآية 29) (أخرج شطأه: فراخه المتفرعة من جوانبه، آزره: قواه ودعمه).

سادسا: العرجون: أصل العذق الذي يحمل الشماريخ التي تحمل الثمار، فالعرجون حامل للشماريخ، قال تعالى: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» (سورة يس الآية 39) (العرجون: عذق النخلة).

سابعا: الفتيل: الخيط الرقيق المفتول في شق النواة كما قال تعالى: «ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم، بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا» (سورة النساء الآية 49) (فتيلا: الخيط الرقيق في شق النواة أو الفصمة (الطعامة).

ثامنا: القطمير: القشرة الرقيقة حول الفصمة، قال تعالى:.. والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير» (سورة فاطر الآية13).

تاسعا: القنو: وهو العذق بما فيه من الرطب وهو الشماريخ التي تحمل الثمار الرطبة حيث قال تعالى: «.. ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه» (سورة الأنعام الآية99) (قنوان: عذوق وعراجين كالعناقيد، دانية: متدلية قريبة في تناول اليد). 

عاشرا: النقير: وهو الثقب الصغير في ظهر غلاف البذرة (الطعامة) ويحدد مكان الجنين ومنه يدخل الماء إلى الجنين عند الإنبات ويخرج منه.

*موسم الخريف بجنوب الحجاز

تعتبر النخيل من محاسن فصل الخريف، ويهون من مساوئه، وجدير بالذكر أن عرب جنوب الأراضي الحجازية مازالوا إلى يومنا هذا يستخدمون كلمة الخريف اسما لموسم النخل، والاختراف عندهم موعد قطف الرطب، والمخرف يمثل الوعاء الذي يجنونه فيه، ويسمى الموعد خرفة الرطب.

ولقد حققت النخلة حضورا بارزا في الشعر والنثر العربي حيث يقول شاعر من وادي الرافدين الأستاذ الراحل بدر شاكر السياب يصف عيون حبيبته ولم يجد بدا من ربط الصورة بالنخلة وكأنها إطارها الذي لا تكتمل الصورة إلا بها وينشد قائلا:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر 

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر!

* النخلة في الحضارة:

حقا إننا قد نرى النخلة والخيل أسهما في نسج قصة الحضارة فقد ارتبط اسمهما عبر التاريخ بالنصر والسلام والخصوبة ولعبا في أحداثها دورا خطيرا، إلا أنهما لم يحتلا المكانة المرموقة وهذه الشجرة شبيهة بشجرة الزيتون التي تنافس زيتها المستخرجات النباتية الأخرى وهكذا نجد النخلة تواكب المسيرة البشرية ابتداء من عهدها الأول إلى يومنا الحاضر، خطوة بخطوة فكأنها من الإنسان ظله كيف لا وقد دعاها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: عمته فكانت طعامه ومرضعته وطبيبته التي تعالجه، جلس الإنسان تحتها يتفيأ بظلها، واتخذ معظم أدواته ومتاعه في حياته منها ولم يترك منها شيئا إلا استخدم نواتها علفا لماشيته وكربها وقودا لبدنه وخوصها وجريدها في بناء ملفاه وكوخه ورطبها في أشهى طعامه.

وهذا شاعرنا الملك امرؤ القيس يقول في معلقته الشهيرة حيث يصف ضفائر شعر امرأة متدليا على متنها (بسايل المرأة كأغصان النخلة المنتشرة على أطرفاها):

وفرع يغشي المتن أسود فاحم 

أثيث كقنو النخلة المتعثكل 

غدائره مستشرزات إلى العلى

تضل المداري في مثنى ومرسل

(الهوامش: دور النخلة في قصة الحضارة: أ.د. يحي جبر، والأستاذة عبير حمد، العلاج بالتمر وبالرطب: نبيل علي عبدالسلام – عام 1426هـ ، النخيل انتشر في العالم قبل 80 مليون سنة: كمال قدورة – لندن، النخيل في التراث العراقي: الموسوعة العربية، كتاب التمر غذاء وشفاء: أحمد سالم بادويلان، القيمة الغذائية للتمور وفوائدها الصحية: الدكتور عبدالرحمن مصيقر عام 2005). 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news