العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

أوراق مبعثرة: أحلى بيت! (3)

بقلم: رجاء يوسف لوري

الجمعة ١٠ نوفمبر ٢٠١٧ - 11:20

يتكون بيت جدّتي من طابقين، الأرضي وحُجراته تُسمّى «دورًا» وهي الأدفأ لفصل الشتاء البارد، فهُناك الدار الرئيسيّة المُستطيلة الكبيرة وتحتوي على «دواشِك» جمع «دوشَك»؛ وهي فُرُش للجلوس عليها أو النوم، و«مساند»؛ والمِسند هو ما يُستند ويُتكأ عليه. ويُغطي أرضيّة الدار الرمليّة «طربال»؛ وهو نسيج مُشمّع من المطّاط -الملوّن والمزركش- لا يخترقه الماء، وهو يحمي السجّادة التي فوقه من التآكل ومن الرمل والرطوبة.

أما تسقيف البيت فقد كان بالـ«دنجل أو الجندل»، وهي جذوع مستقيمة لأشجار تقطع من الأدغال JUNGLE وهي أصل التسمية! والتي كان يختبئ بينها الوزغ!

أما الإضاءة فقد كانت «بجلي» واحدا في السقف، أو ربما اثنين، و«بجلي» هي كلمة هندية Bijali وتعني: «تيّارا كهربائيا»، ويُسميه المُتمدنون «ليت» وقد جاءت من الاسم الإنجليزي Light.

وكانت هُناك ساعة خشبيّة كبيرة مُستطيلة على الحائط، ومُعلّق بها حديدة طويلة كالمِغرفة الكبيرة بالمقلوب «المِنجاب أو الملاّس» يُسمونه «بندل»، وهو بندول أو رقّاص الساعة، وأصل الكلمة إنجليزية Pendulum وهو يتحرّك يمينًا ويسارًا بطريقه أوتوماتيكية لا يتوقف، وتلك الحركة تدلّ على عمل الساعة، ولها مفتاح تدوير صغير، فكانت جدّتي كل يوم في الوقت نفسه تقوم بقلب «المِسند» ثم تصعد عليه وتفتح باب الساعة الزجاجيّ لتقوم بـ«تكويك» الساعة، وتُحرِّك «البندل» بإصبعها، وتضع المفتاح داخل الساعة، ثم تغلق بابها. ولقد كانوا يعلّقون الصور والساعات على الحائط في مكان عالٍ مرتفع جدًّا، وتلك الدار كانت مُلحقة بباب يوصل إلى الدار الصغيرة وهي للنوم، وبها «كرافي» -جمع «كرفاية»- وهي كلمه أصلها هنديّ وتعني السرير، وهي أسرّة بدائية يدويّة الصنع من الحطب. وفي آخر الدار يوجد «أدب» حمّام أسمنتي صغير مُظلم، ومن أراد دخوله فعليه أن يُدخِل معه «الفنر». أما الأذان، فكأنَّ المؤذن -وأعتقد أن اسمه كان مُلاّ محمد- كأنه كان يؤذن في حجرتنا، وأما صلاة الفجر فكأنه كان يؤذن في آذاننا، وإنني إلى يومنا هذا كلمّا سمعت عبارة «الصلاة خيرٌ من النوم» أذكر بيت جدتي؛ لأن في بيتنا لم نكن نسمع أذان الفجر، وكأنني أراها وهي تستيقظ للوضوء والصلاة وهي تردد (لا إله إلاّ الله) وهي في طريقها إلى الحمام، لابسة الثوب البحريني الملوّن، وتجرّ من ورائها «مِلفعها» الطويل المُخرَّم الأسود. والمِلفع هي كلمة عربية؛ لفع رأسه: أي غطّاه. وعندما تبدأ صعود الدرجات إلى الطابق الثاني تجد في بدايتها بابا صغيرا لحُجيرة صغيرة جدا، بحيث يتطلّب منك الانحناء لدخولها، وهي بمثابة مخزن يُقذف فيه كل ما هو مُستهلك من جرائد ومجلاّت، ومكاتيب ورسائل، وأثاث ومواعين.. وغيرها. وبين الحين والآخر تسمع صوت بيّاع في «زرانيق الفريج» يُنادي: «زري عتيج!». وبالمُناسبة،«زرانيق» هي كلمة عربيّة فُصحى،وهي جمع زرنوق، وتعني الحائط، و«فريج» بالبحريني يعني الحيّ. وكلمة «زري» أيضًا فُصحى، ومعناها لا قيمة له، تافه، حقير، وعتيج تعني القديم، والمقصود هو: كل من لديه شيء قديم، تافه لا قيمة له، فذلك البيّاع يأخذ ما عندك من فضّة ونحاس وحديد، ويقايضك به ببضاعة جديدة من عنده، وهي أسوأ من زري العتيج، كصحون وأكواب بلاستيكية، وكانت ربّات البيوت يفرحن بها! وأيضًا كانت هُناك «الحجّامة» التي تدور على البيوت حاملةً فوق رأسها صُرّة «بكشة» كبيرة جدًّا، وهي عبارة عن شرشف كبير تجمع فيه البضاعة في أكياس صغيرة ومتوسطة، وعلب مدوّرة ومربعة ومستطيلة، تفرشها على أرضية الحوش، ويتجمع أهل البيت حولها، ثم تبدأ في عرض بضاعتها وهي عبارة عن:

كحل ومكحِلة.. حِنّة، وحِنّة عيّار، أي: كذّاب أو مزيّف، «ديرَم»، وهو أعواد من النبات الشعث الجاف، تُفرك به الأسنان لتبييضها ويصبغ الشفاة واللثة بلون برتقالي قاتم، وربما إصبع واحد لأحمر الشفاه، أو قارورة صغيرة لطلاء أحمر للأظافر، وبخور، وأمشاط للشعر.. ومشابيص.. ومقصّات.. وأدوات خياطة.. ودبابيس.. وإبر مختلفة الأحجام.. وبكرات لخيوط ملونة.. إلخ.. من سفاسف الأشياء.

«كور»:وهي كلمة عربيّة، يُقال: كوّر العمامة: أيّ: لفّها وأدارها على رأسه. كوّر الشيء: لفّه على جهة الاستدارة.

أما الأكثر تشويقًا في الأمر كله، فهو عندما تبدأ الحجّامة بفتح تلك العلب المختلفة الألوان والأحجام، علبة تلو العلبة، وكيسًا تلوّ الكيس.

يتبع 

ilalah@windowslive.com 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news