العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الدر المنثور في الكتاب المكنون (4) الربوبية والأُلوهية

الجمعة ١٠ نوفمبر ٢٠١٧ - 11:18

في فاتحة الكتاب يصف الحق نفسه برب العالمين «الحمد لله رب العالمين»، وفي سورة الناس ينعت ربي نفسه بإله الناس «إله الناس ملك الناس»، وفي سورة الرحمن يقول الحق «رب المشرقين ورب المغربين» آيات كريمة من لدن العليم الخبير، تستدعي الوقوف عندها للنظر في الفوارق بينها، وما يترتب على هذه التفرقة من معان ودلالات.

الربوبية تعني لغويًّا المُلك والسيادة فحين نقول إن الأب هو ربُّ الأُسرة بمعنى مالكها وسيدها، وشاهِدُنا من سورة يوسف «يا صاحبي السجن أمَّا أحدكما فيسقي ربه خمرًا»، وكذلك قوله تعالى وقوله الحق «واذكرني عند ربك»، فالربوبية: حقيقة موضوعية تربط المخلوقات كلها بالخالق بعلاقة سيطرة وملكية وسيادة صارمة لا تبديل فيها ولا تحويل. ولذا فالله هو رب الحجر والشجر والبشر مؤمنهم وكافرهم أقروا بذلك أم امتنعوا، رضوا بهذه الحقيقة أم أبوا، عقلوا هذا الأمر أم غفلوا عنه فالحقيقة تبقى هي هي بكل الأحوال.

فرعون عندما ادعى الربوبية وقال «أنا ربكم الأعلى» كان هذا ادعاء ملكية وسيادة مطلقة من وجهة نظره الخاطئة ظنًّا منه أن مِصر وما حوت ملك خاص له بدليل قوله تعالى «ونادى فرعون في قومه قال يا قومِ أليس لي مُلك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون». ومن باب الربوبية فقد أعطى الله الخلافة للإنسان لعمارة الأرض فأصبح بنعمة من الله يملك الأرض باحثا ومنتجًا ومُعمِّرًا والآية 65 من سورة الحج تُفصح عن هذا المعنى وهذا التكريم «ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويُمسِك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم». سخرها لكل خلقه.

مقابل هذه المِنة التي امتنَّ الله بها على عباده «الخلافة» طلب منهم طاعة لأوامره ونواهيه والناس في ذلك ليسوا سواء فمن يطيع ويصدع للأوامر والنواهي فهو يعترف بذلك بإلوهية الله لذا يُعرِّف بعض العلماء الألوهية بأنها: اعتراف من العاقل بالله وبتوحيده وبأوامره «أمر ألاّ تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون» يوسف 40، خطاب موجه للعقلاء وفي يوسف نجد الآية 39 «يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار» هنا ذكر الوحدانية والقهر مع الربوبية لأنها كما أسلفنا هي علاقة لا خيار لنا فيها بأن الله هو ربنا جميعًا ولكن الألوهية هي علاقة اختيارية من العاقل فقط وبناء عليه فإن الله هو رب محمد (ص) ورب أبي جهل وربي ورب من يقرأ هذه الكلمات لكن الله ليس إله أبي لهب وأبي جهل وأُمية بن خلف لأنهم لم يعترفوا بذلك وكفروا وجحدوا.

بعث الله الرسول الكريم ليطلب من الناس أن يقولوا «لا إله إلا الله» ولم يطلب منهم أن يقولوا «لا رب إلا الله» لأنه ربهم رغمًا عنهم «كلا نمُد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا» الإسراء (20) فالله من مقام الربوبية يرزق من دون استثناء لأنه ربهم ومسؤول عن معيشتهم والقول الفصل في هذا يكمن في طلب سيدنا إبراهيم الذي عبرت عنه الآية الكريمة التالية من سورة البقرة (126) «وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنًا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأُمتعه قليلاً ثمَ أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير»، كل الرسالات جاءت لتطلب من الناس الاعتراف بألوهية الله ولم تطلب الاعتراف بالربوبية «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأُولوا العلم» آل عمران 18 لنلحظ الشهادة من الله والملائكة وأُولو العلم. ففي خطاب الرُسل لأقوامهم كانت الألوهية هي أساس ومحور الخطاب.

عندما خاطب سيدنا هود قومه قال: «إني توكلت على الله ربي وربكم..» هود 65 لقد قال «الله ربي وربكم» علام كان الخلاف إذن طالما أقر سيدنا هود بربوبية الله له ولهم، لقد كان الخلاف على الألوهية، وفي سورة الشعراء 213 «فلا تدعو مع الله إلهًا آخر فتكون من المُعذَبين» وفي الأعراف 138 «قالوا يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة..» وفي الفرقان 68 «والذين لا يدعون مع الله إلها آخر».. ومن العسير جدًا مواصلة سرد الآيات التي نود أن نصل من خلالها إلى نتيجة مؤداها: انه لا توجد في القرآن صيغة «ولا تدع مع الله ربًّا آخر» ولو استعرضنا آيات الكتاب المكنون لن نجد صيغة «ألا تعبدوا إلا الرب».

وإذ نُشرف على نهاية الفكرة لا بد أن نُعرِّج على الآية الكريمة وهي ذات خصوصية خاصة «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله» التوبة 13.

هنا تجدُر الإشارة إلى أمرين لا يغفل عنهما كثير من الناس وأن الرهبان مارسوهما من اختصاص الربوبية: الأول: أنهم في مرحلة من مراحل التاريخ كانوا يوزعون الجنة بموجب صكوك والثاني وهو مازال قائما حتى اليوم ويتمثل بظاهرة الاعتراف فإذا اعترف المُذنب فإن الراهب يحلله من ذنبه وهذا من اختصاص الربوبية.

وأخيرًا فإن ضرورة التفرقة بين مفهوم الربوبية والألوهية جاء لأنه ينعكس مباشرة على بُنية الدولة. فالربوبية سلطة وتملك والألوهية طاعة للقوانين والأحكام، فالدولة فيها السلطة والتملك وامتلاك مقادير وزمام الأمور وفيها الطاعة والولاء عن طريق القانون والأحكام لينتظم الأمر وتستقيم حياة الناس، ضمن قانون منهج تقوم عليه الدولة ويرتضيها جميع الناس لما في ذلك من مصلحة ينتفع بها عامة الشعب. 

عاطف الصبيحي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news