العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

نحو وعي عصري متوازن لمعنى «المواطنة» الحقة

بقلم الشريف: د. محمد بن فارس الحسين

الخميس ٠٩ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

تمر بلادنا بمرحلة صعبة، في ظل ظروف خارجية متقلبة، وهذا يستدعي أن يعطي المواطن أكثر مما يأخذ، حتى لو اقتضى الأمر أن يقدم بعض التضحيات بجزء من استحقاقاته ومتطلباته من أجل الوطن. فمثل هذه التضحية هي بمثابة الدرع الذي يحمي الأوطان من الأخطار في مثل هذه الظروف، كما أنها تساعد الأوطان على تجاوز عثراتها والخروج من كبواتها. وليس هناك أكبر من عثرة عدم مواكبة الركب الحضاري للأمم، وليس هناك من كبوة أكبر من الوقوف خلف الآخرين، وبذلك تكون مسؤولية النهوض بالمستقبل على عاتق الأمة جمعاء وعلى الأجيال بأكملها.

بالأصل اللغوي المواطنة على وزن: مفاعلة -بمعنى تفاعل- بين المواطن وبين الوطن الذي ينتمي إليه ويعيش فيه وهي علاقة تفاعل، لأنه بذلك يترتب على كلا الطرفين العديد من الحقوق والواجبات؛ فلا بد لكي تتحقق المواطنة أن يكون انتماء المواطن وولاؤه خالصًا للوطن، يحترم هوية وطنه ويؤمن بها وينتمي إلى تلك الهوية ويدافع عنها، بكل ما تحتويه تلك الهوية من مكونات وثوابت اللغة والتاريخ والقيم والآداب العامة، والأرض التي تمثل حاضنة الهوية والمواطنين.. ولاء المواطن لوطنه أيضًا يتطلب التبرؤ من أعداء هذا الوطن.

وفي واقع الأمر فإن حب الوطن لا يكون بمجرد رفع الأعلام -وإن كانت جزءًا من الأفراح والشعور الوطني- وإنما حب الوطن ساكن في القلب تعبر عنه بالأفعال. وليس الانتماء فقط شعارات وهتافات، بل هو أمر عملي وواقع نعايشه، ويمكننا القول إن المواطن العادي هو من ينتسب إلى وطنه ويلتزم بالحقوق والواجبات التي يعطيه إياها الدستور، وهنا نحتاج في هذه المرحلة إلى أشكال عدة أكثر نضجًا للمواطنة ومنها تضحية المواطنة وإبداعية المواطنة.

إن مفهوم المواطنة والانتماء نظريا يوضح لنا أن المواطنة هي المحيط الأوسع الذي يستوعب مختلف الانتماءات في المجتمع، كما أنه يصنع المعايير التي تلزم المواطنين بواجباتهم والتزاماتهم وبذلك يتحقق الاندماج والتشاركية أو المشاركة التي تصب في مصلحة الفرد والوطن من ناحية، ومن ناحية أخرى تلعب المواطنة دورًا أساسيا في تحقيق الأهداف الوطنية.

المواطنة فلسفة تشمل التربية والسياسة والوجدان والسلوك، وهي مسار يكوّن في ذهن المواطن يشكل خريطة متكاملة متناسقة ومتكافئة، تسعى إلى توعيته بحقوقه وواجباته، وتهذيب سلوكه، وتفعيل دوره في حياة الجماعة التي ينتمي إليها بجعل عقيدة «الانتماء» إلى تراب الوطن فوق أي انتماء آخر.. وبما يعنيه ذلك من ترسيخ النظرة الإيجابية نحو الدولة، والالتزام بأداء الواجبات، واحترام الأنظمة والقوانين، وبذل الغالي والنفيس للحفاظ على تراب الوطن ومقدراته ومكتسباته.

وكمواطنين صالحين يجب علينا ألا نقف مكتوفي الأيدي تجاه ما يجري من أعمال إرهابية ونوكل الأمر برمته إلى الجهات الأمنية المعنية، فذلك أمر بعيد عن المنطق وينافي مبادئ المواطنة الفعّالة، فبدون ذلك التفاعل الإيجابي بين المواطن والأجهزة الأمنية لا يكتمل دور تلك الجهات الأمنية، ومن هنا أهمية معاونة المواطنين الغيورين على وطنهم في الحفاظ على استتباب أمن وسلامة المجتمع من أعمال تخريبية تحاول أن تهدم ولا تبني.

المواطنة مطلب شرعي

لم يعرف الغرب المواطنة وحقوقها إلا بعد التطور الحضاري وما أحدثته نتائج وآثار الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي؛ فقد تأخر الوعي العصري في أوروبا والغرب بمعاني ودلالات مفهوم المواطنة بسبب التمييز الديني بين الكاثوليك والبروتستانت، والتنازع العِرْقي بسبب الحروب القومية، وأيضًا بسبب التمييز الذي عانت منه النساء، وكذلك التمييز على أساس اللون ضد الملوَّنين؛ إلاّ أن المواطنة الحقّة والمساواة في الحقوق والواجبات قد ظهرت مع بزوغ فجر الإسلام، وتأسيس أول دولة إسلامية في المدينة المنورة سنة واحد هجرية (622م) في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبقيادته.

فقد خاطب القرآن الإنسان بمطلق إنسانيته، وقد كرّم الله بني آدم جميعًا «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» (الاسراء: 70). وقد وجه القرآن خطابه إلى عموم الناس، ومعايير التفاضل بينهم هي التقوى المشرعة أبوابها للجميع «اِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات: 13). بل قد جعل الإسلام جميع ما أتى به الرسل من قبل دعوة إسلامية بالأساس، وذلك عندما أعلن أن دين الله على امتداد تاريخ النبوات والرسالات هو دين واحد، وان التنوُّع في الشرائع الدينية بين الأمم إنما هو تنوُّع في إطار وحدةِ هذا الدين «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً» (المائدة: 48).

ومن هنا يتضح لنا أن المواطنة في الإسلام هي مفهوم سياسي مدني، وفي غيره اعتبرها البعض مفهوما دينيا، ولذا حقق الإسلام ومنذ فجر بزوغه ذلك التوازن المجتمعي برغم وجود التنوع العرقي والديني والثقافي. فالإسلام هو أول من دعا إلى الوحدة الإنسانية الشاملة ليعيش الناس في مودة وتعاون واستقرار وحث المسلم على الارتباط بوطنه، والولاء له. كما أن الوطنية في الإسلام لا تستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضا أن يؤدي الحقوق التي عليه للوطن، ومنها طاعة ولي الأمر والدفاع عن الوطن، واحترام القانون، واحترام حرية وخصوصية الآخرين.

‭{‬ أكاديمي متخصص في العلوم 

الشرعية وتنمية الموارد البشرية

Dr.MohamedFaris@yahoo.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news