العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقالات

مستقبل مجلس التعاون: أوان المصارحة والحسم _1
بقاء المجلس ضرورة استراتيجية خليجية عربية

بقلم: السيد زهره

الأربعاء ٠٨ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

ما هو مستقبل مجلس التعاون الخليجي بعد أن تفجرت أزمة قطر، وما شهدناه من تطورات في الأشهر الماضية؟

هذا السؤال يشغل -بلا أدنى شك- بال الكل في دول المجلس، وفي العالم أيضا.

وتحت هذا السؤال الكبير، هناك تساؤلات كثيرة أخرى مطروحة.

هل من الممكن تصور أن تظل قطر عضوا في المجلس بعد كل ما جرى وما فعلته؟

كيف يجب التعامل مع مسألة عضوية قطر في المجلس؟

هل من الممكن الحفاظ على وجود وكيان المجلس أصلا بعد الشرخ الكبير الذي حدث؟

ما الذي يجب عمله بالضبط من أجل الحفاظ على وجود وكيان المجلس؟

الأمر الغريب أنه عل الرغم من أن هذه التساؤلات هي -كما نرى- تساؤلات مصيرية حاسمة بالنسبة إلى دول وشعوب المجلس، فإننا لم نسمع أي إجابات عنها، أو حتى أي تصورات عامة مطروحة لمستقبل المجلس عموما، من الجهات والدوائر الرسمية في دول المجلس، باستثناء الموقف الواضح الذي أعلنته مملكة البحرين.

كما أننا -للأسف- لم نقرأ أي تصورات ورؤى غير رسمية مطروحة، باستثناء إشارات سريعة عابرة.

هذا وضع غير مقبول أبدا. القضية يجب أن تكون مطروحة للنقاش والاجتهاد بكل صراحة ووضوح. والقضية يجب أن يتم حسمها رسميا من جانب دول المجلس في أقرب وقت ممكن.

الوضع لم يعد يحتمل غير هذا.

الكل يعلم أنه منذ أن تفجرت الأزمة، ومجلس التعاون بكل مؤسساته مجمد عمليا تماما.. لا اجتماعات ولا أي مواقف مشتركة، ولا أي بيانات تصدر باسم المجلس.

هذا وضع لا يمكن أن يستمر هكذا.

كما أن القمة الخليجية من المفروض أن تعقد بعد نحو شهر، ولا بد أن يحسم الموقف منها.

وهذا الحديث هو محاولة لطرح بعض الجوانب التي نظن أنها مهمة وأساسية في أي جدل حول مستقبل مجلس التعاون، أو قد تساعد في تكوين رؤية صحيحة بهذا الخصوص.

‭}}}‬

الوضع الآن

من المهم بداية أن نلقي نظرة سريعة على الوضع الآن بالضبط.

لأن الكل يعلم بالتفصيل ما وصل إليه الوضع، سنشير باختصار شديد إلى الجوانب الأساسية التي تلخص هذا الوضع، والتي على ضوئها يجب أن نتحدث عن مستقبل المجلس.

الوضع هو على النحو التالي:

1- دولة عضو في المجلس هي قطر تآمرت من أجل السعي إلى إسقاط نظام الحكم في دول بالمجلس، ودعمت قوى وجماعات إرهابية لهذا الغرض، ومن أجل تقويض أمن واستقرار دول المجلس.. دولة سعت، وبالمعنى الحرفي للكلمة، إلى تدمير مجلس التعاون والقضاء عليه، وتنكرت لكل مبادئه ومواثيقه والأسس التي قام عليها.

2- هذه الدولة العضو حسمت خياراتها الاستراتيجية بعد كل ما جرى منذ عام 2013 حتى اليوم.

رغم اتفاقات 2013 و2014 التي وقعها أمير قطر بنفسه، ورغم كل التطورات التي ارتبطت بالأزمة الحالية، حسمت قطر أمرها بأنها لن تغير من سياساتها، ولا تبدو معنية على الإطلاق لا بأمن واستقرار دول المجلس، ولا بمجلس التعاون برمته.

ليس هذا فحسب، بل إنها تصطف في معسكر القوى والدول الأجنبية المعادية لدول وشعوب المجلس، وعلى رأسها إيران.

3- على ضوء كل هذا، من الصعب جدا -وفقا لأي منطق أو حسابات سياسية عقلانية تراعي مصالح المجلس ودوله وشعوبه- تصور أن تبقى قطر بنظامها الحالي عضوا في المجلس.

الثقة أصبحت منعدمة أصلا في هذا النظام وأي شيء يقوله أو يعد به.

الحقيقة أن قبول بقاء قطر في المجلس بعد كل ما جرى وما فعلته يعني عمليا قبول طابور خامس في المجلس يسعى إلى تخريبه لحسابات وأجندات أجنبية.

 4- وفي نفس الوقت، كما ذكرت، ليس مقبولا أبدا أن يظل المجلس مجمدا ومشلولا على هذا النحو بسبب الأزمة.

هذا هو الوضع الحالي باختصار شديد، والذي على ضوئه يجب أن نتحدث عن مستقبل المجلس.

لكن قبل أن نتحدث عن الخيارات المتاحة هنا، من المهم أن نلقي نظرة سريعة على بعض المواقف التي تم طرحها في الغرب بخصوص المجلس ومستقبله.

‭}}}‬

شماتة في الغرب

قرأت في الفترة الماضية عددا كبيرا من التحليلات والمقالات التي كتبها محللون في الغرب عن القضية، أي عن مستقبل مجلس التعاون بعد أزمة قطر.

يجب التذكير هنا بأنهم في الغرب لم يكنوا في أي وقت تقديرا لمجلس التعاون. ليس هذا فحسب، بل إنهم في السنوات الماضية في تقاريرهم وتحليلاتهم طالموا تمنوا فشل المجلس وسقوطه، وكتبوا هذا صراحة. أسباب ذلك كثيرة ليس مهما الخوض فيها الآن.

أقول هذا؛ لأنني لاحظت فيما كتبه كثيرون في الغرب بعد تفجر أزمة قطر قدرا كبيرا من الشماتة في مجلس التعاون، والسعادة في الحقيقة بما يعتبرون أنها أزمة كبرى لن ينجو منها المجلس.

أغلب المحللين في الغرب يرون أن أزمة قطر قضت على المجلس نهائيا، وأنه لن تقوم له قائمة بعد ذلك، وأن وجوده أصلا أصبح بلا معنى.

هذه بعض نماذج ما كتبه المحللون الغربيون باختصار شديد جدا.

أحد المحللين الغربيين كتب يقول إن مجلس التعاون لم يوجد أصلا إلا بوصفه ساحة للكلام الإنشائي فقط، مثله في ذلك مثل الجامعة العربية بالضبط. ولهذا، فإن فشله العملي محتوم ومتوقع مع الأزمة الحالية.

محلل آخر، كتب يقول إن مجلس التعاون بعد أزمة قطر أصبح من الماضي، وليس في هذا ما يدعو إلى الحسرة. في رأيه أن المجلس، بغض النظر عن بعض الإنجازات التي حققها في مجالات التجارة مثلا، فشل في تحقيق الأهداف الكبرى، وخصوصا في المجالات الدفاعية والعسكرية.

محلل ثالث كتب يقول إن خروج قطر المتوقع من مجلس التعاون بعد الأزمة سيكون بمثابة ضربة قاصمة لن تقوم للمجلس قائمة بعدها أبدا.

محلل رابع كان أقل حدة وحسما حول مصير المجلس من هؤلاء. كتب يقول إنه كلما طالت الأزمة الحالية مع قطر أصبح مستقبل ومصير مجلس التعاون محل شك، ولهذا يجب -في رأيه- على قادة المجلس أن يحزموا أمرهم وأن يقرروا كيف ستنتهي الأزمة أولا، وكيف سيكون مستقبل مجلس التعاون ثانيا.

محلل غربي خامس كتب يقول إنه أصلا لم يوجد في أي وقت مجلس للتعاون، بمعنى وجود معسكر واحد متماسك في كل المجالات.

قال إنه باستمرار، كان هناك ثلاثة معسكرات يجمعها ما يسمى مجلس التعاون فيما يتعلق بالمواقف والسياسات والاستراتيجيات، وخصوصا الخارجية.

معسكر يضم السعودية والإمارات والبحرين.

ومعسكر يضم سلطنة عمان والكويت

ومعسكر يضم قطر.

هو يريد أن يقول إن مسألة أن يبقى أو لا يبقى مجلس التعاون كما هو اليوم ليست أمرا مهما كثيرا، فأصلا لم يوجد المجلس كقوة موحدة في أي وقت.

هذا بعض ما كتبه المحللون الغربيون.

وكما نرى، هم يعبرون عن شماتة واضحة فيما وصل إليه حال مجلس التعاون بعد الأزمة، وفيما يعتقدون أنها نهاية للمجلس.

القضية ليست بالطبع قضية شماتة في حد ذاتها وحسب.

هناك في التصورات الغربية ما هو أخطر من هذا بكثير.

هم يطرحون بعض التصورات في منتهى الخطورة لمرحلة ما بعد مجلس التعاون في تقديرهم. وسنعود لاحقا لمناقشة هذا الجانب.

‭}}}‬

 

حقائق أساسية

قبل أن نمضي قدما في مناقشة القضية، والخيارات المطروحة، هناك حقائق أساسية لا بد من التوقف عندها والتذكير بها.

في مقدمة هذه الحقائق ما يلي:

أولا: أن قيام مجلس التعاون الخليجي واستمراره عبر هذه العقود هو إنجاز تاريخي، ليس لدول الخليج العربية فقط، وإنما لكل الوطن العربي.

قيام المجلس كان تعبيرا عن أمل للشعوب الخليجية العربية، واستمراره عبر هذه العقود عزز الأمل في الانتقال إلى مرحلة أعلى.. مرحلة الوحدة الخليجية.

والمجلس هو التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الباقية بكل ما يعنيه ذلك للشعوب العربية.

والمجلس استطاع عبر مسيرته الطويلة تحقيق إنجازات كبرى تعني الكثير جدا للشعوب ولكل العرب.

صحيح، كان للمجلس دوما أوجه قصور كثيرة، وعجز عن تحقيق الكثير من الآمال المعلقة عليه في مجالات شتى. لكن هذا لا يقلل أبدا من إنجازاته ومن قيمته الاستراتيجية.

ثانيا: ويعني هذا أن بقاء المجلس هو ضرورة استراتيجية خليجية وعربية عامة. 

ليس مقبولا أبدا مجرد التفكير في أن المجلس يمكن أن ينهار أو يتفكك.

ليس مقبولا على الإطلاق السماح بانهيار المجلس بسبب قطر. هذا ما سعت إليه قطر بالضبط، وستكون سعادتها غامرة لو انهار.

بالعكس، الرد الاستراتيجي على مؤامرة تدمير المجلس التي رعتها قطر وسعت إلى تنفيذها، هو الحفاظ على كيانه وعلى كل الإنجازات التي حققها لشعوبه ودوله وعدم التفريط فيها.

ثالثا: والمطلوب ليس فقط الحفاظ على بقاء المجلس، وإنما العمل على تقويته وبنائه على أسس جديدة بما من شأنه جعله أكثر قوة وفعالية وتأثيرا.

أزمة قطر أظهرت من بين ما أظهرت فداحة الأخطار والتهديدات التي تواجه دول الخليج العربية.

الأزمة أظهرت أن التهديد لا يأتي فقط من دولة معادية مثل إيران، ولا يأتي فقط من مخططات غربية تستهدف المنطقة وتسعى إلى تمزيق دولها نعرف أبعادها، ولكنها تأتي أيضا، من دولة عضو، هي قطر، دعمت الإرهاب وسعت إلى تنفيذ مخططات التدمير ولعبت الدور التخريبي الذي بات معروفا.

والأزمة وما كشفت عنه هي في حد ذاتها فرصة تاريخية أتيحت لإصلاح مجلس التعاون ومعالجة السلبيات وأوجه القصور الكثيرة التي شابت أداءه.

إذن، من جميع الأوجه أزمة قطر هي باختصار مدعاة إلى التمسك أكثر بمجلس التعاون والعمل على تطويره وإصلاحه، لا التفكير في هدمه.

ويعزز من هذا حقيقة أن هناك مخططات غربية تسعى إلى استغلال هذه الأزمة لتنفيذ أجندة في منتهى الخطورة.

‭}}}‬

أفكار خطيرة

أي حديث عن مستقبل مجلس التعاون الخليجي، لا بد أن يأخذ في الاعتبار هذا الجانب الخطير الذي لا يتنبه إليه كثيرون.

نعني ما يخطط له البعض في الغرب لمرحلة ما بعد مجلس التعاون.

 كتبت من قبل، وقبل أن تندلع الأزمة الحالية بفترة طويلة، عن وجود مخطط غربي لتفكيك مجلس التعاون الخليجي كخطوة يعتبرونها ضرورية لإرساء ترتيبات إقليمية جديدة في المنطقة.

لن نتحدث هنا تفصيلا عن هذا المخطط وأبعاده وما وراءه بالضبط، ولو أن هناك عددا كبيرا من تقارير مراكز أبحاث غربية طرحت هذا بالتفصيل.

نريد أن نقول إن تفكيك مجلس التعاون هو فكرة غربية قديمة. كثيرون في الغرب اعتبروا وجود المجلس كقوة خليجية موحدة عقبة أساسية أمام تصوراتهم الجديدة للوضع الإقليمي.

الذي حدث أن تفجر أزمة قطر الحالية جاء بمثابة فرصة ذهبية سرعان ما استغلها هؤلاء كي يعيدوا طرح أفكارهم ومخططاتهم الخطيرة، وبإلحاح أكبر من ذي قبل في عديد من المقالات والتحليلات نشرت في الفترة الماضية.

عدد كبير من التحليلات قرأتها في الفترة الماضية أصحابها جميعا يطرحون فكرة واحدة، وبنفس المبررات والعبارات تقريبا.

الفكرة تتلخص في أنه بعد تفجر الأزمة الأخيرة، وكما كشفت عنه، فإن مجلس التعاون الخليجي قد انتهى عمليا لا محالة، وليس له أي مستقبل ككيان موحد، ولا أي دور في تقرير شؤون المنطقة.

ولهذا، في رأيهم أنه يجب التفكير جديا في تأسيس نظام أمني إقليمي جديد في المنطقة تكون إيران عضوا أساسيا فيه.

هم يقدمون تصورات كثيرة لهذا النظام الأمني الجديد الذي يدعون إليه، والدور الذي يمكن أن يلعبه في المنطقة.

بطبيعة الحال، يقدم هؤلاء مبررات كثيرة لإلحاح على الترتيب لمرحلة ما بعد المجلس، وتأسيس هذا النظام الأمني الجديد.

يقولون مثلا إن تفجر الأزمة على هذا النحو يثبت ابتداء أن مجلس التعاون هو كيان هش، وأنه لم يكن له عمليا وجود كقوة موحدة فاعلة، وخصوصا فيما يتعلق بقضايا الأمن الإقليمي.

ويقولون إن معنى هذا أن المجلس فشل فشلا ذريعا في أن يتعامل مع قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة، ولا يمكنه أن يفعل ذلك في ظل الخلافات، بل الصراعات، بين دوله الأعضاء.

ويقولون إنه إذا كانت دول مجلس التعاون عاجزة هكذا عن الاتفاق على أي استراتيجية موحدة لحماية أمن واستقرار المنطقة، بل إنها تتناحر وتتصارع فيما بينها، وتعتبر أن دولة عضو في المجلس هي التي تهدد الأمن والاستقرار، فكيف يمكن الركون إلى كيان اسمه مجلس التعاون بعد ذلك، وإلى أي دور يقوم به في المنطقة؟

وهم يخلصون من هذا إلى القول إن هناك حالة فراغ في المنطقة فيما يتعلق باستراتيجية وسياسات الأمن والاستقرار، لا بد من التفكير في كيفية سده.

وفي رأي هؤلاء أن أحد الأسباب الكبرى لفشل المجلس على هذا النحو هو أنه مجلس مغلق منذ البداية وليس منفتحا على الدول الإقليمية الأخرى. ولهذا بالذات يصرون على أن النظام الأمني الجديد الذي يقترحونه لا بد أن تكون إيران طرفا أساسيا فيه.

بالطبع، من السهل جدا أن ندرك أن وراء هذه التصورات الغربية المطروحة لما بعد مجلس التعاون استغلالا للأزمة، القوى الغربية التي تريد تمزيق دولنا وإغراقها في الصراعات والفوضى، والتي تعتبر أن تمكين إيران في المنطقة يعتبر مدخلا أساسيا لذلك. هم يحين يقولون إيران يجب أن تكون عضوا أساسيا في النظام الجديد، فهم يقصدون في حقيقة الأمر أن تكون إيران هي المهيمنة على هذا النظام.

الذي نريد أن نقوله إن وجود مثل هذه المخططات الغربية الخبيثة هو في حد ذاته من أكبر العوامل التي يجب أن تدعونا إلى التمسك بمجلس التعاون وتقويته.

‭}}}‬

بعد كل هذا، يبقى التحدي هو: كيف يمكن -إذن- الحفاظ على المجلس وتقويته؟.. وكيف يجب التعامل مع مسألة عضوية قطر؟

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news