العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقالات

بالتي هي أحسن..

بقلم: د. عبدالرحمن بوعلي

السبت ٠٤ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:30

مرّ أبو الدرداء (رضي الله عنه) على مجموعة من الناس وقد تجمهروا على رجل يسبّونه ويشتمونه ويسخرون منه، وكان الرجل قد أصاب ذنبًا..! فعاتبهم أبو الدرداء (رضي الله عنه)، ثم قال: أرأيتم لو وجدتموه يغرق في بئر.. ألا تساعدوه وتخرجوه منها؟! قالوا: بلى، فقال: إذن، فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي، إن رأيت منه خيرًا ذكرته وشكرته، وإن رأيت منه ما أكره ولا أرضى نصحته ووجهته..! 

وكان أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) يقول: لو أخذتُ سارقًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذتُ شاربًا لأحببت أن يستره الله عز وجل..!

إنها سجية من أعظم وأطيب السجايا في المنظومة الأخلاقية الرفيعة التي جاء بها الإسلام باعتباره دين الفطرة الإنسانية والتسامح والمحبة والسلام.. فالستر على الناس، والتماس العذر للمخطئ، والتسامح فيما قد يقترفونه من أغلاط، كلها أخلاقيات مثلت ولا تزال تمثل جوهر منظومة الأخلاق الإسلامية وتعاليم الديانات السماوية كلها.. ليس فقط لأنها تحمي سمعة الإنسان وتصون مكانته الإنسانية وقيمته المجتمعية وحرياته الشخصية؛ بل لأن من شأن هذه الأخلاقيات أن تفشي بين الناس قيم السلام في المجتمع والتسامح بين مكوناته وعدم الإدانة واغتيال الشخصية. 

أما تتبع عيوب الناس وتسجيل الأخطاء والزلات عليهم، وفتح السجلات السوداء لهم، والتركيز على أخطائهم بالأجهزة المكبرة لتضخيمها وتعزيز إدانة أصحابها اجتماعيا وإنسانيا، فهذا لم يكن يوما من تعاليم الديانات ولا أخلاق الحضارات الإنسانية المرموقة.. بل إن الله عز وجل مدح نفسه بأنه الستار.. وانه يحب الستر، ويستر عباده في الدنيا والآخرة. وفي الحديث النبوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «يدنو أحدكم من ربه فيقول له أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم يا رب.. ويقول له أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم يا رب.. فيقرره ثم يقول إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيغفر الله له الذنوب».

ومن مزايا أخلاقيات الستر أنها تعمل على تعزيز ثقافة التّسامح، ونشر رسالة المحبَّة، وتأكيد احترام الآخر في نفسه وماله وعرضه، ورعاية حقوقه، وحفظ إنسانيّته، وكفّ الأذى عنه، ما دام لا يتحرّك بالظّلم والعدوان على الناس أو المجتمع أو الممتلكات العامة والخاصة. 

كذلك فإن من شأن أخلاقيات الستر أن تدفع أصحاب الأخطاء والنزوات إلى مراجعة أنفسهم ومحاولة تصحيح سلوكياتهم وممارساتهم من دون وسمهم بما يفسد عليهم حياتهم وسمعتهم، بل قد تمتد تبعاته إلى حياة أبنائهم وأحفادهم وسمعة أقاربهم وحتى أصدقائهم.

وأكثر من ذلك أن الستر في الإسلام وظيفة وطنية ومجتمعية تنسحب على غير المسلمين، وتشملهم بإيجابياتها ورفعة أخلاقياتها.. وفي الحديث النبوي الشريف: «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا سَتره الله يوم القيامة».

وعكس الستر التشهير الذي أصبح سمة من سمات الحضارة الإلكترونية في عالم بلا حجب ولا أسرار ولا أستار. ويعرّف البروفيسور دونالد كومرز -وهو أستاذ محاضر في القانون الدستوري المقارن في جامعة (نوتردايم) في ولاية (إنديانا) الأمريكية- القذف أو التشهير بأنه: «إصدار عبارات علنية شفهية أو كتابية من شأنها أن تسيء إلى سمعة الشخص أو اسمه أو تحط من مقامه في نظر المجتمع»..! وهو ما يسود في الأنظمة الديمقراطية على شكل توتر دائم ناجم عن التعارض المباشر بين الحريات وحقوق الأفراد في الخصوصية الشخصية والكرامة.

في عصر التقنيات وثورة المعلومات تراجعت كثيرا مساحة الخصوصية والحقوق الشخصية.. وأصبح مجرد الضغط على زر هاتف أو كمبيوتر عملا قد يؤدي إلى هتك أستار الآخرين وأسرارهم.. ما يعني حاجتنا الماسة إلى إعادة إحياء قيم الستر والمحافظة على صون عورات الناس أو تتبع أحوالهم. 

ومن أجمل ما قرأت في هذا المجال كلمات للإمام مالك.. يقول فيها:

«لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب.. 

وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد.. 

فإنما الناس مبتلى ومعافى..

فارحموا أهل البلاء.. واحمدوا الله على العافية.

وإياك أن تقول: هذا من أهل النار.. وهذا من أهل الجنة.. وادعُ للجميع بالهداية والرشاد».

واختم بأبيات الإمام الشافعي الجميلة في هذا الباب.. حيث يقول:

إذا رمت أن تحيا سليمًا من الردى 

ودينك موفور وعِرْضُكَ صَيِّن

لســانك لا تذكر به عورة امرئ

فكلك عــورات وللناس ألسن

وعينـــــاك إن أبدت إليك معايبًا 

فدعها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى 

ودافع ولكن بالتي هي أحسن

 

في الشأن الوطني: أداء بحريني متميز في تحقيق المساواة بين الجنسين

التنويه الذي حازته مملكة البحرين في مؤشر التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين بالنسبة إلى أدائها المتميز في تحقيق التوازن بين الجنسين خلال العام الماضي هو بحق إنجاز جديد يضاف إلى سجل المملكة الحقوقي والإنساني والتشريعي وفي مجال ريادة الأعمال.. وبحسب هذا المؤشر المرموق فقد طرأ تحسن كبير على ترتيب المملكة في المؤشر العام دوليا.. أما إقليميا وعربيا وخليجيا فقد حلت البحرين في المرتبة الثانية على مستوى دول الخليج العربية، كما حلت في المرتبة الثالثة عربيا.. وهو أمر يقتضي منا الإشادة والتنويه بدور المجلس الأعلى للمرأة بالدرجة الأولى، وبالسياسات الحكومية العامة التي هيأت لهذا الإنجاز.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news