العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقالات

في بغداد.. الفن في مواجهة الرصاص

بقلم: باكينام عامر

السبت ٠٤ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:30

في مدينةٍ لطّخ شبحُ الموتِ جبينها بوصمةٍ لا تُمحى، قررت مجموعة من طلاب الفنون في بغداد أن تخرج إلى الشوارع، لا للاحتجاج بدافعٍ سياسيّ أو اقتصاديّ على غرار كثير من أقرانهم، بل باسم الفن.

انطلقت المجموعة المكونة من شباب وفتيات يقودهم مهند صباح البالغ من العمر 24 عامًا، وهم يحملون اثنتَيْ عشرة عُلبة من علب الرسم بها طيف واسع من الألوان وطوفان من الأفكار، عازمين على الرسمَ على حواجز الطرق والكتل الخرسانية الصمّاء، بدلا من أن تشوّهها شعارات سياسية ودينية. وكانت نقطة انطلاقهم جامعة المستنصرية، حيث يدرس كثيرٌ منهم الفنون والآداب.

ومنها امتد نشاطهم لينتشر في ربوع بغداد.

الجرافيتي فن صارخ بالألوان، ومعظم رسوماته تصوّر مشاهد لا حصر لها؛ أوقات صباحية مشمسة، أشجار مورِقة، ليالٍ مرصعةٌ بالنجوم، أوقات أصيل حالمة، على النقيض من المشهد الرماديّ والبني الذي يميز خلفية بغداد المتربة.

كسر الخوف بالعمل

صباح؛ طالب يكتسب قوت يومه من العمل بالخط والرسم على الجدران، واتته هذه الفكرة البسيطة فأغرت كثيرًا من الطلاب - برغم انشغالهم – لكسر حالة الخوف الدائمة واتخاذ موقف.

«بدأنا بـ12 طالبًا فقط» يقولها صباح بثقة عبر مكالمة هاتفية مشوشة، ونبرة الفخر واضحة في صوته رغم تقطّع الصوت المستمر والضجيج الصادر من حوله. ويضيف: «انتشرت المبادرة عبر بغداد كالنار في الهشيم. فاق عددنا الآن مائة طالب. وانضمت إلينا عشرات المدارس والجامعات» ثم يسرد دفعة واحدة أسماء 5 مدارس على الأقل - تقع في مناطق مثل الأعظمية والشعلة والشعب - بدأت تبثُ الحياةَ في حرمها المدرسي والشوارع المحيطة بها عبر تلوين الجدران. 

يقول صباح: «لطالما بدَت جامعتنا كثكنة عسكرية، رؤيتها كانت تملؤني بالحزن دائمًا. كنت أنظر إليها يوميًّا فينتابني الشعور نفسه، حتى حدثت نفسي ذات صباح أنه ربما ينبغي عليّ أن أكون أول من يفعل شيئًا لتغيير حالها».

جامعة المستنصرية التي يدرس فيها صباح والتي انطلقت منها مبادرته هي واحدة من أقدم المؤسسات التعليمية في بغداد. حرمها القديم المطلّ على نهر دجلة لا يزال يحمل آثار معارك خيضت للزود عن «المدرسة»، ومن هذه الآثار ندوب خلّفها الغزو المنغولي في منتصف القرن الثاني عشر. أما بغداد الحديثة، ففيها يسطّر الحرم الجديد للمستنصرية - الواقع في شمال المدينة - فصولا من الصمود، في ظل التفجيرات التي يطول دمارها جميع الأحياء المجاورة، لتحصد الأرواح وتغتال الأحلام. وأقربها كان انفجار سيارة مفخخة، تُتَّهَم حركة داعش سيئة الذكر بالوقوف وراءه، تسبب في إغلاق الحرم الجامعي لأسابيع.

ولكن الغريب أن صباح وإخوته من طلاب الفن والتاريخ يقولون بأنه ليس بإمكان أحد أن يردعهم عن المضي قدمًا في حملتهم الفنية المقدّسة، حتى لو كانت داعش نفسها.

فصول من الصمود

تقول فاطمة جعفر ذات الـ23 ربيعًا والمهتمة بالفنون الجميلة برغم دراستها لنظرية الاتصال الجماهيري في الكلية «بعض الطلاب المتطرفين أزالوا رسوماتنا. أعلم أنهم لن يكفوا عن تغطيتها بالإعلانات مرارًا وتكرارًا. قد يطمسونها ويمحون آثارها بالطلاء الأبيض، ولكننا لن نتوقف عن تكرار المحاولة وإصلاح ما أفسدوه، سنرسم صورًا تصنع جوًّا من البهجة، ونحتفل».

تتمتع فاطمة بالجرأة، وهي طالبة في بداية مرحلة الدراسات العليا ترتدي حجابًا أنيقًا، وتُكنّ لبلدها الممزق حبًّا لا حدود له، ولا تشعر حياله بالإحباط.

تقول فاطمة: «أنا متشبثة بالأمل، ولا أنكر وجود مشكلات بالطبع» ثم تتحدث باستفاضة عن طبيعة بيئتها الجامعية المليئة بالقيود التي فرضها من تصفهم بـ«الطلاب المتشددين الذين يدينون بالولاء لجماعات طائفية ودينية مختلفة». هذه الجماعات- وفق توصيف فاطمة- لا يستوعب أعضاؤها أفكار غيرهم ويميلون لوقف الأنشطة التي ينفذها الطلاب غير المنتمين لعُصْبتهم.

عندما كان صباح وفاطمة وأقرانهما يجمعون المال من أجل الرسم على الجدران، كان هؤلاء الطلاب يقللون من جهودهم «كانوا يقولون: (أنتم تُضيّعون وقتكم وتهدرون أموال غيركم)» كان الطلاب المعارضون يثبطون زملاءَهم عن المساهمة بالمال في ما بدا وكأنه حملة مضادة كما تقول فاطمة موضحةً: «الأموال التي جمعناها – ومجموعها 1700 دولار – دفعناها من جيوبنا نحن»، وتضيف «أنهم يكرهون الفنون، يكرهون كل شيء. لكننا لن نتخلى عن هذه المدينة في أي وقت قريب» وتقول طالبة المستنصرية بأنها لا تؤمن بالفشل أو الرحيل من المدينة التي تبدو أنها ابتُليت بهذين الخيارَينِ أشد البلاء.

ضوء في الظلام 

وبرغم العوائق، دعمت إدارة جامعة المستنصرية جهود الطلاب، مانحة إياهم الضوء الأخضر ليرسموا أعمالا جديدة ويعيدوا رسم القديم. وعندما ذاع خبر الطلاب، انضم إليهم فنانون عراقيون محترفون، أحدهم يُدعى أيمن خميس موسى ويشتهر بكنيته أبو شمس.

يقول الفنان البالغ من العمر 35 عامًا إنه رأى في الانضمام إلى هذه المبادرة فرصة للتمرد على القلاقل المدنية؛ فالاضطرابات السياسية على حد قوله قيّدت حركة الشباب رغمًا عنهم، ولكن مبادرة كهذه من شأنها أن تساعدهم على الوقوف في وجه قوى الظلام «إنها توحّد الناس مهما كان اعتقادهم».

وبانضمام أبو شمس إلى المبادرة، أصبح متحدثًا شعبيًّا باسمها، يعتاد زيارة المدارس المُنهكة في بغداد وينظم أنشطة لإعادة تأهيل جدرانها المتهالكة «لا نرسم على جدران المدارس فقط، بل ودور المسنين والأيتام أيضًا، نمر بأوقات عصيبة ولكننا سنواصل العمل».

ينظر صباح، قائد الطلاب، إلى مستقبل هذه الحملة بعين الأمل فقط، برغم السُحب السوداء التي تعكر صفو حياته؛ فقد حصدت الحرب أرواح ثلاثة من أعمامه، وأربعة من أبناء عمومته، وكثيرًا من أقاربه البعيدين. فضلاً عن احتياجه للعمل إلى جانب دارسته للوفاء بالتزاماته.

وبحكم عمله التطوّعي في عدد من المؤسسات الخيرية والتنموية، اعتاد صباح السفرَ خارج بغداد ضمن القوافل المشحونة بعمال الدفاع المدني والمساعدات العاجلة. ويقول إنه رأى بأم عينيه «أثر الدمار والموت» الذي خلّفته داعش ويتأسّف قائلا: «ما رأيته كان مأساة تعجز الكلمات عن وصفها؛ البيوت قُصِفت حتى دُمرت تمًامًا، أمحت عن وجه الأرض. من العبثِ حتى أن أحاول وصف المأساة. ولكن الحياة تمضي. وصدق أو لا تصدق، لا نزال نتطلع إلى المستقبل. لدينا أفكار لمشروعات جديدة، وما زلنا نحارب من أجلها. والمبادرة الفنية الحالية لن تكون الأخيرة».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news