العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

وهج الكتابة: تغطرسَ الشاعرُ وظنَّ أنَّه سَماء

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٠٤ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:30

يدخل الشاعرُ أحيانا لحظة انفلاتٍ من الجاذبية، من العقل، من الزمان، من المكان، لحظة صهيلٍ مكبوت وعارم في الداخل، ربما لحظة لا وعي، وهي في الحقيقة لحظة وعيٍ عظيمة حين تهطل كلماته بعفوية مفرطة، حين يشعر أن أحدا ما يملي عليه المفردات والصور. بل إنه حتى بعد أن يكتب القصيدة أو النص يشعر باستغراب ودهشة أنه كتب ذلك، ولا يصدق أنه هو الكاتب أحيانا. هذا ما سماه العرب بـ«شيطان الشعر» الذي يملي على الشاعر قصائده في لحظة غيابٍ كاملة أو شبه كاملة، بما يعني أن الشعراء لا يقولون الشعر من تلقاء أنفسهم أو من قريحتهم بل يقتحم اللحظة جني أو شيطان يلهمهم وربما تكون جنية أو شيطانة. يقال عن الشعراء إنهم مجانين أو ممسوسون بشياطين الشعر إلى درجة أن البعض ينظر إلى الشعراء أنهم مسكونون. في تاريخ الشعر العربي القديم تحدثوا عن شياطين الشعر وقالوا إن للشعر شيطانين أحدهما يدعى «الهوبر» والثاني «الهوجل»، فمن سكنه «الهوبر» أجاد وأبدع قصيدة رائعة، أما من سكنه «الهوجل» فإن شعره سوف يكون ضعيفًا بلا طعم. وقديمًا سمي شيطان كل شاعر باسم خاص، مثلا كان شيطان الأعشى يطلق عليه «مسحل» وقال الأعشى يصفُ شيطانه: «دعوت خليلي مسحلا ودعوا له جُهنَّام جذعا للهجين المذمم». أما الكميت فكان يسمى شيطانه بـ«واغم»، وشيطان امرؤ القيس فكان يسمى «لافظ بن لاحظ»، و«هادر» شيطان النابغة الذبياني و«هبيد بن الصلام»، هو شيطان عبيد بن الأبرص والذي أنشد على لسانه:

أنا ابن الصلادم ادعى هبيدْ         حبوت القوافي فرمى أسدْ

عبيدًا حبوتُ بمأثورةٍ                 وأنطقتُ بِشرًا على غير كدْ

فهل يمكن أن نصدق هذه الشياطين في عصر الفتوحات التكنولوجية والتقدم الهائل، في عصر أصبح الكمبيوتر هو الشيطان الرجيم. في رأيي أن كل ذلك من بنات أفكار الشعراء الذين كانوا يتفاخرون بشياطينهم في عصر انتشرت فيه الخرافات وكان الناس يصدقون تلك الخزعبلات والترهات. الشعراء أنفسهم هم الشياطين الحقيقيون وليس لهم شياطين إلا في أخيلتهم الشاسعة. كان الشعراء يفتخرون بأنفسهم، ويظنون أنفسهم آلهة، كنوع من الغطرسة ولا ألومهم فقد كانت لهم مكانتهم بين قومهم وسلاطينهم بعكس حال الشعراء اليوم، الذين تحولوا إلى غرباء ضائعين لا تعترف بهم سلطة ولا شعب، وما عاد للشعر الدور القديم الذي كان يثير المعارك والغبار والعواصف. بلغ الافتخار في الشعر القديم درجة نرجسية غير معقولة. فها هو المتنبي يقول عن نفسه: 

سيعلم الجمع ممن ضمَّ مَجلِسُنا              بأنني خير من تسعى به قدم

أنا الذي نظرَ الأعمَى إلى أدبي              وأسمعت كَلماتي من به صممُ 

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني                والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ 

ويقولُ عنترة بن شداد الذي ملأ الأرض فخرًا وافتخارًا:

ولو أرســلتُ رُمحـــي مع جبــــانٍ           لكــانَ بهيبتي يلقى السِــباعا

ملأت الأرضَ خوفًا من حُسامي          وخَصمي لم يجد فيها اتساعا

ويقول أبو العلاء المعري:

وإني وإن كنـتُ الأخير زمـانُه              لآتٍ بما لمْ تستطعهُ الأوائــــلُ

حينما قيل لأبي تمام: «لماذا لا تقول ما يفهم الناس؟ فكان جوابه: ولماذا لا يفهم الناس ما أقول». هل هذا نرجسية، اعتداد بالنفس أم جنون الشعراء والمبدعين الذين يشعرون أحيانًا أنهم عرّابو الزمان والمكان، وهم يستحقون ذلك، فكتابة الشعر هي عملية مخاض مؤلمة لا يعرفها إلا الشعراء أنفسهم، الكتابة هي مواجهة تنور حارق، لا يستمتع به إلا المبدعون!

Alqaed2@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news