العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

القصة القصيرة وأفق الانتشار الإلكتروني ما بين الورقي والرقمي 2-3

د. فهد حسين.

السبت ٠٤ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:30

حين كان الشعر متربعًا على مشهد الثقافة والأدب العربيين كان هو التاريخ والديوان، ولكن بحضور الكتابات السردية الحديثة كالمسرح والقصة والرواية ثم القصة القصيرة جدًا، سعى الشعر إلى تعدد فنونه وأنواعه، ولكن لم يستطع إلغاء أي فن من الفنون التي باتت منغمسة في وجدان الإنسان وعاطفته، ومتخيله، وهي من المشروعات الكتابية العربية، مما أفضى ذلك إلى حالة من التعايش والتجاور والتواصل بينها، وعندما فتح العالم بابًا آخر يمكن لهذه الفنون والأجناس بناء جسور لها من خلاله لم يتردد الكتاب والمبدعون، من هنا حدث التشابك والتواصل الفني والجمالي التكنولوجي تجاه النص الإبداعي. 

أما الحديث عن القصة فهي في عالمها الورقي هي نظام مغلق، وضمن مكان ضيق مهما حدث لهذا النظام من اتساع أو امتداد، ولكن حينما تتحول القصة من الورقية إلى الرقمية أو الإلكترونية فإنها تدخل في سياق آخر، سياق مفتوح في حاضره وفي مستقبله، لذلك العلاقة مع الكتابة وتطور نشرها وإيصالها إلى شرائح المجتمع العالمي فمن المؤكد أن هناك فوارق ميزت بين القصة التي كتبت على الورق أو بالطريقة التقليدية واكتفت بذلك أي بـ (ورقنة القصة)، وبين القصة التي كتبت على الحاسوب ونشرها عبر الإنترنيت أي (رقمنة القصة). 

وما وصولنا إلى الكتابة الرقمية إلا بعد مرور النشاط الإنسانـي الثقافي بمراحل عبر السنين، بدءًا من الشفاهيـة حتى الرقمية والأدب التفاعلي الذي قدم له عدد من الكتاب والمشتغلين بالنص إلكترونيًا، حيث يرى مشتاق عباس معن «بأنه نص يستعين بالتقنيات التي وفرتها تكنولوجيا المعلومات، وبرمجيات الحاسب الإلكتروني لصياغة هيكلته الخارجية والداخلية، وبين السيد نجم بأن الأدب التفاعلي كل نص ينشر نشرًا بالوسائط الإلكترونية»(1)، كما أنه «يوظف معطيات التكنولوجيا الحديثة في تقديم جنس أدبي جديد يجمع بين الأدبية والإلكترونية، ولا يمكن أن يتأتى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، ولا يكون تفاعليًا إلا إذا أُعطي المتلقي مساحة تعادل أو تزيد عن مساحة المبدع الأصلي للنص»(2). ولكن هذا التواصل والتفاعل عبر شبكة الإنترنيت قد سبقتهما محاولات ورقية في شكل تفاعلي بين النص والقارئ ليس بوصفه قارئًا فحسب، بل جعله كاتبًا للقصة، وهذا ما قد وظفته الصحافة المصرية أربعينيات القرن الماضي، وحاولت الصحافة السعودية تقليده حيث «دأبت بعض الصحف على نشر نوع من القصص يسمى (القصة الاتستفتائية)، وهي قصة تعرض مشكلة أو موقفًا اجتماعيًا، ثم تطلب من القراء المشاركة في تكملة القصة أو حل المشكلة»(3). 

وهناك فرق كبير بين النشر التقليدي أي الورقي، والنشر الإلكتروني، بل حتى النشر هذا يختلف إن كان نشرًا للقصة القصيرة أو الرواية أو القصة القصيرة جدًا (ق.ق.ج)، أو نشرًا للمقالات والدراسات في مختلف المعارف الإنسانية عامة والأدبية بخاصة، كما أن هناك فرقًا بين النص المكتوب ورقيًا، وحوّل إلى نص إلكتروني، وبين النص كتب في الأصل ليكون إلكترونيًا، حيث «سعى جورج لاندرو الذي يعد من المنظرين الأوائل لمفهوم النص المترابط، إلى إيجاد عناصر مشتركة بين نظرية الأدب وبين مفهوم النص المترابط، أن الكثير من طروحات رولان بارت حول مفهوم النص باعتباره نظامًا، ومفهوم القارئ باعتباره منتجًا للنص، وليس مستهلكًا، إضافة إلى مفهوم اللامركزية التي اقترحها دريدا، وتعدد الأصوات باعتبارها تعددًا لأنماط الوعي وليس تعددًا لخصائص الوعي كما اقترحها ميخائيل باختين. إنها مجموعة تصورات وطروحات وأفكار اعتبرها لاند رو من أساسيات مفهوم النص المترابط»(4). 

والقصة حينما تكتب إلكترونيًا فإنها تخرج من دائرة الهوية الضيقة التي ربما يحرص عليها بعض الكتاب الذين لا يرغبون في فتح أفق التواصل مع عالم الإنترنيت، ويدخل في الهوية المتسعة ذات الأفق الكبير المؤطر بعدد الثقافات، وهي تحتضن النص أيا كان نوعه وشكله وطبيعة كتابته، هذا يعني أن حضور القصة الإلكترونية هو الانتقال من المكان الضيق المحدود إلى الفضاء الواسع المعروف وغير المعروف (المكان الافتراضي)، والخروج من هيمنة ضيق الفضاء وزمنه إلى اتساع الفضاء وتعدد أزمنته، بل كلما تقدم العلم في تطوير تقنيات الحوسبة وآلية التعامل والتواصل مع الشبكة العنكبوتية كلما ذهب النص المكتوب رقميًا (القصة القصيرة مثلاً) إلى هذه الفضاءات الأكثر اتساعًا. 

وعلى هذا الأساس أشارت البريكي إلى أن النص التفاعلي – وهنا مثلاً القصة –حينما تدخل في عالم الأدب التفاعلي فتكون «نصًا مفتوحًا بلا حدود، إذ يمكن أن ينشئ المبدع نصًا ويلقيه في أحد المواقع الإلكترونية، ويترك للقراء والمستخدمين إكمال هذا النص، لذلك لا بد من الاعتراف بدور المتلقي في بناء النص وقدرته على الإسهام فيه»(5)، ولكن ما هو منتشر لدى كتاب العربي شعرًا وسردًا أن النص مكتوب من قبل المبدع ولا يتدخل المتلقي إلا عبر قراءة هذا النص والكتابة عليه بنص آخر تعليقًا أو نقدًا أو حتى نصًا إبداعيًا، وما التفاعلية إلا في نطاق ضيق جدًا. 

وفي ضوء العلاقة مع شبكة الإنترنيت والميديا وشبكات التواصل الاجتماعي، نتساءل: هل العلاقة التي تكونت بين النص (القصة القصيرة) والثورة المعلوماتية هي علاقة تشاركية تفاعلية تبادلية بين كاتب القصة وقصته من جهة، وبين قنوات التواصل الإلكتروني من جهة أخرى؟ كما أوضح سعيد يقطين بالقول بأن: «الأدب التفاعلي هو مجموعة الإبداعات التي تولّدت مع توظيف الحاسوب، واتخذت صورًا جديدة في الإنتاج والتلقي»(6)، أم هي علاقة نفعية برجماتية دعت لها الحاجة من قبل الشبكة والكاتب معًا؟ أم هي علاقة وجود حتمي في ضوء هذا الانفجار المعرفي، والتطورات السريعة في عالم التكنولوجيا والمعرفة الإلكترونية؟ حيث لم يعد الكاتب حاليًا الابتعاد عن هذا التطور، بل فرض الالتصاق به شاء أم أبى. أم هي علاقة حوارية بين مرسل النص ومستقبله في إطار السرعة والحداثة العلمية والمعرفة والثقافة؟ «فكلما تطور الفكر البشري، وتطورت آليات تفكيـره، تغيرت أشكال تعبيره، ومن ثمة تغيـرت إدراكاتـه للأشياء والحيـاة والعالم»(7). 

إن العلاقة بين الكاتب ونصه القصصي وبين الشبكة المعلوماتية تكمن في محورين مهمين يتمظهران في إشكالية تخص المبدع، وإشكالية تخص النص نفسه، أما إشكالية المبدع فهي تدور حول الكاتب العربي الذي مازال في حوار مع ذاته. 

1_ إياد إبراهيم الباوي وحافظ محمد الشمري، الأدب التفاعلي الرقمي – الولادة وتغير الوسيط، لا دار، بغداد، ط1. 2011.

2- بهيجة إدلبي، الأدب التفاعلي وحوار الثقافات، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ط1. 2014.

3- جميل حمداوي، الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق (نحو المقاربة الوسائطية)، شبكة الألوكة الإلكترونية، ط1. 2016. 

4- زهور كرام، الأدب الرقمي – أسئلة ثقافية وتأويلات مفاهيمية، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1. 2009.

5- سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط – مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1. 2005.

6_ سمحي بن ماجد الهاجري، القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية، النادي الأدبي بالرياض، الرياض، ط2. 2016. 

7_ سكوت ل. مونتغمري، هل يحتاج العلم إلى لغة عالمية؟، تر: فؤاد عبدالمطلب، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرف (419)، الكويت، ط1. 2014.

8- عمر زرفاوي، الأدب التفاعلي ونظريات ما بعد البنيوية، مجلة الفيصل الأدبية، الرياض، عدد 4-3. مجلد5. 1430.

9- فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1. 2006.

10- مجموعة من المؤلفين، امنحني 9 كلمات، دار الفراشة للنشر والتوزيع، الكويت، ط1. 2016.

11- نبيل على، العقل العربي ومجتمع المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرف (369)، الكويت، ط1. 2009.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news