العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

تأملات في آيات القرآن الكريم الإعجاز العقلي في القرآن الكريم (2) «آيات العقل في القرآن الكريم»

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ٠٣ نوفمبر ٢٠١٧ - 10:47

من أعظم نعم الله على الإنسان ذلك العقل المعجزة، والذي تمثلت فيه أنفع وأروع وأسمى القوى الفطرية التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيه، لقد سما به القرآن الكريم ووضعه في منزلة رفيعة، ويتضح ذلك من النظر والتمعن في آيات العقل في القرآن الكريم وهي كثيرة، والتي يقول عنها العقاد: لا يذكر القرآن الكريم العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المُنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه. 

ويذكر (النحلاوي) في هذا المجال أيضا أن القرآن الكريم قد اهتم بالعقل لأنه أهم الطاقات الإنسانية في نظر الإسلام، فجميع أركانه -أي الإسلام- مبنية على إدراك العقل وقناعاته، ويستطرد قائلا: ولذلك لم يكن غريبا ألا يحاسب الطفل أو المجنون على أفعاله، وألا يحاسب المضطر أحيانا. ويعتبر التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة والتكليف، ميزة واضحة في الإسلام.

وقد دعا القرآن الكريم إلى إعمال العقل في أكثر الأمور أهمية وخطرا، وهي الأمور الخاصة بالتشريع، حيث توجه القرآن الكريم بآياته التشريعية إلى أصحاب العقول ليفكروا فيها ويتدبروها، ثم يعملوا على تطبيقها، ومما يؤكد ذلك ما جاء في سورة البقرة: في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فإن خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة (240-242).

وقوله تعالى في سورة الأنعام: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الأنعام 151).

وقوله في سورة النور: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ولا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).... إلى قوله تعالى (.. كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (النور 58-61). 

كما يدعو القرآن الكريم العقل إلى التفكر والتدبر في الكون، وفي خلق الإنسان، لكي يصل إلى حقيقة أن الله هو خالق هذا الكون ومبدعه، بما فيه ومن فيه، وأنه هو وحده لا شريك له، ولا يستحق العبادة سواه. قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) فصلت (53). وهذا (التبيان) لا يتم إلا عن طريق العقل الذي يدرك آيات الله ويفكر في معانيها ويربط العلاقات بين الظواهر والأسباب حتى يتوصل إلى الحق. 

ويتضح هذا أيضا في قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة 164).

وهكذا نجد القرآن الكريم يزخر بالآيات الكثيرة التي تدعو إلى التأمل والتدبر والتفكير وإعمال العقل فيما خلق الله، بغية الوصول إلى الإيمان بالله الخالق الحق، وقد سلك القرآن الكريم في هذا السبيل مسلكا يثير العقل، ويحفز انتباهه حتى يصل إلى حالة من الرقي والسمو في مدارك المعرفة والتفكير.

ومن المعروف أن مثل هذه المسائل قد حيرت العقول كثيرا، وحسمها القرآن الكريم بهذا القول في محكم آياته، ولعل ذلك لسببين، أولهما: إتاحة الفرصة للعقل للتفكير والتدبير ليصل إلى أن هنالك أشياء لا يستطيع أن يدركها بقدراته المحدودة، وأن هذه الأشياء هي في علم الله وحده. وثانيهما: أن يركز العقل على أشياء أخرى يجدي فيها التفكير.

ومن أدلة ذلك أن الإجابات التي يقدمها القرآن الكريم عن الأسئلة المتعلقة بالاستفسار عن حقائق الكون أو الإنسان، والتي تعتبر خارج نطاق المعرفة الإنسانية، ولا مجال للجدل فيها، لا يعطي القرآن الكريم فيها شروحا مطولة، وإنما عبارات مقتضبة من غير إطالة في النقاش أو الشرح، لأنها تقع في علم الله فقط، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (ق 38) وفي قوله: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). (الإسراء 85)، وذلك حتى لا يبذل العقل جهدا ووقتا في التفكير فيما هو خارج قدراته.

وفي توجيهات القرآن الكريم للعقل، أراد أن يخلصه من كل القيود التي تحد من قدراته، سواء كانت هذه القيود اتباعا للأسلاف، أو تقليدا لهم دون تفكير أو روية. وفي هذا يقول المولى جل وعلا، نافيا عنهم صفة التعقل: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون). (البقرة 170).

هكذا يوجه القرآن الكريم العقل البشري ويرشده، كي يخلصه من كل القيود التي تحد من قدراته التي حددها الله سبحانه وتعالى له، وهي أوسع بكثير مما حجب عنه، سواء كانت هذه القيود إتباعا للاسلاف، أو تقليدا لهم دون تفكر أو روية، كما جاء في سورة البقرة، فالإسلام دين لا يعرف السيطرة أو الوصاية على العقل، ولهذا فقد أعطى القرآن الكريم كل الحرية للعقل ليقوم بوظائفه الفكرية دون إملاء ومن دون قيود، وترك له الحرية في اختيار الطريق الذي يصل به إلى الدين الحق، قال تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة 256). بمعنى أن من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا.

ومن هنا يتبين لنا أن القرآن الكريم يجعل النظر العقلي وإعمال الفكر وعدم الإكراه على رأي معين من أسس الإيمان الصحيح، ويعتبر الوسيلة السليمة المؤدية إليه، ولذلك لم يأت الحديث علن العقل في القرآن الكريم عرضا، ولا ترددا من قبيل التكرار، بل كان التنويه به حقيقة أساسية ترمي إلى أن لباب الدين وجوهره لا يدركان إلا به. 

كما يدعو القرآن الكريم العقل إلى التفكر والتدبر في الكون وفي خلق الإنسان، لكي يصل إلى حقيقة أن الله هو خالق هذا الكون بما فيه وبمن فيه، وعليه، لا يستحق العبادة سواه. قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ). (فصلت 53) وهذا التبيان لا يتم الا عن طريق العقل الذي يدرك آيات الله ويفكر ويربط العلاقات بين الظواهر والأسباب حتى يصل إلى حقيقة مؤداها كمال العبادة لله وحده.

ولقد وردت الإشارة إلى العقل في القرآن الكريم بعدة صور:

1/ منها ما كان بصورة مباشرة وأعني بذلك ما جاء في أسلوب صريح باللفظ والمعني، كما هو الحال في الآيات التي تحتوي على مشتقات لفظ (عقل) مثل: يعقلون، تعقلون، نعقل، يعقلها..... إلى آخره، وقد وردت هذه الألفاظ في القرآن الكريم تسعا وأربعين مرة. 

2/ أو تلك التي تحوي كلمات مرادفة للفظة (عقل) كالقلب واللب والفؤاد والحلم.. إلخ.. وقد وردت في القرآن الكريم حوالي مائة وثمانين مرة.

3/ أو التي تشتمل على ألفاظ تشير إلى وظيفة من وظائف العقل: مثل التذكر والتفكر والتفقه والتدبر.... إلى آخره، وقد وردت هذه الألفاظ حوالي ثلاثمائة مرة. 

وهذا يعني أن مشتقات لفظ عقل ومترادفاته قد ترددت أكثر من خمسمائة مرة في القرآن الكريم، ولعل ورود هذا العدد الكبير من الألفاظ التي تشير إلى العقل في القرآن الكريم، يؤكد أهمية العقل ودوره في حياة الإنسان، كما يوضح المنزلة السامية للعقل في القرآن الكريم.

هكذا منحنا المولى جل وعلا ذلك العقل -الجهاز الإلهي المعجزة- وبتلك المقدرة الجبارة على التفكر والتدبر، ليساعدنا على تحقيق الهدف الأسمى من خلق الإنسان ووجوده على هذه الأرض، وهو عبادة الله سبحانه وتعالى، وإعمار الأرض، ولم يكتف الخالق المبدع بمنحنا هذه الطاقة الجبارة فقط، وإنما أعطانا التوجيهات والإرشادات الخاصة بتشغيله، واستغلاله الاستغلال الأمثل، فهل قمنا بذلك حقا؟ 

هل ما وصل إليه الحال في أمتينا الإسلامية والعربية الآن ينبئ بأننا قد قمنا باستغلال العقل ووظائفه المنوطة به من أعمال له وتفكر وتدبر كما أمرنا الخالق جل وعلا؟ 

وليس ما ذكر الآن فقط هو كل ما جاء حول العقل في القرآن الكريم، فمن الآيات -أيضا- ما حوى توجيهات عقلية بصورة غير مباشرة، تمثلت في شكل حوار، أو استجواب أو قصة أو ضرب أمثال إلخ... ويزخر القرآن الكريم بالكثير من هذه الآيات والتي يمكن أن نفصل فيها القول وفي مدلولاتها التربوية والارشادية في مقالات مقبلة بإذن الله تعالى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news