العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

معنى الجهاد في الثقافة القرآنية

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

الجمعة ٠٣ نوفمبر ٢٠١٧ - 10:46

استقر معنى الجهاد في الثقافة القرآنية الشعبية عند مفهومه التاريخي؛ أي أن المجاهد هو الذي اشترك في الفتوح الإسلامية، وأنه ذلك الذي آمن بالرسالة وبذل روحه للدفاع عنها. كما ارتبك العامة في التوفيق بين الفتح بالسيف، ومقولة إن الإسلام لم ينتشر بالسيف. وبالطبع لم يفهم العامة الأضواء الكاشفة التي ألقاها المفكرون مثل العقاد وطه حسين، أو رجال الدين مثل الأئمة وبعضهم كانوا شيوخًا للأزهر، كما لم يتعقبوا الفتاوى المختلفة التي ظهرت في هذا السياق.

لا شك أن الجهاد فريضة إسلامية، كما أن الإسلام انتشر بالإقناع والهداية أما الحقيقة الثالثة فهي أن الأمم السابقة كانت تتوسع بسبب توافر القوة وفائضها على حساب الأمم الأخرى، وكلما كان التوسع لأسباب آيديولوجية سياسية أو دينية أو حتى أسباب اقتصادية، كان القتال صلبا وحازما. 

هكذا تمكن العثمانيون من توسيع رقعة بلادهم وأنشأوا الامبراطورية العثمانية، وهكذا تحارب الصفويون في إيران بعد تحول إيران إلى المذهب الشيعي مع العثمانيين السنة، فكانت حروبا لها دوافع سياسية تتصل بمنطق الغلبة والنفوذ، وفي الباطن منها أسباب طائفية، وإن ركزت الكتابات الغربية على هذا الطابع وحده. أما الحروب الصليبية فكانت تحت راية الصليب ظاهرها ديني وباطنها أسباب كثيرة لا مجال لاستقصائها. وقد حاولت بعض الكتابات وهي تدفع عن الفتوح الإسلامية طابع الغصب والغلبة أن تركز على أن المسلمين فاتحون وليسوا غزاة مع أن اللغات الأوروبية لا تعرف معنى الفتح؛ لأن معناه قاصر على المسلمين فهو فتح من الله عليهم بسبب إيمانهم فنصرهم الله على عدوهم، ماداموا يقاتلون لنشر الدين.

من ناحية أخرى، حاولت هذه الكتابات أن تشير إلى أن المسلمين الفاتحين كانوا يحاربون المحتل الأجنبي للبلاد التي فتحوها ولم يحاربوا أهل هذه البلاد، وأن هذه الحرب هدفها تحرير إرادة الناس في هذه البلاد فلا يقهرون على دين معين استنادا إلى أن القرآن يؤكد حرية الاعتقاد مادام علاقة خاصة بين الإنسان والخالق. فكان المسلمون يقدمون لأهل هذه البلاد الدين الصحيح بممارساتهم وسلوكهم وعملهم بعد أن حرروهم من ربقة العبودية الدينية والسياسية لغاصبيهم الذين هزمهم المسلمون.

ويجب أن نحذر في هذا المقام بين الدين وتعاليمه التي لا تتغير، وبين تفسيرات الدين لأسباب سياسية، وحروب الفرق والتشرذم الديني، وانقسام الإسلام إلى فرق أبرزها السنة والشيعة وعدم التسامح إزاء المنتمين إلى كل طائفة مما كان واضحًا تماما على صفحة التاريخ المصري الذي شهد موجة الفتح الأولى على يد عمرو بن العاص، ثم الفتح الفاطمي وعصرهم الذي استمر عدة قرون، ثم استواء المزاج المصري الطبيعي في عهد الظاهر بيبرس ومماليكه، والذي خصص لكل مذهب من كل المذاهب مكانا في الأزهر في التعليم والفتوى، ثم فرضت الظروف السياسية على العصر الأيوبي مسحة من التعصب لطائفة دون أخرى، وهكذا إلى أن انتهت مصر الآن إلى أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة من دون إقلال من المذاهب الأخرى.

ويوضح المقريزي في كتابه مذاهب أهل مصر وعقائدهم الذي حققه  د. أيمن فؤاد في مركز تحقيق النصوص بجامعة الأزهر ونشر بالقاهرة عام 2016 تصارع الفرق بسبب السياسة، بينما الدين واحد وهو حجة عليهم جميعا.

وعندما تغلب الغرب والصهيونية وابتدع ما اسموه الإرهاب الإسلامي زورًا وبهتانا وهم صانعوه، حاول البعض الانسحاب قليلا بتخفيف معنى الجهاد على أنه جهاد النفس وليس جهاد الآخر. ثم تفاقم التيار الليبرالي والعلماني غير المستنير، فأراد التقرب من المتغلب الصهيوني فظهرت مقترحات تبدأ بإلغاء آيات الجهاد وشطب اسماء الفاتحين الكبار: عقبة بن نافع وصلاح الدين بحجة أنهم يوجهون الصبية في المدارس نحو العنف والإرهاب. وبدلا من الاعتزاز بماضينا الذي كان الصراع فيه بالسيف وكنا نحن ندافع عن أنفسنا صارت الشخصيات الإسلامية عند هذه النفوس المريضة تذكارا لإرهاب المسلمين. وفي دراسة لي لم تنشر حول أثر النفوذ الصهيوني على قضية القدس في المقررات الدراسية العربية هالتني مساحة التراجع والتزوير في تاريخنا واستباحة الحاضر بحساباته السياسية لصفحات التاريخ الإسلامي، خلافا للحقيقة التاريخية ومنهج البحث التاريخي نفسه الذي لا يجيز تغيير التاريخ إلا بوثائق جديدة، وليس بنفاق سياسي طارئ مرتبط بحالة الهوان التي تعانيها الأمة.

فهل الجهاد عند العامة مسألة تاريخية أم حقيقة قرآنية، وكيف يفرق العامة بين استخدام الجهاد وانتحاله زورا وبين حقيقته القرآنية هذا هو موضوع مقالاتنا القادمة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news