العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الهجرة في فكر العلامة الدكتور إبراهيم أبو محمد: الهجرة المباركة وعلم توظيف التاريخ

إعداد: مروة سلامة إبراهيم

الجمعة ٠٣ نوفمبر ٢٠١٧ - 10:40

إن الحديث في واقعة هجرته صلى الله عليه وسلم مع صاحبه وحبيبه أبى بكر (رضي الله عنه)، لم يأت نصا في الموضوع إلا بعد تسع سنين من حدث الهجرة نفسه؛ نزل بعد تسع سنوات من الهجرة، ويقول فيه ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ‭{‬إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‭}‬ (التوبة: 40)، ذلك أن النصوص كانت تتنزل في العادة تعقيبا على الأحداث مباشرة، لكن حادث الهجرة تناوله القرآن الكريم بعد تسع سنوات من الهجرة، وذلك شيء يسترعى الانتباه ويحمل كثيرا من الدلالات، ويرصد أستاذنا العلامة الدكتور/ إبراهيم أبو محمد، بعض هذه الدلالات فيما يأتي:

أولا: إن القرآن الكريم عندما قدم حادثة الهجرة النبوية لم يقدمها كحدث تاريخي انتقل خلاله الرسول (صلى الله عليه وسلم) من مكان إلى مكان، وإنما قدمها كخطة وبرنامج عمل من خلاله نتعلم كيف ندير الأزمة حين تفرض علينا.

ثانيا: إن القرآن الكريم بالطريقة التي تحدث بها عن الهجرة يلفت أنظارنا إلى كيفية توظيف التاريخ، وكيفية استثمار الأحداث حتى ولو كانت مؤلمة، وهذا علم جديد (علم توظيف التاريخ) برع البعض في توظيفه واستغلوا بعض الأحداث المؤلمة في حياتهم وأقاموا لها معارض لكسب التعاطف وحشد مواقف التأييد على أنهم ضحايا، وظلوا يبتزون بها دولا ومجتمعات عالمية حتى اكتسبوا تعاطف أغلب دول العالم معهم، وأقاموا لأنفسهم دولة على حساب شعب آخر مشرد وطريد.

ثالثا: إن التاريخ بمكوناته ومقوماته عبارة عن وحدات زمنية تقدر بالسنين، وأحداث تقع في مكان معين وفي زمان معين، ورجال لهم من هذه الأحداث مواقف ولهم فيها مواقع، ومن ثم فكل عناصر التاريخ بما فيها الزمان والمكان والأحداث والرجال يمكن أن تكون إحداثيات بلغة الرياضة، أو إرهاصات من الماضي تشير إلى المستقبل بلغة التاريخ، تستوعب السنن والقوانين التي تحكم حركة الناس والمجتمعات، وترصد عمليات المد والجزر في التقدم والتخلف وفي الإقلاع الحضاري أو في السقوط.

رابعا: إن التاريخ هو ذاكرة الأمم، ومحتوى لعقلها وفكرها وثقافتها وقيمها وهويتها، وما لم يكن حاضرًا في وجدان الأمة ووعيها، فإن الأمة تكون على أبواب كارثة تشبه فقدان الذاكرة، ينقطع فيها الحاضر عن جذوره الممتدة إلى الماضي، كما ينفصل المستقبل القادم من رحم الغيب عن بعديه الزمنيين الماضي والحاضر وهما بعدان يؤثران في تكوينه ورسم ملامحه وتحديد قسماته العامة، وغياب هذين البعدين يجعله كجنين مشوه، يحمل خصائص العاهات الخِلْقِية والعاهات النفسية الوراثية التي غالبا ما تصيب المرأة الحامل فتتسبب في إسقاط الجنين بقرار طبي، إما لخطورته على حياة الأم، وإما لعدم اكتمال خلقته بدنيا، فإذا جاء إلى الوجود كان غير قادر على القيام بنفسه، وإنما يحتاج غيره ليعوله ويرعاه.

ويحذر العلامة د. أبو محمد الأمة فيقول: من هنا تكمن الخطورة في تنحية التاريخ وعدم الاستفادة من عبره ودروسه، ولهذا كثرت نصوص القرآن الكريم التي تحيل إلى التاريخ كرصيد ملزم في رؤية الأمم الأخرى، وتقويم حركتها ونشاطها وأسباب انتصاراتها وانكساراتها وصعودها وهبوطها. لكل هذه الاعتبارات رأيت أن نتناول الهجرة من منظور توظيف الحدث في خدمة تغيير الواقع واستشراف المستقبل والقدرة على إدارة الأزمات.

وإدارة الأزمات: تعنى العمل على تجنب تحول النزاع إلى صراع شامل بكلفة مقبولة لا تتضمن التضحية بمصلحة أو قيمة جوهرية كما عرفناها من قبل.

وتكمن براعة القيادة في تحويل الأزمة وما تحمله من مخاطر إلى فرصة لإطلاق القدرات الإبداعية، واستفزاز الإرادة لمواجهة التحدي الجديد، ومن ثم تستثمر الأزمة كفرصة لإعادة صياغة الظروف وإيجاد الحلول السديدة «ولا شك أن التوجه الإيجابي يهيئ لإدارة الأزمة التفاعل الحي والمبدع مع التحدي الكبير الذي تواجهه بالقدر الذي يمكنها من تحويل الخطر إلى فرصة يمكن استثمارها وتحويل إحباطات المحنة إلى مناخ يحفز فعاليات الجهود الإبداعية» كما قال عبدسعد الأحمدي في المنظمة الموقفية في إدارة الأزمات. وهكذا كان حقل الهجرة برنامجا وإستراتيجية لإدارة الأزمات.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news