العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الهجرة وصناعة الرجال (4)

بقلم: عبدالسلام محمد وحيد عمري

الجمعة ٠٣ نوفمبر ٢٠١٧ - 10:39

مازلنا نستعرض تلك النماذج المشرفة من المهاجرين، فها هو صهيب الرومي (رضي الله عنه) وكان من السابقين إلى الإسلام؛ فقد أسلم بمكة وأراد الهجرة، فمنعه الكفار من أن يهاجر بماله، وقالوا له: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك، وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك أبدا، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا نعم، قال: فإني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ربح صهيب، ربح صهيب، لقد تجرد من ماله وهاجر في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فأنزل الله فيه هذه الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة:207]، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة. فقالوا له ربح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. إنه ضحى بكل ما جمع من مال لنصرة دين الله، إنها بحق صورة رائعة من صور تضحية من أجل إعلاء كلمة الله. ونريد أن ننوه إلى أن صهيبا رضي الله عنه نسب إلى الروم لأنه عاش بينهم بسبب السبي، لكن هو عربي «نمري». وهناك مثل آخر للتضحية بعيدا عن المال، إنها التضحية بالأهل والولد، إنها قصة أبي سلمة يرويها ابن حجر فيقول: «لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل بعيرا له وحملني وحمل معي ابني سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلما رآه رجال بني المغيرة قاموا إليه، فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد، ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني فغضب عند ذلك بنو عبدالأسد وأهووا؛ أي أقبلوا، بخيلهم إلى سلمة، وقالوا والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبدالأسد ورهط أبي سلمة وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة ففرق بيني وبين زوجي وابني...»، لقد حرموه من زوجته ومن ابنه الذي خلعت يده وظل يئن ويبكي ألما لكنه -أي أبا سلمة- مضى في طريقه إلى المدينة مهاجرًا مضحيا بكل ذلك لا يثنيه شيء، إنها التضحية فريدة، وكانت سلمة بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي، فرق لها قلب أحد ذويها وقال: «ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته وهاجرت إلى المدينة. أما عن صبر وجلد بلال بن رباح رضي الله عنه، فحدث ولا حرج»، لقد كانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء خلالها إلى جهنم قاتلة، فيطرحونه على حصاها الملتهب، ثم يأتون بحجر مستعر كالحميم ينقله من مكانه بضعة رجال ويلقون به، ويتكرر هذا العذاب يوميا، بتوجيهات من سيده «أمية بن خلف»، ولكن استعذب العذاب حبا في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: أحدٌ أحد، إنها حلاوة الإيمان والثبات على التوحيد. ونضرب مثلا آخر بطله جندب بن ضمرة (رضي الله عنه)، ذلك الرجل الذي تقدمت به السن، ولكنه استمع إلى قول الله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ» [النساء: 97]، قال الشيخ أنا لست من المستضعفين، وهاجر إلى المدينة، وحاول أولاده وأصحابه أن يمنعوه فلم يفلحوا، وفي الطريق أحس بدنو الأجل فقال: اللهم إني أشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، ثم فاضت روحه، فقال الصحابة ليته مات بالمدينة حتى يفوز بثواب المهاجرين، فأنزل الله تعالى «وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» [النساء: 100]. ولا ننسى موقف الصحابي مصعب بن عمير (رضي الله عنه)، الذي كان شابا مترفًا يمتلك كل وسائل العز والرفاهية، لكنه ضحى بكل ذلك وترك كل هذه الملذات التي يتمناها أي شاب وراء ظهره ولبى نداء الهجرة، حتى أن المعوقين كان لهم نصيب في الهجرة، فهاجر أحمد بن جحش، الذي كان مكفوف البصر، إنهم رجال أبرار وأصحاب كرام رفعوا راية الإسلام. ولنتعلم من الهجرة صناعة الرجال والتضحية والوفاء والإيثار، وصناعة الخلق الكريم، لنصنع ما صنع أسلافنا من إبائهم للضيم ورفضهم المذلة، ولكنهم خططوا وصبروا ونجحوا، ولم يستعجلوا ولم يعرفوا الحمق والتسرع والتهور، أخلصوا لله وحرصوا على الموت في سبيل الله أشد من حرصهم على الحياة، فكتب الله لهم التأييد والنصر في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news