العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (2)

الإمام محمد الخضر حسين.

بقلم: د.غريب جمعة

الجمعة ٠٣ نوفمبر ٢٠١٧ - 10:36

أشرنا في الحلقة السابقة إلى أننا سنسلك في الحديث عن ذلك الإمام الجليل المسلك الذي كان يؤثره عند الحديث عن حياته، حيث قسمها إلى ثلاث مراحل، كما ذكرنا من قبل.. 

1 – المرحلة التونسية 

2 – المرحلة السورية 

3 – المرحلة المصرية 

وسوف نبدأ ـ بعونه تعالى ـ بالحديث عن المرحلة التونسية وهي مرحلة العمل والتكوين أو مرحلة التأسيس، لقد امتدت هذه المرحلة أربعين عاما؛ أي منذ مولده عام 1873م في مدينة نفطة حتى هجرته النهائية إلى المشرق العربي عام 1912م. 

المولد والنشأة والدراسة: 

بنتمي الإمام إلى أسرة ترجع أصولها إلى مدينة طولقة الجزائرية، وهي تبعد زهاء أربعين كيلومترا عن مدينة بِسكْرة الواقعة في جنوب الجزائر وهي تتبع ولاية قسنطينة اليوم وهي من منطقة الزاب على الحدود التونسية، وتتميز بواحات النخيل المجاورة لمنطقة الجريد بالجنوب التونسي. ويجمع المؤرخون لتلك الأسرة أنها كانت معروفة بالصلاح والورع والعلم والتصوف القائم على الكتاب والسنة وتجمع إلى ذلك شرف النسب، حيث تتصل بالجناب الرفيع سيد الوجود صلى الله عليه وسلم من جهة أمه وأبيه.

(ومن أراد أن يتعرف على شجرة ذلك النسب النبوي الشريف بالتفصيل الكامل فليرجع إلى المجلد الرابع عشر من موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين ).

ولنتعرف بإيجاز على الأصول الزكية لهذا الإمام: 

أما جده لأبيه فهو علي بن عمر من علماء طولقة وشيوخها المعروفين والمشهود لهم بالصلاح وله زاوية تحمل اسمه وهي من أكبر الزوايا في منطقة الزاب.

أما جده لأمه فهو الشيخ مصطفى بن عزوز بن الشيخ محمد بن عزوز العالم الورع العامل والمتصوف الذي كان يطلق عليه «نور الصحراء» وزاويته الشهيرة قائمة إلى اليوم.

والشيخ مصطفى له ترجمة في تاريخ الوزير أحمد بن أبي الضياف وأبوه الشيخ محمد له ترجمة في كتاب «تعريف الخلف برجال السلف» للشيخ الخضاوي بن عروس. 

ومن أبناء هذه العائلة الأعلام الشيخ محمد المكي بن عزوز (خال الإمام)، حيث كان من كبار العلماء الصالحين ومن أبرز شيوخ جامع الزيتونة وتولى قضاء مدينة نفطة فترة من الزمن ثم انتقل إلى الأستانة (استانبول) للتدريس بها، حيث كان موضع الاحترام والإجلال من رجال الدولة العثمانية في العهد الحميدي (عهد السلطان عبدالحميد). وقد بقي بها مدرسا للحديث في دار الفنون حتى وفاته عام 1344هـ - الموافق 1915م. وقد رثاه الشيخ الخضر بقصيدة اثبتها في ديوانه جاء فيها: 

رب شمس طلعت في مغرب .. وتوارى في ثرى الشرق سناها

ها هنا شمس علوم غربت   ..  بعد أن أبلت بترشيش ضحاها

وترشيش: اسم قديم لتونس 

الانتقال إلى تونس: 

انتقل الشيخ مصطفى بن عزوز من طولقة إلى مدينة نفطة بالجنوب التونسي عام 1257هـ - 1833م لتأسيس زاوية علمية بها، كما أشار عليه شيخه علي بن عمر، وانتقل معه الإمام الذي تزوج من ابنته الصالحة السيدة حليمة السعدية.

وقد أحسنت الزاوية في أداء رسالتها، حيث أنشا بها مدرسته الحافلة وجعل بها بيوتا لسكنى الطلبة المنقطعين لقراءة القرآن وتعلم العلم، وحشد لها العلماء والأعلام من كل جهة ليدرسوا بها العلم على اختلاف مشاربها، كما أنشأ بها عددا كبيرا من المساكن لإيواء الواردين عليها من كل حدب وصوب. 

ولم تقف أعمال تلك الزاوية عند التعليم والعبادة بل قامت بأعمال الجهاد ضد المستعمر كما تشهد بذلك وثائق التاريخ.

وفي مدينة نفطة كان مولد الإمام في يوم 26 من رجب سنة 1293هـ الموافق يوليو سنة 1873م وسمي باسم: محمد الأخضر بن الحسين. وقد حدث تحوير في الاسم على مرحلتين الأولى منذ طفولته عندما أبدل لفظ الخضر بالأخضر تيمنا بالعبد الصالح الخضر الذي علمه الله من لدنه علما خفي على موسى وهو رسول من أولي العزم من الرسل. 

والثانية في صيغة الاسم فحذف لفظ «الابن» مع حذف الآلف واللام في اسم الأب جريا على عادة المشرق العربي، كما أشار عليه صديق عمره الصدوق الشيخ العلامة الطاهر بن عاشور، وأصبح الاسم بعد ذلك: محمد الخضر حسين وذلك بعد هجرته من تونس، حيث قضى شطرا من حياته في سورية ثم استقر نهائيا في مصر، كما سيأتي لاحقًا إن شاء الله. 

ومن طرائف ما يروى عن والدته الصالحة ـ يرحمها الله ـ إنها كانت تربت على كتفه وتغني له وهو صغير قائلة: 

يارب الأكبر خليلي محمد الأخضر 

في الجامع الأزهر يعود يقرى وأنا حية 

واستجاب الله تلك الدعوة المخلصة وأصبح الشيخ على رأس الأزهر.

وعندما بلغ الخامسة من عمره بدأ يحفظ القرآن على يد مؤدبه الخاص الشيخ (اللموشى) ثم بدأ يتلقي مبادئ بعض العلوم الفقهية واللغوية والأدبية على يد الشيوخ في زاوية جده وفي مقدمتهم خاله الشيخ محمد المكي الذي أحب ابن أخته حبا عميقا لما يرى فيه من النجابة والجد في التعلم وما يتوسم فيه من مستقبل زاهر فآثره بعناية كبرى وأشرف على توجيهه وتعليمه وتثقيفه وعرف الشيخ الخضر فيما بعد هذه اليد البيضاء لخاله عليه فكان يذكرها في اعتزاز في أكثر من مناسبة قائلاً: 

ومن أعزها ما تشرفت به من قلم أستاذي الذي شبت في طوق تعليمه فكرتي، وتغذيت بلبان معارفه من أول نشأتي، العلامة الهمام القدوة، خالنا سيدي محمد المكي بن عزوز. 

وكانت الأم الصالحة التقية ذات الشخصية القوية من أوائل معلميه أيضًا، حيث تلقى على يديها هو وإخوته بعض العلوم الدينية واللغوية حتى انه أخذ عنها كتاب الكفراوي في النحو وكتاب السفطي في الفقه المالكي..

وهكذا تصنع الأمهات الصالحات!!

لذلك نرى الإمام يرحمه الله يرثيها بقصيدة تعد من إحدى فرائده حينما توفيت حيث جاء فيها: 

بنت عزوز لقد لقنتنا

               خشية الله وأن نرعى الذماما

كنت نورا في حمانا مثل ما 

                نجتلي البدر إذا البدر تسامى

أفلم تحييه بالقرآن في 

                 رقة الخاشع ما عشت لزاما

كنت لي روضة أنس أينما

                  سرت أهدت نفح ورد وخزامى

واستمع إلى ما يقوله الشيخ عن هذه الفترة من حياته: 

«نشأت في بلدة من بلاد الجريد في القطر التونسي يقال لها: «نفطة» وكان للآدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهب في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة ـ نظم الشعر وفي هذا العهد انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة».

وإلى حلقة قادمة إن شاء الله

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news