العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

دراسات

100 عام على نكبة «وعد بلفور» البريطاني المشؤوم

إعداد: قسم الدراسات والبحوث

الخميس ٠٢ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

«وعد من لا يملك لمن لا يستحق» أدى إلى ارتكاب «جريمة العصر» على أرض فلسطين


تمر اليوم ذكرى أليمة على كل عربي وخاصة على ابناء الشعب الفلسطيني، وهي ذكرى مرور مائة عام أو قرن كامل (1917 – 2017) على صدور وعد بلفور البريطاني لليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين التاريخية، وهو الوعد الذي أصدره وزير الخارجية البريطاني آنذاك جيمس آرثر بلفور بتكليف من حكومته في 2 نوفمبر 1917، ووجهه إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية اللورد روتشيلد.

وقد فتح هذا الوعد الاستعماري الباب لارتكاب اكبر جريمة في هذا العصر وهي جريمة احتلال فلسطين وتشريد شعبها في الشتات، عبر إقامة كيان صهيوني غاصب في أرض فلسطين مازال يحظى بكل الدعم والتأييد والحماية من القوى الاستعمارية الغربية، ليتحول إلى رأس حربة لخدمة المخططات الاستعمارية في المنطقة العربية، وفي طليعتها منع تمكين العرب من تحقيق وحدتهم التاريخية وإعاقة وعرقلة أي محاولات عربية للنهوض الحضاري، فضلا عن الاستمرار في إهدار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ووعد بلفور أو تصريح بلفور هو الاسم الشائع المطلق على الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد اليهودي ليونيل وولتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. 

حين صدر الوعد كان تعداد اليهود في فلسطين لا يزيد على 10% من مجموع عدد السكان. وقد أرسلت الرسالة قبل شهر من احتلال الجيش البريطاني فلسطين. وهو الوعد الذي وصفه العرب بأنه «وعد من لا يملك لمن لا يستحق». ويجدر هنا إعادة التذكير بنص أو تصريح بلفور الذي أدى على وقوع نكبة احتلال الصهاينة لأرض فلسطين التاريخية.

نص الخطاب من بلفور إلى روتشيلد 

وزارة الخارجية البريطانية

في الثاني من نوفمبر سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جدًا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

«إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر».

وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علمًا بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جيمس بلفور

لماذا أصدرت بريطانيا هذا التصريح؟

في العاصمة البريطانية لندن في 31 أكتوبر عام 1917 كانت الحكومة برئاسة لويد جورج تناقش إصدار الوعد الذي يدعم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين التي كانت خاضعة وقتها لحكم الدولة العثمانية، بينما يقف القيادي الصهيوني حاييم وايزمان خارج غرفة الاجتماعات مترقبا ما سيحدث.

السياسي البريطاني مارك سايكس يخرج من الغرفة مهنئا القيادي الصهيوني قائلا له «دكتور وايزمان.. المولود ذكر».

هي ولادة سياسية إذن للوعد المكون من 67 كلمة والذي سيتم الإعلان الرسمي عنه في شكل خطاب موجه من وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى لورد روتشيلد رئيس الاتحاد الصهيوني في بريطانيا يوم الثاني من نوفمبر 1917.

ومنذ إصدار جيمس بلفور لهذا التصريح في ذروة الحرب العالمية الأولى وفي أعقاب الاتفاقيات السرية لسايكس – بيكو لتقاسم خريطة العالم العربي بين بريطانيا وفرنسا في العام السابق 1916، ظل وعد بلفور لليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين موضع جدل سياسي وقانوني استمر منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا بعد مرور 100 عام على إصداره.

فهو إعلان قاد إلى قرن كامل من جحيم الحروب والصراعات على أرض فلسطين وفي كل منطقة الشرق الأوسط ومازالت تداعياته الكارثية تتوالى فصولا في كل يوم، وتكفي الإشارة إلى مأساة الشعب الفلسطيني الذي شرد من أرضه ووطنه ليحل محله استعمار استيطاني صهيوني، وهناك نحو 10 ملايين فلسطيني يعيشون في بلاد الشتات كلاجئين في المخيمات في دول عربية مجاورة أو مهجرين في بلاد الغربة في شتى أرجاء العالم. 

‭}‬ ولكن ظل التساؤل مطروحا لماذا أقدمت بريطانيا بمفردها على إصدار ذلك التصريح حتى قبل احتلالها لأرض فلسطين ووضع الانتداب البريطاني عليها؟

هناك أسباب يوردها بعض المؤرخين (الصهاينة أو المتعاطفين مع الصهيونية) لتفسير إصدار بريطانيا لوعد بلفور. فهناك نظرية مفادها أن بلفور قد صدر في موقفه هذا عن إحساس عميق بالشفقة تجاه اليهود بسبب ما عانوه من اضطهاد وبأن الوقت قد حان لأن تقوم الحضارة المسيحية الغربية بعمل شيء لليهود، ولذلك فإنه كان يرى أن إنشاء دولة صهيونية هو أحد أعمال التعويض التاريخية لليهود في ضوء ما عانوه من اضطهاد وتمييز داخل المجتمعات الأوروبية.

وهذا في حد ذاته منطق أعوج ويعكس فعلا طبيعة العقلية الاستعمارية الاستعلائية، فما ذنب الفلسطينيين والعرب لأن يدفعوا ثمن جرائم الغرب والأوربيين بحق اليهود، وخاصة أن العرب والفلسطينيين لم يتم استشارتهم بشأن هذا الأمر؟

كذلك حين حاولت الحركة الصهيونية بزعامة مؤسسها تيودور هرتزل أخذ موافقة السلطان العثماني عبدالحميد الثاني والذي كانت فلسطين تخضع لولايته بحكم سيطرة الدولة العثمانية على معظم بلدان الوطن العربي، رفض ذلك بشدة رغم الإغراءات المالية التي قدمها الصهاينة له وللدولة العثمانية وأكد أن فلسطين ارض وقف إسلامي، وقام بطرد هرتزل من قصره، وأكد أنه لن يسمح بقيام المشروع الصهيوني على أرض فلسطين طالما بقي على قيد الحياة.

ومن هنا يتضح لنا مبكرا العلاقة الوثيقة بين المشروع الاستعماري البريطاني والمشروع الاستعماري الصهيوني على أرض فلسطين.

أما المفكر الفلسطيني رشيد الخالدي المحاضر بجامعة كولومبيا وأستاذ كرسي إدوارد سعيد فيرى أن الوعد، الذي يصفه بالجائر، امتداد لسياسة بريطانيا الاستعمارية، وهو ما يشرحه بالقول: «إن الوعد لم يرتبط بأي بعد ديني أو اخلاقي بل هو كان محاولة من بريطانيا إلى مد نفوذها إلى فلسطين بسبب موقعها المتميز، فاهتمام بريطانيا بفلسطين يسبق أي علاقة بينها وبين الحركة الصهيونية».

ويري مؤرخون أن صدور التقرير النهائي لمؤتمرات الدول الاستعمارية الكبرى في عام 1907، والمعروف باسم تقرير «بازمان» وهو رئيس وزراء بريطانيا حينئذ- كان حافزا ودافعا للحكومة البريطانية لإصدار وعد بلفور بعد ذلك بعدة سنوات تحقيقا لأهداف استعمارية ضد العرب، إذ يقرر ذلك التقرير أن منطقة شمال إفريقيا وشرق البحر المتوسط هي الوريث المحتمل للحضارة الحديثة –حضارة الرجل الأبيض- ولكن هذه المنطقة تتسم بالعداء للحضارة الغربية، ومن ثم يجب العمل على:
‭}‬ تقسيمها.

‭}‬ عدم نقل التكنولوجيا الحديثة إليها.
‭}‬ إثارة العداوة بين طوائفها.
‭}‬ زرع جسم غريب عنها يفصل بين شرق البحر المتوسط والشمال الإفريقي.
ومن هذا البند الأخير، ظهرت فائدة ظهور دولة يهودية في فلسطين بالنسبة لبريطانيا، وهو الأمر الذي استثمره دعاة الصهيونية.. وعلى ذلك تبنى آل روتشيلد هذا الأمر؛ حيث وجدوا فيه حلا مثاليا لمشاكل يهود أوروبا.
وكان «ليونيل روتشيلد» (1868/1937م) هو المسؤول عن فروع إنجلترا، وزعيم الطائفة اليهودية في إنجلترا في هذا الوقت، وتقرب إليه كل من «حاييم وايزمان» -أول رئيس لإسرائيل فيما بعد- و«ناحوم سوكولوف»، ونجحا في إقناعه في السعي لدى حكومة بريطانيا لمساعدة اليهود في بناء وطن قومي لهم في فلسطين، وإمعانًا في توريطه تم تنصيبه رئيسًا شرفيا للاتحاد الصهيوني في بريطانيا وأيرلندا.
ولم يتردد «ليونيل»، بل سعى -بالإضافة إلى استصدار التعهد البريطاني المعروف باسم وعد بلفور- إلى إنشاء فيلق يهودي داخل الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وتولى مسؤولية الدعوة إلى هذا الفيلق، وجمع المتطوعين له «جيمس أرماند روتشيلد» (1878-1957م)، كما تولّى هذا الأخير رئاسة هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين، وتولّى والده تمويل بناء المستوطنات والمشاريع المساعدة لاستقرار اليهود في فلسطين، ومن أهم المشروعات القائمة حتى اليوم مبنى الكنيست الإسرائيلي في القدس.

67 كلمة غيرت التاريخ

يقول الباحث المقدسي في التاريخ السياسي أحمد غنيم: إنها رسالة قصيرة من 67 كلمة، لكنها كان لها تأثير كبير ومصيري في تاريخ المنطقة العربية بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص، أدت إلى تغييرات هائلة في الجغرافيا السياسية، وفي التكوين الاجتماعي ليس في فلسطين فقط، بل في العديد من الدول المحيطة، وأنتجت واحدة من أعظم مآسي القرن العشرين، إذ ساهمت في تشريد مئات آلاف الفلسطينيين من وطنهم وألقت بهم إلى حياة اللجوء، ومازال ملايين الفلسطينيين يعانون البؤس والحرمان، ومواجهة الموت في مخيمات اللجوء، على خلفية استمرار الصراع الذي أنتجته تلك الرسالة المشؤومة.

ويرى غنيم أنه لم يكن لوعد بلفور لحظة صدوره أي قيمة قانونية، فهو عبارة عن تصريح فردي، موجه إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الدولي، إضافة إلى مخالفته للقواعد الآمرة في القانون الدولي ومعايير اعتماد المعاهدات الدولية.

و بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين ،لم تدعم بريطانيا إلا المؤسسات العبرية اليهودية، ولم تدعم حكومة الانتداب البريطاني بناء مؤسسات فلسطينية في حين دعمت بناء المؤسسة الصهيونية، وحرصت ألا تقيم مؤسسات تمثيلية منتخبة في البلاد، وذلك خوفا من تأثير العامل الديمغرافي، الذي لم يكن يتلاءم مع مصالحها، كون الأغلبية السكانية هي عربية فلسطينية.

وبحسب مقال حمل عنوان: «القوة الحقيقية الدافعة لإصدار وعد بلفور» للمؤرخ اليهودي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد آفي شلايم، بتاريخ 28/8/2017، يقول شلايم: كان إعلان وعد بلفور، الذي صدر في الثاني من نوفمبر 1917، وثيقة قصيرة غيرت مجرى التاريخ.

ألزمت الوثيقة الحكومة البريطانية بتأييد إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، شريطة ألا يؤتى بشيء من الأفعال التي قد تؤدي إلى «الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين».

ويضيف: حينها، (حين صدر وعد بلفور) كان اليهود يشكلون 10 بالمائة من سكان فلسطين: ستون ألف يهودي مقابل ما يزيد قليلا على ستمائة ألف عربي. ومع ذلك اختارت بريطانيا الاعتراف بحق تقرير المصير الوطني للأقلية الصغيرة، وإنكار ذلك الحق للأغلبية التي لا جدال فيها.

وكما قال الكاتب اليهودي، آرثر كوستلر: لدينا هنا شعب يعد شعبا آخر بأرض شعب ثالث.

ومن ذلك يتضح لنا وباعتراف اليهود انفسهم أكذوبة مقولة «فلسطين ارض بلا شعب.. لشعب بلا أرض» والتي روج لها زعماء الحركة الصهيونية بهدف حشد الرأي العام الغربي والأوروبي لتأييد مشروع إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.

سقطة تاريخية لبريطانيا 

ويقول المؤرخ اليهودي في جامعة اكسفورد آفي شلايم: إن ضحايا وعد بلفور الرئيسيين لم يكونوا الفرنسيين الذين كانوا ينافسون بريطانيا على النفوذ الاستعماري في بلاد الشام ، إنما  كان عرب فلسطين. فقد كان الإعلان وثيقة استعمارية أوروبية تقليدية نسجتها مجموعة صغيرة من الساسة تهيمن على عقولهم الذهنية الاستعمارية، وصيغت بأسلوب تجاهل تماما الحقوق السياسية للأغلبية العظمى من السكان الأصليين.
فلم يبذل وزير الخارجية البريطاني، آرثر بلفور، أدنى جهد لإخفاء ازدرائه للعرب. فقد كتب بعد ذلك في عام 1922 يقول: «الصهيونية، سواء أكانت صوابا أم خطأ، حسنة أم سيئة، تعود في جذورها إلى تقاليد موغلة في القدم، وتمثل احتياجات الحاضر وآمال المستقبل لما هو أعمق وأهم بكثير من رغبات وتحيزات سبعمائة ألف عربي يقطنون الآن تلك الأرض العتيقة».

ولا يمكنك أن تجد تفسيرا أبلغ لذلك مما عبر عنه البروفيسور الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بعبارة «المعرفية الأخلاقية للإمبريالية».

في كتابها القيم «لحظة بريطانيا في الشرق الأوسط»، قدمت المؤرخة البريطانية  إليزابيث مونرو حكما متوازنا حول ما جرى، إذ تقول: «إذا أردنا أن نقيس ما جرى فقط من خلال المصالح البريطانية، فقد كانت تلك من أفدح الأخطاء التي ارتكبناها في تاريخنا الإمبريالي».

يمكن للمرء من خلال الإدراك المتأخر أن يخلص إلى أن إعلان بلفور كان في الواقع سقطة استراتيجية هائلة. كانت ثمرته النهائية هي تمكين الصهاينة من الاستيلاء على فلسطين، وهو استيلاء مازال حتى يومنا هذا يأخذ شكل توسع استيطاني غير قانوني، ولا يعرف الشفقة في كل أنحاء الضفة الغربية على حساب الفلسطينيين.

افتئات بريطاني على التاريخ 

بالرغم مما ألحقه وعد بلفور من مخاطر على الشعب الفلسطيني وعلى الأمة العربية بكاملها من خلال زرع جسم غريب في قلب المنطقة العربية، فقد كان من الممكن اعتبار الوعد جزءا من الماضي وتعبيرا عن نهج استعماري قديم وبالتالي التخفيف من حالة الغضب على بريطانيا، ولكن إصرار الحكومات البريطانية المتعاقبة وخصوصا الحالية على التمسك بوعد بلفور واعتباره وثيقة تاريخية تستحق الاحتفال بمرور مائة عام على صدورها بل وصلت الأمور برئيسة الوزراء تيريزا ماي لأن تعلن افتخار بريطانيا بأنها ساعدت على قيام دولة إسرائيل وإصدارها وعد بلفور إنما يؤكد أن بريطانيا لم تخرج عن نهجها الاستعماري الأول المعادي للشعوب العربية والإسلامية والمتحيزة كل التحيز للكيان الصهيوني.
هذا ما يجعلنا نربط هذا الإصرار البريطاني على شرعية وعد بلفور بسياساتها الاستعمارية في المنطقة التي لم تتوقف عن إثارة الفتن والدسائس واحتضان أحزاب وشخصيات معارضة عربية وإسلامية غير وطنية وغير ديمقراطية، ودعمها لمخططات الفوضى التي تضرب المنطقة وليس بعيدا عن الذاكرة غزو واحتلال العراق الذي مهد لتقسيمه.

لقد كان وعد بلفور افتئاتا على التاريخ وانتهاكا واضحا لحق الشعب الفلسطيني في أرضه فلسطين، ذلك أن إقامة وطن قومي لليهود جاء كحل لمشكلة اليهود في أوروبا وليس لأنهم أصحاب حق بفلسطين، وقد جرت محاولات لإقامة وطن لليهود في أكثر من منطقة في العالم، أيضا جاء وعد بلفور نتيجة التقاء مصالح بين الحركة الصهيونية والتوجهات الاستعمارية البريطانية آنذاك. 

بريطانيا تحتفل بوعد بلفور

وآخذا بالاعتبار ذلك السجل التاريخي المزري لبريطانيا، قد يتوقع المرء أن يجد القادة البريطانيين في الوقت الراهن وبعد مرور قرن أو 100 عام على وعد بلفور المشؤوم والجريمة البريطانية بحق الفلسطينيين والعرب يتوارون خجلا وشعورا بالذنب، وأن يلمس منهم النأي بأنفسهم عن الإرث البغيض لذلك الماضي الاستعماري. إلا أن آخر ثلاثة رؤساء وزراء من الحزبين السياسيين الرئيسين العماليين، توني بلير، وجوردون براون، ثم المحافظ دافيد كاميرون كانوا كلهم يعبرون عن تأييدهم الشديد لإسرائيل، وعدم اكتراثهم بالحقوق الفلسطينية.

أما رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي، فهي أكثر الزعماء في أوروبا تأييدا لإسرائيل وحماسة لها. ففي خطاب ألقته في ديسمبر الماضي أمام جمعية أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين، والتي ينتسب إليها ما يزيد على ثمانين في المائة من نواب حزب المحافظين وجميع أعضاء الوزارة، أشادت بإسرائيل واصفة إياها بـ«البلد الرائع»، وبأنها «منارة للتسامح».
وفيما يتعلق بإعلان بلفور، راحت ترش الملح على جروح الفلسطينيين واصفة إياه بأنه «واحد من أهم الخطابات التي كتبت في التاريخ»، ووعدت بأن تنظم احتفالا بمناسبة ذكراه المئوية.

وأعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، أن بريطانيا ستحتفل بفخر بالذكرى المئوية لصدور «وعد بلفور»، الذي وضع قاعدة لتأسيس دولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المنتزعة من أصحابها.

وقالت ماي، أثناء الرد على الأسئلة خلال جلسة لمجلس العموم البريطاني، «إننا نشعر بالفخر من الدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل، ونحن بالتأكيد سنحتفل بهذه الذكرى المئوية بفخر».

وهكذا نرى ان العقلية الاستعمارية للساسة في بريطانيا لم تتغير، يضاف إليها استمرار تجاهل حقوق الفلسطينيين والعرب وعدم الاهتمام بها وهي رسالة واضحة لمن يريد أن يستوعب الدرس في الأمة العربية والإسلامية، ولكن هل العرب والمسلمون على استعداد حقا لإدراك دروس التاريخ والتعامل على أساسها في المستقبل؟

من جانب آخر، فقد انتقد الفلسطينيون بشدة تصريحات تيريزا ماي وقال منير الجاغوب، رئيس المكتب الإعلامي في مفوضية التعبئة والتنظيم لحركة «فتح»، إن بريطانيا ستدفع ثمنا غاليا من سمعتها وصورتها جراء احتفالها بذكرى «وعد بلفور»، مضيفا أن هذا الأمر سيؤسس لعزلها أمام المجتمع الدولي والمنطقة كلها.

وتابع: إن تصريح تيريزا ماي يعبر عن انحياز حقيقي لدولة الاحتلال العنصرية وتكمن خطورته في تشريعه للاحتلال، الذي يستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني، وفي تنصل بريطانيا من مسؤوليتها ومما يترتب لشعبنا عليها من حقوق.

وأضاف الجاغوب أن ما صرحت به ماي بمثابة إعلان لرفض ما جاء في خطاب الرئيس محمود عباس في الجمعية العامة ومطالبته للحكومة البريطانية بأن تتحمل مسؤوليتها التاريخية والقانونية والسياسية والمادية والمعنوية لنتائج «وعد بلفور»، والاعتذار للشعب الفلسطيني لما حل به من نكبات وظلم، وتصحيح هذه الكارثة التاريخية ومعالجة نتائجها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وكان وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي قد أعلن في يوليو من العام الجاري، أمام أعضاء جامعة الدول العربية، أن حكومة الرئيس محمود عباس تعد خطة لمحاكمة بريطانيا بسبب إصدار «وعد بلفور».

نحو تحرك عربي 

وفلسطيني أكثر فاعلية 

 وفي الذكرى المئوية لوعد بريطانيا ووزير خارجيتها بلفور هناك ضرورة لتوظيف الحدث داخليا وخارجيا للضغط على بريطانيا وأن يصبح هذا اليوم حدثًا مكلفًا لبريطانيا كل عام، وصولاً لدفعها نحو التراجع والاعتذار ودعم الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه الثابتة.

وكما يقول الكاتب الفلسطيني حسام الدجاني فإنه رغم أهمية الاحتجاجات والبيانات المنددة بتلك الجريمة التاريخية المأساوية، فإنها لم تحقق اختراقات في فضح الجريمة، ودفع بريطانيا إلى الاعتذار والانحياز لحقوق شعبنا، وذلك يعود للأسباب التالية:

1- أننا نخاطب أنفسنا ونحتج ليوم واحد على جريمة قضت على آمال شعبنا وساهمت في نكبته وضياع أرضه ومستقبله.

2- لم نفكر في البحث في أدوات جديدة لمواجهة تداعيات هذا الوعد ونتائجه الكارثية داخليًا وخارجيًا، ولعل أهم تلك الأدوات، تزامن بؤرة الاحتجاج في داخل فلسطين، مع خارجها من خلال توظيف اللوبيات العربية والإسلامية وأحرار العالم لدعم هذا الحراك وتوجيهه ضد السفارات البريطانية والصهيونية في العالم.

3- اللجوء إلى القضاء البريطاني والدولي لفضح تلك الجريمة وإصدار احكام تنصف الشعب الفلسطيني.

4- توظيف الدبلوماسية الشعبية والرسمية لتوضيح حقيقة  ذلك الوعد الذي قامت به بريطانيا لكافة شعوب الأرض وعلى وجه الخصوص الشعب البريطاني.

5- تبني استراتيجية بموجبها يتم تشكيل لوبي مؤثر في الانتخابات البريطانية للضغط على مراكز صناعة القرار لإعادة تقييم ما قامت به بريطانيا والاعتذار عنه، واتخاذ خطوات جريئة لدعم حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني.

لذلك فإنه في الذكرى المئوية لوعد بريطانيا ووزير خارجيتها بلفور ينبغي توظيف الحدث داخليا وخارجيا للضغط على بريطانيا وأن يصبح هذا اليوم حدثًا مكلفًا لبريطانيا كل عام، وصولاً لدفعها نحو التراجع والاعتذار ودعم الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه الثابتة.

وفي ذكرى مرور 100 عام على نكبة وعد بلفور التي قادت تاليا إلى نكبة فلسطين، يجدر بكل العرب إعادة النظر في تاريخهم الحديث وقراءته قراءة جديدة تتوقف طويلا أمام سياسات الخداع الاستعماري الغربي لنا، واستنفار كل الإمكانات والمقدرات العربية لمواجهة المرحلة الجديدة من الحملة الاستعمارية الغربية ضد الأمة العربية والتي تستهدف تمزيق البلدان العربية عبر مخططات التفتيت والتقسيم والتي شهدنا تنفيذا لها في اكثر من بلد عربي، في العراق والسودان وليبيا وسوريا واليمن، وهناك استهداف لتقسيم مصر والسعودية في إطار مخطط “الفوضى الخلاقة” الذي ترعاه امريكا زعيمة المعسكر الغربي حاليا.

فبعد 100 عام وعد بلفور وعلى الاتفاق البريطاني الفرنسي لتقسيم العالم العربي والمعروف باتفاقية «سايكس – بيكو»، هناك سايكس – بيكو استعمارية غربية جديدة يجري تنفيذها حاليا وهدفها اغراق الوطن العربي في الفوضى والصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية بحيث تنتهي تماما أي إمكانية لتحقيق حلم الوحدة العربية.

وكما كان الهدف الاستعماري البريطاني من زرع الكيان الصهيوني في فلسطين في قلب العالم العربي هو تعطيل وحدة المشرق العربي مع المغرب العربي ،ومنع حدوث نهضة حضارية للأمة العربية، فإن مخطط «الفوضى الخلاقة» يستهدف ليس فقط تحطيم أي فرصة أو إمكانية للنهضة الحضارية العربية، ولكن ايضا إضعاف العرب على نحو كارثي مزر يؤدي على خروجهم نهائيا من التاريخ.

وهذا ما يدعونا إلى دق أجراس الخطر للوعي العربي بهذه المخاطر والمخططات الاستعمارية الهدامة قبل فوات الأوان.

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news