العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقالات

منتجات البنوك الإسلامية (7-10) الاستصناع والاستصناع الموازي

بقلم: حمد فاروق الشيخ

الأربعاء ٠١ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:30

من العقود واسعة الانتشار في حياتنا اليومية دون أن يعلم عنها كثير من الناس ما يسمى بالاستصناع، فصاحب المسكن عندما يتعاقد مع مقاول لبناء بيت له مع توفير المقاول للمواد والعمل فهو في حقيقته استصناع، وكذلك ما إذا طلب متعامل من شركة معينة صنع سيارة أو مطبخ أو أثاث وفقا لمواصفات معينة فهو يدخل ضمن نفس المنتج، أو ما يطلبه الحرفي من آلات ومعدات مصنوعة فهو طلب صناعة شيء معين ضمن فترة معينة. ومن الصور التي تصلح فيها عمليات التمويل بالاستصناع وتُمارَس على نطاق واسع من قِبَل جهاتٍ من التجار والشركات وغيرها ما له صلة بمجالات التنمية التجارية والصناعية، والزراعية والغذائية والسياحية والتعليمية ونحوها، كاستصناع الألبسة والأغذية والأدوية وتعليبها والمفروشـات ولُعَب الأطفال والأدوات الكهربائيـة والمنزلية وطبـع الكتب والصحـف، مرورًا بالصناعات المتوسطة كتعبيد الطرقات واستصناع المعدَّات الصناعية والزراعية والسيارات والقطارات والسفن والطائرات والمطارات والمشاريع وكإقامة المباني المتنوعة من المجمعات السكنية والفنادق والمنتجعات السياحية والمستشفيات والمساجد والأسواق والمدارس وإنشاء المصانع وغيرها الكثير.

ويدخل الاستصناع ضمن تقسيمات البيوع في الفقه الإسلامي، إذ هو بيعٌ بين المستصنِع (المشتري طالب الصنع) والصانع (البائع) الذي يصنع بناءً على طلب الزبون سلعةً موصوفةً ويسلمها في الموعد المحدَّد للتسليم على أن تكون كلفة العمل من الصانع، وذلك في مقابل الثمن الذي يتَّفقان عليه وسداده عاجلا أو آجلا. فهو يختلف عن المقاولة في أن الصانع يلتزم بتوفير المواد والعمل معًا، بينما يوفر المقاول العمل فقط وتكون المواد من المشتري، ويختلف الاستصناع عن السلم في أن السلع الداخلة فيه تكون مستصنعة إضافة إلى إمكانية تقسيط الثمن بعكس السلم الذي يجب فيه دفع رأس المال معجلا بالكامل.

ويعد الاستصناع كبيع مستقل بذاته أحد ابتكارات فقهاء الأحناف الذين أجازوه استحسانًا لتعامل الناس فيه والحاجة إليه، وهو عندهم من العقود المسماة وجعلوه عقدا لازما ابتداءً كما جاء في مجلة الأحكام العدلية وأخذ به مجمع الفقه الإسلامي والمعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، بينما لم يتطرق فقهاء الشافعية والحنابلة عن الاستصناع إلا في ثنايا عقد السلم واسموه بالسلم والسلف في الصناعات، بل إنهم لم يجيزوا السلم في المصنوع من أكثر من مادتين متميزتين، وألحق المالكية الاستصناع بالسلم في الصناعات التي يتعامل بها الناس ولكن بشروط السلم.

ويشترط في عقد الاستصناع بيان جنس الشيء المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة ومعلومية ثمنه، مع تحديد أجل الصناعة، ومن المرونة التي يتميز بها هذا العقد إمكانية تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة، ويجوز فيه أن يتضمن شرطًا جزائيًا يدفعه الصانع لطالب الصنع إن تأخر في تسليم الغرض المصنوع بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.

أما الابتكار الجديد الذي قدمه الفقهاء المعاصرون للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، فهو إدخال عقد موازٍ، إذ أن المتعامل المشتري الذي يطلب صنع بيت على سبيل المثال يتوجه عند عدم توفر السيولة إلى البنك الإسلامي، ومن المتعارف عليه أن البنك لا يعمل في المقاولة وليس متخصصا في البناء، فيتعاون مع مقاول أو متخصص في صناعة وتأسيس البيوت، وهذا ما يسمى بالاستصناع الموازي، وهو أن يبرم البنك عقد استصناع مواز بينه وبين الصانع (مقاول- تاجر..الخ) لغرض صناعة سلعة موصوفة بغرض تنفيذ التزام عقد الاستصناع الأول الذي أبرم بين البنك والزبون، وتسري على هذا العقد جميع شروط وضوابط الاستصناع، إلا أن المعيار الشرعي وضع شرطا رئيسا، وهو عدم الربط بين العقدين في البنود، إذ لا بد أن يكون عقد الاستصناع الموازي مستقلا عن عقد الاستصناع الأول، فلو افترضنا أن زبونا طلب من البنك بناء بنايةٍ تبلغ كلفة بنائها 200.000 دينار، فيوقع البنك عقد استصناع مع الزبون ببناء البناية بسعر 250.000 دينار على سبيل المثال (يمثل هذا الفرق ربح البنك في العملية)، فيوقع البنك عقد استصناع مواز مع المقاول المتخصص في البناء بسعر 200.000 دينار، وبعد أن تجهز البناية يسلمها المقاول للبنك الذي يسلمها بدوره للزبون، ويستلم البنك أقساط العملية حسب الاتفاق. فالبنك يمثل في العقد الأول دور الصانع، بينما يكون في العقد الثاني مستصنعا (طالبا للصنع).

والواقع العملي لدى البنوك الإسلامية في مملكة البحرين لا يزال فقيرا في تطبيق هذا المنتج، إذ يقتصر تطبيقه حاليا في بعض مشاريع العقارات السكنية تحت الإنشاء، بينما يكثر تطبيقه في بعض الدول الإسلامية الأخرى كالسودان ودول المغرب العربي وغيرها.

 رئيس إدارة الرقابة الشرعية ببنك البحرين الإسلامي 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news