العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

وهج الكتابة: حلم ليلة بلا حلم

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٢٨ أكتوبر ٢٠١٧ - 10:03

مرَّ على المقابر ونثر أوراقًا كثيرة في الهواء

 مكتوبٌ في كل ورقةٍ أيها الموتى 

من ينقذ روحي التائهة من هذا الوجع العظيم؟!

وكان قد سهر الليل كله وكتب هذه العبارة على أكثر من ألف قصاصة بعد أن شعر باليأس من الأحياء الذين يزيدون ناره حطبًا، حتى الأصدقاء يسمعون صهيل روحه ويطلبون منه الصمود، ورجال الدين يحثونه على الصبر والرضا بقضاء الله وقدره... لا أحد رمى له بحبل النجاة أو تنازل عن قليل من فرحه له كي يريح ويستريح. جاءته الثقافة مع الريح، لم يحرضّه أحد عليها، ولم يغوه أحد..الثقافة علمته الحرية والشموخ.. والحرية علمته معنى العدالة والإنصاف والإنسانية... إنسانيته المفرطة حوّلت طريقه إلى خناجر وسكاكين وأشواك ونباتات مُرّةٍ كالحسك... صار الطريق ضبابًا... والليل كابوسًا حيًّا لا ينام... الأصدقاء يعرفون شيئًا واحدًا فقط: السخرية والتهكم إلى حد القسوة... وتدفق الدماء من الروح.

ظل يزور المقبرة ليليًّا، وفي وسط العتمة كان يجلس على كرسي أسود. مرت أيام عديدة منذ أن أطعم سماء المقبرة بتلك القصاصات التي تناثرت في أرجاء المقبرة وانحشر بعضها خلف الحصى وشواهد القبور. الليل في المقابر موحشٌ أكثر من صمت الموتى. كان يجلس ساعات طويلة في انتظار من يرد على رسالته التي وزعها هدية للهواء. كان يتهيأ له وهو جالس وسط ذلك الصمت المطبق أن شواهد القبور تتحرك أحيانًا، وتارة يتخيل مرور أطياف شفافة ترتدي أردية بيضاء تمضي بعيدًا على ارتفاعات متفاوتة. اقترب طيف من تلك الأطياف منه في ليلة من الليالي وسلّمه ورقة وأشار إلى مكان بعيد، كانت كتلة من الدم ضخمة جدًّا تتدحرج في الفضاء من دون أن تستقر في مكان، ثم اختفى الطيف الأبيض مثل دخان. فتحها، كانت ورقةً بيضاء تمامًا، أطال النظر، وفجأة بزغ وجه أمه وهي تحدّق فيه ثم ابتسمت ولوحت بيديها واختفت وظلت الورقة البيضاء في يده. هبت ريح عاتية وطيرتها فانطلقت الورقة وهي تعلو إلى المنطقة نفسها التي شاهد فيها كتلة الدم وفجأة احترقت في الهواء لتضيء المقبرة وتحيلها إلى نهار. وخلال ثوانٍ تجمع حوله عدد هائل من الكلاب وهي تنبح من دون توقف، وفجأة توقفت عن النباح كليا وبدأت تطوف حوله بحركة دائرية وكلها تحدق فيه وألسنتها ترتعش، ثم خيم ظلام كثيف وحاول أن يخرج من المقبرة ولكنه فوجئ بالكلاب منبطحة على كل المساحات الخالية والممرات، فشعر بالهلع وبدأ يعدو لكي يخرج بأسرع ما يمكن، فاضطر إلى أن يدوس على أجساد الكلاب. حين بلغ البيت دخل الحمام ليستحم فنظر إلى نفسه في المرآة فوجد وجهه وجسمه كله ملطخ بالدماء. ووسط الدماء وجد كلمات منقوشة على صدره «هي ستنقذك... ابحث عنها.. ستجدها!».

انتظرها طويلاً، طويلاً.. في الشوارع والمقاهي والطرقات والمرافئ البعيدة، انتظرها ليلاً، نهارًا، في السماء وعلى الأرض حتى ملّت من خطواته وهلوساته ونوبات طيشه المطارات والموانئ. كلما شاهد واحدة ظنها هي، لكنها ما تلبث أن تتلاشى مثل دخان. لم يكن يعرف أوصافها أو شكلها، كل ما كان يعرفه أنها طرية كندى الفجر على أوراق خضراء يانعة، لها قلبٌ يحمل كل موسيقى الكون ورعشات الفراشات وارتعاشات العشق. فيها كل شيء والأهم أن لها قلبًا خاليًا من الكيد وعينين خاليتين من المكر والدهاء، وأصابع غير ملوثة بسوائل رجال عديدين. إنها تشبه نفسها وتشبهه. قالت الورقة: ابحث عنها ستجدها، لكنه بلغ حالة يأس شديدة بعد سيل من الإحباطات العارمة والأفخاذ المصنوعة من عجين النفايات وحلقات الكيد الممسرحة بدهاء.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news