العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

سرديات: في مديح البطء.. حَراك عالمي يتحدّى عبادة السرعة!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٢٨ أكتوبر ٢٠١٧ - 09:57

«لم اختفت متعة البطء؟ أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكسالى؟ هؤلاء المشردون الذين يتسكعون من طاحونة إلى أخرى وينامون تحت أجمل نجمة؟ هل اختفوا باختفاء الدروب الريفية والحقول والغابات الطبيعية؟» هكذا كتب الروائي الفرنسيّ من أصول تشيكية ميلان كونديرا وكأنه يستنكر عالمنا اليوم المصنوع من إيقاع السرعة اللامتناهية!

في عام 1898 نشر مورغان روبرتسونMorgan Roberston رواية «العبث»، وهي رواية قائمة على التنبؤ العلمي عن حماقة الإصرار على تسجيل سرعات قياسية لعبور الأطلسي مهما كان الثمن. وتبدأ القصة عندما تكشف إحدى الشركات النقاب عن أكبر سفينة سياحية على الإطلاق، وهي سفينة بُنيت بحيث تكون «غير قابلة للغرق عمليا»، وقادرة على السفر في أعالي البحار بكامل سرعتها في شتى الأحوال الجوية. لكن السفينة اصطدمت في رحلتها الأولى بسفينة أخرى فشطرتها، كان اسم تلك السفينة الخيالية «تايتان»، وبعد أربعة عشر عامًا، وفي عام 1912، اصطدمت «تايتانيك» بجبل جليدي ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف وخمسمائة شخص! وكان غرق سفينة تايتانيك غير القابلة للغرق! كافيًا لانطلاق صيحات تدعو لصحوة هذا العالم المستعبد للسرعة!

ألف الصحفي الكندي كارل أونوريه هذا الكتاب «في مديح البطء» كي يكون بمثابة مانيفستو عالمي يتحدَّى عبادة السرعة، والكتاب قائم على فلسفة التوازن: أسرع عندما يكون من المنطقي أن تسرع، وأبطئ عندما يكون هناك داعٍ للبطء. التمس حياة ضمن ما يسميه الموسيقيون «التمبو غوستو» أي الإيقاع الصحيح.

يستعرض هذا الكتاب الذي تُرجِمَ إلى أكثر من ثلاثين لغة نماذج عالمية تدعو إلى حَراك عالمي للبطء مثل «حركة الطعام البطيء» ونادي الكسل في اليابان ومؤسسة «لونغ ناو» في الولايات المتحدة الأمريكية وصولاً إلى المدن البطيئة أو مدن الاسترخاء في إيطاليا. والكتاب لا يدعو إلى الكسل وإنَّما يدعو إلى الإنجاز ولكن ببطء واسترخاء واستمتاع وعمق.. والكتاب رغم بساطة سرده إلا أنَّه يقدم مرجعيات ثقافية متنوعة لفلسفة البطء ابتداءً من مداخل فلسفية عميقة جدًا وصولاً إلى تلك التناصات التي أضاءت أطروحة الكتاب الرئيسية وهي تناصات بعضها أدبية وروائية وبعضها فلسفي. إنَّ هذا الكتاب كما ذكرتُ رغم بساطة سرده إلا أنه يعالج أطروحة عميقة جدًا هي فلسفة البطء وحتميتها الإنسانية في مقابل فلسفة السرعة بمرجعياتها المختلفة.

إنَّ كارل أونوريه الذي كان وهو يكتب هذا الكتاب كان يتحدَّى عبادة السرعة في حياته الشخصية، وهو يسرد لنا كيف كان يبحث عن قصص الأطفال القصيرة جدًا كي يسردها لطفله الصغير في حدود عشر دقائق فقط وينجز المهمة! إلى قيامه بعد ذلك بعد أن تحدّى عبادة السرعة إلى التمهّل في سرد الحكايات وانتقاء الحكايات الأكثر طولاً وسردها باستمتاع وتمهل!

* أستاذة السرديات

والنقد الأدبي الحديث المساعد،

كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news