العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

الـقـصـة الـقـصـيـرة وأفـق الانـتـشـار الإلـكـتـرونـي (1- 4)

بقلم: د. فهد حسين

السبت ٢٨ أكتوبر ٢٠١٧ - 09:55

لا شك أن التطور الذي يطرأ على المجتمعات وفي بناها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية يؤدي دورًا مباشرًا وآخر غير مباشر في تلك العلاقات التي يبنيها الفرد، وما يتعلق بحياته المختلفة، إذ بظهور عالم الإنترنت والواقع الافتراضي الذي يزداد حضورًا وانتشارًا بدءًا من تسعينيات القرن العشرين، حيث لم يعد الفرد خاليًا من الأصدقاء أو بعيدًا عنهم، ولكن في عالم آخر ليس واقعًا معيشًا ماديا، وإنما هو واقع افتراضي، فراح الفرد في نسخ علاقات واسعة اجتماعي أغلبها، وبينها العلاقة الثقافية والأدبية والفكرية، وانصب هذا أيضًا على علاقة الكاتب وما يكتبه، وطريقة نشره، ذلك النشر الذي تعدد وتنوع بحكم التطور نفسه، وبحكم التحديث المستمر في مجتمع الآلة والثورة المعلوماتية وعصر التكنولوجيا.

إن التطور التكنولوجي أحدث ثورة معلوماتية كبرى ومستمرة، ولن تقف عند محطة معينة طالما البحث العلمي والتطور المعرفي يقفان جنبًا إلى جنب مع هذه الثورة التي كلما تمددت أفقيا، وأفرزت وسائط اتصالية مصاحبة لها، تمكنت في التمدد رأسيا لتدخل في علاقة مع العقل البشري، والذهنية التي تتعامل مع هذه الثورة المعلوماتية التي استطاعت أن تستقطب كل العلوم والفنون والمعارف لتكون حافظة لها، وقد كان للعلوم الإنسانية عامة، والأدب بشكل خاص نصيب وافر حيث دخل على الحواسيب والتكنولوجيا عبر كل المنافذ الاتصالية المتاحة حاليًا، فالشعر أو القصة أو القصة القصيرة باتت منتشرة ومتناقلة على المواقع الإلكترونية العامة والخاصة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك - تويتر - اليوتيوب - الواتساب - السناب)، وعلى القنوات السمعية (أوديو audio).

وإذا كانت الصحافة منذ تأسيسها في العالم العربي، ومع بداية القرن الماضي بالنسبة إلى دول منطقة الخليج العربية لها الفضل في احتضان العديد من المواهب والكتابات والنقدية، فإن العالم اليوم تغير كثيرًا، ولم تعد الصحافة الورقية هي الفاعل الوحيد لهذا الاحتضان وهذه الطاقات، بل أسهم التطور التكنولوجي في العالم أجمع، وفي منطقتنا العربية على وجه الخصوص لجعل النص الأدبي إبداعًا ونقدًا بين جوانحه ليطير به إلى كل ديار العالم، لذلك سعى الكاتب العربي كما فعل غيره من أفراد المجتمع إلى بناء علاقة تقنية مع التكنولوجيا بشكل عام، وجهاز الحاسوب بشكل خاص، وبالشبكة العنكبوتية بشكل أخص التي هي لغة تواصل خاصة لا يمكن إيقاف هيمنتها، بل فرضت على الثقافة أن تتواكب هذه اللغة وثورتها المعلوماتية. 

بمعنى أن الأدب التفاعلي أخذ يفرض التغيرات في كيفية التعامل مع الكتابة من قبل الكاتب، والقراءة من قبل المتلقي، حيث إن جميع المتعاملين مع الكلمة المكتوبة أو المسموعة تأثر بالثورة المعلوماتية والتكنولوجيا، بل فرضت هذه الثـورة على الثقافة العربيـة وبناء العلاقة بينهما وبيـن بقية الثقافات الأخرى الواقعة ضمن منظومة هذه الثورة، لذا فإن «الأدب التفاعلي الرقمي يهدف إلى تطوير الوعي بالنص من خلال تجديد الكتابة العربية، وعبر الدعوة إلى إخفاء الحدود التقليدية بين القراءة والكتابـة، وتحديث شكل الثقافة العربيـة المعاصرة لتدخـل في فضاء التكنولوجيـا الجديدة» (1). 

وهنا لا يعنينا تلك العلاقات التي تبنى من خلال مواقع التواصل الاجتماعي المعنية بالدردشة الاجتماعية أو الإبحار في مناطق أخرى حيث جعلتهم يعيشون في جسد هذه المواقع طوال اليوم، دون طرق باب فضاء المعرفة الفكرية أو الثقافية أو الأدبية، إذ لم تكن المنتديات والمواقع الإلكترونية وهذه المنصات التواصلية ظاهرة من المتخيل وكأنها غير موجودة في السابق، أعتقد إذا كان الكتاب الإلكتروني هو امتداد وتطور لمرحلة الكتابة الورقية، فإن هذه المنتديات على شبكة الإنترنت سبقتها منتديات كانت عبارة عن أمكنة أدبية أو ثقافية، مثل: الصالونات أو النوادي أو المقاهي أو المجالس أو الديوانيات، وهي أمكنة تدار فيها الحوارات والنقاشات والمساجلات والتواصل الثقافي والسياسي والاجتماعي، إلا أن الفارق في المترددين بين تلك الأمكنة ومنصات التواصل الاجتماعي الإلكتروني، ففي الأولى المشاركة حقيقية وملموسة وواقعية ومعروفة، أما في الثانية فالعالم الافتراضي لم يعط المعرفة الحقيقية للمتصل. 

وهنا فالنص حين يكون على شبكة الإنترنيت يأخذ التسميات المتعددة وإن كان يصل في الأخير إلى مسمى واحد، كالنص الشبكي الذي أشار إليه أبسن آرسيث، أو النص المتفرع كما أشار إلى ذلك حسام الخطيب، أو النص الفائق كما ذكر نبيل علي، أو النص المترابط كما يقول سعيد يقطين(2)، ولكن كلها لا تخرج عن نطاق التسميات التي باتت منتشرة لدى (الإنسان نت)، وهي: النص الرقمي أو التفاعلي كما يطلق عليه في أوروبا - النص الترابطي كما يطلق عليه في أمريكا - النص الإلكتروني أو الأدب الإلكتروني كما في فرنسا – النص التشعبي. «فالنص المترابط هو نص مفتوح ومهجن ومتشعب بامتياز، يتضمن نصوصًا وانساقًا مركزية وفرعية متفاعلة فيما بينها تناصًّا وانصهارًا وتشابكًا» (3). 

ولكن هذه التسميات المتعددة تشير إلى أنه لا يوجد مصطلح محدد للنص التخيلي في العالم الرقمي، وهذا ما يؤكد أن العصر الحالي هو عصر التحديات المعرفية والتكنولوجية التي ولجت كل مجالات الحياة العامة والخاصة.

وعلى الرغم من ذلك فالعلاقة بدأت بكتابات الكتّاب ونقدهم، وآراؤهم لا تقف على صفحات الجرائد الورقية المحلية، وإنما سافرت مع رياح هذه الشبكة لتدخل حدود القارات والدول والمناطق، وتصل إلى كل قارئ في العالم بضغط على مفتاح الطلب. حيث «حتمية استمرار التطور التكنولوجي بعدما انطلق آخذًا البشرية صوب غايات مجهولة، وما عاد بقدرة الإنسان أن يوقف جماح تطورها، بعد أن اكتسبت قدرة هائلة على التوليد الذاتي، أو ما تعرف بتأثير المنصة، فكل درجة تبلغها التكنولوجيا في مدارج تقدمها تتخذ منها منصة تنطلق نحو آفاق أعلى من التطور» (4). هكذا استفاد الكتاب من هذه الشبكة في نشر أعمالهم التي كانت في أحيان كثيرة ترفض الصحافة الورقية نشرها.

1- إياد إبراهيم الباوي وحافظ محمد الشمري، الأدب التفاعلي الرقمي – الولادة وتغير الوسيط، ص8.

2- انظر: فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص22-21. 

3- جميل حمداوي، الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق (نحو المقاربة الوسائطية)، ص34.

4- نبيل على، العقل العربي ومجتمع المعرفة، ص17.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news