العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين: التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (1)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٢٧ أكتوبر ٢٠١٧ - 11:30

شخصية فذة قوية، ونفحة من نفحات الحق الزكية جاد به الدهر وهو البخيل بالرجال، كما تجود الصخرة الصماء بالماء الزلال، سمت به الرجولة الحقة التي بثها الدين بين جوانحه، فجعل منه مظهرا من مظاهر البطولة الصادقة، والتضحية النبيلة فقد وهبه الله إيمانا قويا لا تزعزعه الشدائد، وصبراً جميلا على المكاره، وعملا دائبا في نصرة الحق والدين، وكفاحا عن العقيدة وجهادا في سبيلها وتطلعا إلى المثل العليا وهياما بمعالي الأمور وترفعا عن صغارها وسفاسفها، لذلك يحار المرء عندما يرغب في الكتابة عن هذا الإمام الجليل.. ولا يدري من أين يبدأ؟ 

زكاة نفس في سنا خلق في متانة دين في رصانة أسلوب وإذا رأيت النفس زكية والخلق سنيا والدين متينا والأسلوب رصينا فهناك عظيم جدير بقول المتنبي: 

كالبدر من حيث التفت رأيته 

                     يُهدى إلى عينيك نورا ثاقبا

كالبحر يقذف للقريب جواهرا 

                      جودا ويبعث للبعيد سحائبا

كالشمس في كبد السماء وضوؤها

                      يغشي البلاد مشارقا ومغاربا

وقد توافقني إذا علمت أن الرجل حين هاجر إلى مصر وأراد الحصول على شهادة العالمية، شكلت إدارة الأزهر لجنة من كبار العلماء (أو قل من قساة الممتحنين) برئاسة العلامة الكبير الشيخ عبدالمجيد اللبان لامتحانه، وهو التونسي الذي لم يتعلم أو يدرس في الأزهر يوما واحدا!! وقد اشرف على الخمسين من العمر، ولكنه جلس أمام تلك اللجنة وأظهر من رسوخ القدم في العلم ما أدهش الممتحنين، وكلما تعنتت اللجنة وتعمقت في الأسئلة وجدت منه عمقا في الإجابة وقوة في الحجة وفيضا من المعرفة التي وهبها الله له وغزارة في العلم ومعرفة بدروبه ومنحنياته، ما جعل رئيس اللجنة يصيح بأعلى صوته قائلاً: إعجابا به وتقديرا له: 

«هذا بحر لا ساحل له فكيف نقف معه في حجاج؟! 

وقد ظل الأزهريون يرددون هذه العبارة في فرح وسعادة حتى صارت وساماً على صدر الرجل يراه كل من رآه على الرغم من تواضعه الجم وأدبه الرفيع. 

ومنحته اللجنة درجة العاليمة بامتياز وتم تعيينه من فوره أستاذا بالأزهر. 

حقا.. إنه بحر لا ساحل له فهو: 

العالم النحرير، والمفكر الإسلامي الكبير، والمفسر الفاقة الحافظ لكتاب الله، والمحدث الثبت الثقة، والخطيب المفوه، واللغوي الضليع والقاضي النزيه والمصلح الاجتماعي الخبير بأدواء المجتمعات، والشاعر المفلق، والأديب الذي ملك ناصية البيان والصحفي الشجاع صاحب القلم المؤمن الحر، والمجاهد الصادق الصامد في وطنه وخارج وطنه والرحالة المتأمل ثم يتوج ذلك كله أنه شيخ الأزهر. 

صفات ونعم وهبها الله له فأخلص لها وأحسن فيها ورعاها حق رعايتها. 

فقد جعل الآخرة أكبر همه فلم يتشوف لزهرة الدنيا ولم يستشرف لعزة المنصب فبوأه الله أعلى المناصب. 

إذا جلست معه وقعت هيبته على باطنك وغمرتك جلالة حباه الله بها تشعرك برد الرضا وسكينة النفس وطمأنينة اليقين، فإذا خرجت من عنده بقى في بصرك نوره وفي بصيرتك هداه. 

بل إن الحادثة التي تأخذ براس القلم تجره إليها ليتحدث عنها إنه لما ولي مشيخة الأزهر (وما أدراك ما مشيخة الأزهر). لما ولي هذا المنصب الجليل على مستوى العالم الإسلامي كله، كتب استقالته من منصبه بخط يده في أول يوم لمباشرة مهام وظيفته ووقع عليها وترك تاريخها فارغا ثم سلمها الى مدير مكتبه وهو يقول في حزم صارم» 

«هذه أمانة بين يديك - أكمل تاريخها يوم أن تراني قد تركت الحق وسرت في طريق الباطل ولاتراجعني»!!

أي رب.. ما أحلمك وما أعظمك. كم لك من جنود لا يعلمها إلا أنت!! 

صاحب أكبر منصب في العالم الإسلامي يطلب من مدير مكتبه أن يقدم استقالته التي وقعها ولا يراجعه إن رآه قد ترك الحق وسار في طريق الباطل». 

لذلك لم يكن شوقي -يرحمه الله- مبالغاً حين قال في في قصيدته عن الأزهر ومطلعها: 

قم في فم الدينا وحيي الأزهرا *** وانثر على سمع الزمان الجوهرا

إلى أن يقول: 

واخشع مليا واقض حق أئمة *** طلعوا به زهرا وماجوا أبحرا

كانوا أجل من الملوك جلالة *** وأعز سلطانا وأعظم مفخراً

زمن المخاوف كان فيه جنابهم ** حرم الأمان وكان ظلهم الذرى

ألاتعسا لعبيد الدرهم والدينار والخميصة الذين إذا رأوا لعاعة من الدنيا خروا لها جثيا، قد اندلعت السنتهم على صدورهم، فإن ذكرتهم بشيء مما قالوا مجرد ذكرى.. كانوا كجلامد صخر هدهدهم الوعر وداؤهم الصعر ولفظهم الحجر!!

أما ذلك الإمام الجليل فقد آمن بالإسلام ودعوته وأحب من صدر حياته أن يكون واحدا من الذين قال الله فيهم: 

«إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تننزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون» (فصلت / 30) إن الاستقامة على طريق الله بعلم وحزم وحكمة ويقين هي الولاية، فإذا تعارضت مصلحة الدين ومصلحة الدنيا أمام الرجل المسلم، فآثر مصلحة الدين على مصلحة الدنيا ومضى على ذلك في تصرفاته كلها مدى الحياة فهو من أولياء الله أي من أنصاره، والولاية هي النصرة. 

وقد جرت سنة الله أن يأخذ بأيدي أوليائه وينصرهم ما نصروا دعوته وسنته في الأرض وهذه المرتبة في متناول يد لكل من رامها من شبابنا وكهولنا وشيوخنا إذا آلى على نفسه أن يجعلها وجهته في مراحل الحياة، وكان شيخنا الجليل من أسبق السابقين في هذا المضمار حتى أتاه اليقين. 

تلك مقدمة لا بد منها -وإن طالت- قبل الحديث عن مراحل حياة ذلك العلامة المجاهد في صمت وصبر واحتساب. وسوف نسلك المسلك الذي كان يؤثره رضي الله عنه عند الحديث عن حياته، حيث قسمها إلى ثلاث مراحل، كما أشار إلى ذلك وارث علمه وناشره الباحث المدقق والعالم الجليل الأستاذ على الرضا الحسينى المحامي وهو ابن أخي الشيخ جزاه الله خيرا وتلك المراحل هي: 

1 – المرحلة الأولى: المرحلة التونسية (المرحلة التأسيسية أو مرحلة العلم والتكوين) 

2 – المرحلة الثانية: المرحلة السورية (مرحلة التنقل والترحال والاكتشاف والنضال السياسي)

3 – المرحلة الثالثة: المرحلة المصرية (مرحلة المجد الثقافي والشهرة العلمية) 

وأين نحن من هذا البحر؟ لذلك نسأل الله تبارك وتعالى العون والتوفيق والهداية لأقوم طريق. 

ورحم الله القائل: 

إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده

وأرجو من القارئ الكريم أن يستطيع معي صبرا ليرى رجلا كان بحق نفحة من نفحات الحق الزكية. 

- لا نزكيه على الله – حتى قال فيه أحد أصدقائه العارفين به والمقربين إليه: 

«هو رجال في رجل» 

فإلى حلقة قادمة بإذن الله.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news