العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

دراسات

50 عاما على تدمير وإغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات»

إعداد: قسم الدراسات والبحوث

السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:30

صاروخان من سلاح البحرية المصرية وضعا نهاية مأساوية لأسطورة المدمرة «إيلات»


في حياة الشعوب وفي تاريخ الحروب والصراعات معارك ومواجهات فاصلة تبقى خالدة في سجلات التاريخ، ليس فقط لأنها كان لها تأثير قوي في مسار المعارك والأحداث ولكن أيضا لأنها تشكل نقطة تحول بالغة التأثير, إذ أنها تكتب تاريخا جديدا وتعيد صياغة المعادلات في الاتجاه الصائب.

وبعد العدوان الإسرائيلي في 5 يونيو 1967 تصورت إسرائيل انها ألحقت هزيمة ساحقة بالعرب وأنه لن تقوم لهم قائمة بعد ذلك ولن يستطيعوا مواجهتها قبل عشرات السنين. 

لكن وقعت معركتان على الجبهة المصرية بعد فترة قصيرة من هزيمة 1967 كان لهما ابلغ الأثر في إعادة الأمور إلى نصابها.

الأولى معركة رأس العش والتي وقعت في 1يوليو1967، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع فقط من الهزيمة عام 1967. و«رأس العش» هي بلدة بالقرب من ضاحية بور فؤاد شرق قناة السويس وتقع شرق مدينة بورسعيد، وذلك عندما حاولت المدرعات الإسرائيلية احتلالها، لكن قوة من الصاعقة المصرية نجحت في صد الاعتداء الإسرائيلي. وكانت الحادثة بمثابة الشرارة التي أدت إلى اندلاع حرب الاستنزاف على ضفتي قناة السويس لنحو ثلاث سنوات.

في يوم 5 يونيو 1967 هاجمت إسرائيل مصر لتتمكن من احتلال سيناء عدا مدينة بور فؤاد الواقعة على الضفة الشرقية في مواجهة بورسعيد. وقد ظنت إسرائيل أنها بما أحرزت من نجاح قد قضت تمامًا على مقاومة الجيش المصري، فراحت تعد العدة للتقدم قاصدة احتلال بورفؤاد، وتهديد ميناء بورسعيد.

 يقول المشير محمد عبدالغني الجمسي رئيس هيئة العمليات أثناء حرب أكتوبر في مذكراته عن معركة رأس العش: «في اليوم الأول الذي تولى فيه اللواء أحمد اسماعيل علي قيادة الجبهة في أول يوليو 1967 تقدمت قوة إسرائيلية شمالا من مدينة القنطرة شرق -شرق القناة- في اتجاه بورفؤاد -شرق بورسعيد- لاحتلالها، وهى المنطقة الوحيدة في سيناء التي لم تحتلها إسرائيل أثناء حرب يونيو. تصدت لها قواتنا ودارت معركة رأس العش».

وأضاف قائلا: «كان يدافع في منطقة رأس العش ـ شرق بور فؤاد ـ قوة مصرية محدودة من قوات الصاعقة المصرية عددها ثلاثون مقاتلاً من قوة الكتيبة 43 صاعقة لعمل خط دفاعي امام القوات الإسرائيلية المتقدمة وبالفعل تقدمت القوة الإسرائيلية التي كانت تشمل سرية دبابات (ثلاث دبابات) مدعمة بقوة مشاة ميكانيكا في عربات نصف جنزير، وقامت بالهجوم على قوة الصاعقة التي تشبثت بمواقعها بصلابة وأمكنها تدمير ثلاث دبابات معادية. عاود العدو الهجوم مرة أخرى، إلا أنه فشل في اقتحام الموقع بالمواجهة أو الالتفاف من الجنب، وكانت النتيجة تدمير بعض العربات نصف جنزير بالإضافة إلى خسائر بشرية واضطرت القوة الإسرائيلية إلى الانسحاب، وظل قطاع بور فؤاد هو الجزء الوحيد من سيناء الذي ظل تحت السيطرة المصرية حتى نشوب حرب أكتوبر 1973». وبحسب الجمسي، فقد كانت هذه المعركة هي الأولى في مرحلة الصمود، التي أثبت فيها المقاتل المصري -برغم الهزيمة والمرارة- أنه لم يفقد إرادة القتال.

والمعركة الثانية والتي بلغت شهرة عالمية واسعة النطاق هي معركة تدمير وإغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» والتي كان ينظر إليها على انها مفخرة واسطورة سلاح البحرية الإسرائيلية والتي نحتفل اليوم 21 أكتوبر بمرور 50 عاما أو نصف قرن على نجاح القوات البحرية المصرية بتدميرها وإغراقها في عرض البحر المتوسط بعد شهور قليلة من عدوان 5 يونيو (1967-2017).

وعملية المدمرة إيلات هي عملية إغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية «إيلات» بعد قيام القوات البحرية المصرية باغراقها في البحر الأبيض المتوسط امام مدينة بورسعيد في 21 أكتوبر 1967 بعد اربعة أشهر من نكسة 67، وهي عملية مختلفة تمامًا عن  عمليات الهجوم الثلاث علي ميناء إيلات الإسرائيلي والتي تم فيها إغراق وتدمير4 سفن حربية هي «بيت شيفع»، و«بات يام»، و«هيدروما»، و«دهاليا» وتفجير الرصيف الحربي للميناء.

لماذا وقعت المواجهة البحرية؟

في 20 يونيو عام 1956، قامت إسرائيل بشراء أول مدمرتين للبحرية الإسرائيلية من إنجلترا، وأطلقت على إحداهما اسم «إيلات» والأخرى «يافا»، وذلك نسبة إلى الميناءين «إيلات» و«يافا».

اشتركت المدمرة «إيلات» في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كما اشتركت في حرب يونيو 1967؛ وكانت «إيلات» تشكل نصف قوة المدمرات في البحرية الإسرائيلية.

أرادت إسرائيل في أعقاب عدوانها في حرب 1967، إلحاق أكبر أذى بالقوات البحرية المصرية، فأمرت قيادة الجيش الإسرائيلي بأن تخترق المدمرة «إيلات» المياه الإقليمية المصرية في البحر الأبيض المتوسط، اعتقادا منها أن القوات البحرية المصرية غير قادرة على إيقافها.

 في 11 يونيو 1967 دخلت المدمرة «إيلات» ومعها زوارق الطوربيد من نوع «جولدن» مدى المدفعية الساحلية في بورسعيد؛ وعندما تصدى لها سرب من القوات البحرية المصرية مكون من لنشين طوربيد، فتحت النار عليه في تحد سافر للقوانين الدولية، فقرر قائد السرب الاشتباك مع القوات المعادية لحقه في الدفاع عن النفس.

وخلال الاشتباك، اشتعلت النيران في اللنش الثاني، ما أوجب تحييده لعدم قدرته على المشاركة في المعركة، كما أصيب لنش القيادة إصابة بالغة تمنعه من الاشتباك، فاستغلت القوات الإسرائيلية الفرصة، وانهالت بطلقات المدافع على لنش القيادة وقتل 5 من طاقم اللنش.

استمرت «إيلات» بعد ذلك في التوغل في المياه الإقليمية المصرية؛ وفي يوم 21 أكتوبر أصدرت القيادة المصرية أمرا بالاشتباك مع المدمرة؛ وعلى الفور جهز قائد القاعدة البحرية في بورسعيد لنشين صاروخيين؛ كان اللنش الأول بقيادة النقيب «أحمد شاكر» ومساعده الملازم أول «حسن حسني»، أما اللنش الثاني فكان بقيادة النقيب «لطفي جاب الله» ومساعده الملازم أول «ممدوح منيع».

أطلق اللنش الأول صاروخا أصاب جانب المدمرة إصابة مباشرة فأخذت تميل على جانبها، فلاحقها بالصاروخ الثاني ثم تم إطلاق صاروخين من اللنش الثاني فتم إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» على مسافة تبعد 11 ميلا بحريا شمال شرق بورسعيد في الخامسة مساء يوم 21 أكتوبر 1967، وكان يوجد على متنها نحو 200 فردا بحريا إسرائيليا.

كانت عملية إغراق المدمرة «إيلات» انتصارا فريدا من نوعه، حيث كانت تلك هي المرة الأولى في التاريخ التي يتمكن فيها لنش صواريخ من تدمير مدمرة بحرية كبيرة، وتم تسجيل هذه المعركة ضمن أشهر المعارك البحرية في التاريخ.

وقد شهدت الفترة التي تلت حرب يونيو 1967 وحتى أوائل أغسطس 1970، أنشطة قتالية بحرية بين الجانبين وكان كلاهما يهدف إلى أحداث أكبر خسائر في القوات البحرية للطرف الآخر بغرض إحراز التفوق وتحقيق السيطرة البحرية ويعرف هذا النوع من القتال البحري في فنون الحرب البحرية بالأنشطة القتالية الروتينية للقوات البحرية.

المشير الجمسي وعملية إغراق المدمرة إيلات

ولعل من المهم معرفة آراء القادة العسكريين الذين أشرفوا على تنفيذ تلك المهمة القتالية المؤثرة في ذلك الحين.

يقول المشير محمد عبدالغني الجمسي رئيس هيئة العمليات للقوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر ووزير الدفاع المصري بعد ذلك في السبعينيات، في مذكراته عن عملية إغراق المدمرة إيلات: «وجاء يوم 21 أكتوبر 1967 وقد وصلت إلى مركز قيادة الجبهة بعد راحة ميدانية، فوجدت اللواء أحمد اسماعيل ومعه العميد حسن الجريدلي رئيس عمليات الجبهة (وقد كنت انا وقتها رئيس أركان للجبهة) يتابعان تحركات المدمرة الإسرائيلية إيلات بالقرب من المياه الإقليمية لمصر في المنطقة شمال بورسعيد».

كانت المعلومات تصلنا أولا بأول من قيادة بورسعيد البحرية التي كانت تتابع تحركات المدمرة، وقد استعدت قوات القاعدة لمهاجمة المدمرة عندما تصدر الأوامر من قيادة القوات البحرية بالتنفيذ. وظلت المدمرة المعادية تدخل المياه الإقليمية لفترة ما ثم تبتعد إلى عرض البحر، وتكرر ذلك عدة مرات بطريقة استفزازية وفي تحرش واضح، لإظهار عجز قواتنا البحرية عن التصدي لها.

وبمجرد أن صدرت أوامر قائد القوات البحرية بتدمير هذه المدمرة عند دخولها المياه الإقليمية، خرج لنشان صاروخيان من قاعدة بورسعيد لتنفيذ المهمة. هجم اللنش الأول بإطلاق صاروخ أصاب المدمرة إصابة مباشرة فأخذت تميل علي جانبها، وبعد إطلاق الصاروخ الثاني تم إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» شمال شرق بورسعيد بعد الخامسة مساء يوم 21 أكتوبر 1967 وعليها طاقمها. وقد غرقت المدمرة داخل المياه الإقليمية المصرية بحوالي ميل بحري.

والجدير بالذكر أن لنش الصواريخ (كومر) السوفيتي الذي تم استخدامه في الهجوم على «إيلات» مجهز بصاروخين سطح- سطح، من طراز (ستايكس) الذي تزن رأسه المدمرة طنا واحدا وكانت إجراءات الاستطلاع والتجهيز بالصواريخ قد تمت في القاعدة البحرية قبل الخروج لتدمير الهدف، وخرج لمهاجمة مدمرة العدو بغرض تدميرها وإغراقها كما اعدت بقية القطع البحرية في القاعدة كاحتياطي وبعد تدمير الهدف عاد اللنشان إلى قاعدة بحرية مصرية لتلتهب مشاعر كل قوات جبهة القناة وكل القوات المسلحة لهذا العمل الذي تم بسرعة وكفاءة.. وحقق تلك النتيجة الباهرة.

لقد كان إغراق المدمرة إيلات بواسطة صاروخين بحريين سطح/ سطح من طراز كومر السوفيتي لأول مرة، بداية مرحلة جديدة من مراحل تطوير الأسلحة البحرية والقتال البحري في العالم واصبح هذا اليوم –بجدارة- هو يوم عيد القوات البحرية المصرية.

وإثر الهجوم الناجح على المدمرة طلبت إسرائيل من قوات الرقابة الدولية أن تقوم الطائرات الإسرائيلية بعملية الإنقاذ للأفراد الذين هبطوا إلى الماء عند غرق المدمرة. استجابت مصر لطلب قوات الرقابة الدولية بعدم التدخل في عملية الإنقاذ التي تمت على ضوء المشاعل التي تلقيها الطائرات، ولم تنتهز مصر هذه الفرصة للقضاء على الأفراد الذين كان يتم إنقاذهم.

وقد قتل في هذه العملية من الجانب الإسرائيلي 47 عسكريا من طاقم المدمرة واصيب نحو مائة آخرين من طاقمها البالغ عدد أفراده 200 جندي وضابط.

أما اللواء بحري محمود فهمي رئيس شعبة عمليات القوات البحرية المصرية في تلك الفترة فيتحدث عن عملية إغراق المدمرة إيلات قائلا: 

«ان العملية الكبرى في تلك الفترة تمثلت في إغراق المدمرة إيلات وكانت المدمرة قد درجت على الإبحار في المياه الإقليمية المصرية في مواجهة بورسعيد‏،‏ فقررت القيادة إغراقها‏.‏ واجتمع العميد بحري محمود عبدالرحمن فهمي رئيس شعبة عمليات القوات البحرية بفريق من قادة وضباط الشعبة منهم العقيد محمد علي محمد والمقدم علي جاد لدراسة الموقف‏،‏ ووضع خطة إغراق المدمرة‏. ‏وتقرر أن يخرج لنشا صواريخ‏، الأول بقيادة النقيب أحمد شاكر والثاني بقيادة النقيب لطفي جاد الله‏.‏

وفي مكتب العقيد عادل هاشم‏، جلس محمود فهمي في انتظار بلاغات العملية بعد أن أبلغ الفريق أول بحري فؤاد ذكري قائد القوات البحرية آنذاك بتطورات تنفيذ الخطة. والفريق أول فؤاد ذكري كان العقل المدبر لخطة الهجوم البحري لتدمير المدمرة «إيلات»، وهو من أبناء العريش بشمال سيناء. وقد تولى قيادة لواء المدمرات، ثم تولي رئاسة شعبة العمليات الحربية، وبعد أسبوع من حرب يونيو عام 1967م عين قائدًا للقوات البحرية فأعاد بناء القوات البحرية المصرية وخطط لأروع إنجازاتها التي تحققت في معارك الاستنزاف، وأكتوبر 1973 م ويعد من أبرز قادة القوات البحرية في التاريخ المصري الحديث، وهو ضابط البحرية الوحيد الذي وصل إلى رتبة فريق أول بحري ثم رتبة مشير في تاريخ العسكرية المصرية.

ويقول العميد بحري محمود فهمي عن تفاصيل العملية: «لقد بدأت البلاغات من قاعدة بورسعيد البحرية،‏ صاروخ نمرة واحد طلع‏..‏ صاروخ نمرة واحد أصاب الهدف‏..‏ صاروخ نمرة اثنين طلع‏..‏ صاروخ نمرة اثنين أصاب الهدف‏..‏ الهدف تحطم.. وهكذا في دقائق معدودة تحطمت أكبر وحدة بحرية إسرائيلية‏،‏ لقد غرقت إيلات‏..‏ ولحقت بالكبرياء الإسرائيلية اهانة كبيرة،‏ وتمكنت البحرية المصرية من جدع أنف إسرائيل وقواتها البحرية‏.‏

واللافت للنظر أن الرجال الثلاثة الذين شكلوا العمود الفقري لمجموعة العمليات المسؤولة عن إغراق إيلات‏،‏ قد أصبحوا فيما بعد قادة للقوات البحرية‏.‏

وكانت توابع تلك كارثة وشعورا بالصدمة ليس فقط على البحرية الإسرائيلية بل على الشعب الإسرائيلي بأكمله الذي مازال يتذكر تلك الهزيمة لأسطوله البحري بمشاعر مليئة بالمرارة.

 وعلى الجانب الآخر فإن البحرية المصرية والشعب المصري بأكمله الذي ذاق مرارة الهزيمة في 5 يونيو من نفس العام ارتفعت معنوياته كثيرا. 

وبعد نجاح المهمة صدر قرار جمهوري بمنح كل الضباط والجنود الذين شاركوا في العملية أوسمة وأنواطا وأصبح غرق المدمرة ايلات في 21 أكتوبر 1967م عيدا للقوات البحرية المصرية، وأشادت الدوائر العسكرية بالشجاعة النادرة لقادة اللنشات المصرية وتم تسجيل هذه المعركة ضمن أشهر المعارك البحرية في التاريخ.

أبعاد أخرى في المعركة

يقول الكاتب الصحفي إبراهيم حجازي نقلا عن قادة عسكريين مصريين ان أغلب العمليات البحرية الإسرائيلية في المياه الإقليمية المصرية بعد حرب 1967 كانت لإرضاء قوات العدو البحرية التي لم تشارك بفاعلية كبيرة في عدوان‏67‏ وتريد أن يكون لها دور أمام شعبها‏..‏ لذلك زادت العربدة وتكرر الاستفزاز باستعراض للقوة من أكبر وحدة بحرية في الجيش الإسرائيلي وهي المدمرة إيلات وبرفقتها سرب لنشات طوربيد وتغطيها مظلة جوية من المقاتلات‏!‏ 

فالمدمرة من أول شهر يوليو‏..‏ شهر عيد الثورة‏ المصرية..‏(داخلة -خارجة )في المياه الإقليمية قبالة بورسعيد‏!. يوميا يتم هذا الانتهاك لحدودنا لأجل جرنا إلى معركة مضمون انتصارهم فيها‏! أو هكذا كان الصهاينة يعتقدون.

‏21‏ أكتوبر هو الزمان، والمكان هو قاعدة بورسعيد والصباح نفس كل صباح إلى أن جاءت الثامنة والنصف صباحا وحملت بلاغا من قائد القاعدة إلى قائد اللنش‏504‏ بأنه يوجد هدف بحري قرب المياه الإقليمية ولمزيد من التأكد صعد الملازم أول حسن حسني ضابط أول اللنش إلى نقطة مراقبة بصرية فوق فندق مرتفع وبعد عشر دقائق شاهد حسن حسني مدمرة طراز زيليوس وأيضا رصدها الرادار وحدد موقعها علي بعد‏15‏ ميلا بحريا‏! الرجال دخلوا مرحلة الاستعداد القصوى والمدمرة لم تتوقف على مدى ساعات النهار عن الدخول والخروج في المياه الإقليمية‏..‏ وبدأت الشمس تغيب وكانت آخر شمس تغيب على المدمرة‏!‏

صدر الأمر‏..‏ وتحرك لنش الصواريخ‏504‏ بقيادة النقيب أحمد شاكر عبدالواحد ولنش الصواريخ‏501‏ بقيادة النقيب لطفي جاد الله‏..‏ وأنقل لحضراتكم هنا مشاعر ضابط أول اللنش‏504‏ الملازم أول حسن حسني. 

‏ يتذكرها ويقول‏:‏ لا أستطيع أن أصف شعوري الذي هو نفس شعور طاقمي اللنشين‏!. فرحة هائلة لأسباب كثيرة أولها الانتقام وثانيها رد الاعتبار وثالثها لأننا أصلا لم نحارب‏!. الفرحة هائلة والخوف أيضا هائل‏..‏ خوف من أن يصدر في أي لحظة أمر يلغي أمر القتال أو أن الهدف يترك المياه الإقليمية قبل الوصول إليه‏!‏

وبدأ التحرك‏..‏ وأصدر النقيب شاكر تعليماته بإيقاف جميع رادارات القاعدة حتى لا تشوش على دقة التصويب‏!. المهم أنه من بداية التحرك بدأ خداع العدو والتمويه عليه‏!‏ لم يخرج اللنشان من الممر الملاحي المؤدي إلى ميناء بورسعيد وطوله ستة أميال‏..‏ لم يخرج اللنشان منه لأنه مرصود ومراقب برادارات المدمرة الرابضة هناك ولذلك تحرك اللنشان إلى عرض البحر من خارج الممر وخارجه توجد أخطار بحرية كبيرة لأن حاجز الأمواج يؤمن الممر‏!‏ خرج‏504‏ و‏501‏ بعيدا عن الممر وبالتالي عن عيون المدمرة أما سرعة اللنشين فقد تم تخفيضها لتكون بطيئة جدا لكي تبدو على رادارات العدو أنها «بلانصات»‏ أو مراكب صيد وليست أهدافا حربية‏..‏ وكان ذلك خداعا آخر للعدو وثالث خداع أن اللنشين سارا تجاه الهدف على مسافة قريبة جدا من بعضهما ليظهرا على شاشة الرادار وكأنهما مركب صيد واحد يسير ببطء‏!‏

الساعة تقترب من الخامسة والثلث مساء واللنشان‏504‏ و‏501‏ وصلا إلى مكانهما المحدد لإطلاق صواريخهما وتم إخلاء سطح اللنش‏504‏ الذي سيبدأ الهجوم وفي الخامسة و‏28‏ دقيقة انطلق الصاروخ الأول‏..‏ وهو أيضا الأول في أول عملية حربية بحرية في العالم تستخدم فيها صواريخ سطح ـ سطح‏.‏ انطلق الصاروخ ‏(يزن نحو طن) بسرعة هائلة وبارتفاع يتراوح بين‏100‏ و‏300‏ متر وأصاب منتصف المدمرة كما سجل رادار اللنش وبسرعة أصدر النقيب شاكر أوامره بإطلاق الصاروخ الثاني من نفس اللنش‏504‏ وفور إطلاق الصاروخ الثاني تم فتح الدرع الواقي وخرج الطاقم بأكمله إلى سطح اللنش وشاهدوا الصاروخ في السماء إلى أن انخفض وراء خط الأفق ولحظات وسمع الأبطال انفجارا هائلا وشاهدوا سحب دخان على شكل عش الغراب ترتفع في السماء‏!‏ وأخذ الرجال يعانقون بعضهم بعضا بعد تأكدهم من إصابة الهدف‏.

وتمكن اللنشان من العودة إلى قاعدة بحرية بعد الهجوم بسلام وفوجئا بأن بورسعيد كلها واقفة على البحر وشاهدت الصاروخين في السماء ورأت الدخان وسمعت الانفجار‏..‏ لكنها -أقصد بورسعيد- لا تعرف من يضرب من؟‏

وما إن تسرب الخبر حتى رقصت بورسعيد بأكملها وبقي أهلها في الشوارع غير مكترثين بأي رد فعل من العدو‏!

‏غرقت المدمرة إيلات أكبر قطع البحرية الإسرائيلية وخرجت من الخدمة إلى الأبد ورقدت في قاع البحر المتوسط رقدتها الأخيرة في عملية هي الأولى في العالم‏..‏ لأن الصواريخ سطح ـ سطح لم تكن معروفة وعرفها العالم كله من خلال المقاتلين المصريين الذين كانوا أول من استخدمها في حرب‏..‏ وبعدها بسنين استخدمها الإنجليز ضد الأرجنتين في جزيرة فوكلاند المتنازع عليها‏!

‏بريطانيا في أول رد فعل لها على إغراق المدمرة إيلات البريطانية الصنع قالت‏:‏ الطريقة التي أغرقت بها المدمرة إيلات‏‏ تدل على مهارة غير عادية وتعتبر عملا عظيما يتطلب قدرات عالية‏!‏ 

شلومو إرييل قائد البحرية الإسرائيلية قال‏:‏ الصواريخ المصرية أحالت المدمرة إلى كتلة من النيران والصلب الملتوي‏.

الجانب الإسرائيلي يحاول تبرير الكارثة

أما قائد المدمرة الإسرائيلية إيلات اسحاق شوشان في كتابه «الرحلة الأخيرة للمدمرة إيلات»‏ ويقصد الرحلة التي أغرقت فيها بصواريخ المصريين‏..‏ فيحكي حكايته مع فخر البحرية الإسرائيلية التي انتهى بها المطاف في قاع البحر وكيف أنه لم يتصور يوما أن يحدث ذلك‏!. يعترف في كتابه بأنه لم يخطر على باله للحظة أن يجيء أي خطر من أي نوع من المصريين وأن البحر مفتوح أمامه ولا يجرؤ أحد على النظر للمدمرة التي معها سرب لنشات طوربيد وغطاء جوي من الطائرات المقاتلة، ثم من الذي يقدر على الوقوف أمام أكبر قطع الأسطول البحري الإسرائيلي؟‏!

‏الذهول ضرب قائد «إيلات» بعد أن قصم الصاروخ الأول ظهر المدمرة بإصابة مباشرة نسفت اتصالات المدمرة وأشعلت النيران في منتصفها وقبل أن يفيق القائد المذهول من ذهوله فوجئ بالصاروخ الثاني الذي جعل المدمرة تغوص‏15‏ درجة، ويعترف القائد بأنه فوجئ بعد فترة وهو مشغول بإخلاء المدمرة بصاروخين على التوالي تمزقت بعدهما المدمرة إلى أشلاء واختفت تحت الماء‏..‏ ولم تكن تلك هي الخسارة الوحيدة إنما فقد العدو‏120‏ من قواته بين قتيل ومفقود لم يعثروا لهم على أثر بخلاف عشرات الجرحى‏.

 وكشف قائد المدمرة اسحاق شوشان في كتاب مذكراته بعنوان «المعركة الأخيرة للمدمرة ايلات»، بعض اسرار العملية، ولكن ضميره، على حد قوله مازال يؤنبه لأنه لم يكشف عن كل ما لديه، فقرر بعد ان وصل عمره إلى الخامسة والسبعين، الكشف عن السر الكبير المتعلق بفشل المخابرات العسكرية الإسرائيلية، ذلك الفشل الذي سبق عملية الاغراق، والذي سعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لإخفائه طويلا.

اصيب شوشان في هذه العملية التي اسفرت عن مقتل سبعة وأربعين من مقاتلي المدمرة ايلات، وإصابة اكثر من 100 آخرين. ويروي شوشان انه تعرض لضغوط وعوائق كبيرة طوال السنوات الماضية لمنعه من الكشف عن الفشل المخابراتي الإسرائيلي، وكان آخرها عائق «أخلاقي» على حد وصفه، خوفا من ايذاء عائلات الجنود القتلى الذين سيدركون انه كان بالامكان منع وقوع هذه المأساة، وأن أبناءهم قد ماتوا سدى، ودون مبرر! اما الآن لم يبق سوى اب واحد لاحد ضحايا المدمرة ايلات، قرر شوشان الكشف عن السر، قائلا: «اؤمن من كل قلبي بأنهم لو كانوا قد نقلوا لي المعلومات المخابراتية التي حصلت عليها المخابرات العسكرية الإسرائيلية، لكنت قادرا على منع هذه الكارثة». وهو يلقي باللائمة على وحدة التصنت والتجسس الاليكتروني المركزي بالجيش الإسرائيلي، التي تخضع لقيادة المخابرات العسكرية الإسرائيلية، المعروفة اليوم بالرقم «8200»، وكان رقمها آنذاك 515. كما يلقي بالمسؤولية على «ديفيد لافيتان» الذي كان وقتها ضابطا بتلك الوحدة.

قبل بضع سنوات تمكن شوشان من معرفة مكان «لافيتان» وحاول التحدث معه، ولكن الأخير رفض، بحجة انه لم يحصل على إذن من رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية للتحدث في هذا الموضوع، الذي تعهد كتابيا بالحفاظ على سريته.

وقد حاولت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التوجه إلى رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية «اهارون فركش زئيفي» الذي كان قائدا للوحدة 8200 في السابق، من اجل السماح بالكشف عن الوثائق المخابراتية الخاصة باغراق المدمرة ايلات، والسماح لـ «لافيتان» بالتحدث عن العملية، وكان النتيجة الطبيعية هي «رفض فركش»!.

يقول شوشان: «كان ينبغي على كل عاقل ان يعي ان مصر لن تقف مكتوفة الايدي، وانها ستبادر إلى الانتقام لنفسها، ولكن الغرور ونشوة النصر كانت تخيم على عقول قادة البحرية الإسرائيلية».

معلومات استخباراتية

عندما قرر شوشان كشف الحقيقة الغامضة الخاصة بدور المخابرات العسكرية الإسرائيلية في اغراق المدمرة ايلات، تلقى مساعدة من اشخاص عديدين بشكل سري، اكدوا له جميعا ان الامر يتعلق بمعلومات استخبارية هامة لم تقم الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بنقلها إلى سلاح البحرية الإسرائيلية. وكانت خلاصة ما حصل عليه شوشان من معلومات سرية تؤكد ان المخابرات العسكرية الإسرائيلية حصلت على سبعة معلومات استخبارية من اجهزة التجسس الاليكتروني وغيرها في نفس يوم اغراق المدمرة ايلات، تشير جميعها إلى ان المصريين على وشك تنفيذ عملية عسكرية بحرية ضد إسرائيل. تضمنت المعلومة الاولى إعلان الاستعداد لقوات المدفعية المصرية الساحلية بالقرب من بور سعيد. ومن تقرير ثان، تبين ان مروحية مصرية تمكنت من تحديد موقع المدمرة إيلات. ولكن المعلومتين المهمتين على الاطلاق وصلتا للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قبل اغراق المدمرة ايلات بنحو ساعتين أو ثلاث ساعات. الاولى كانت تتضمن امرا مصريا بأنه لن يتم اطلاق النار من ميناء بورسعيد، ولكن هناك موافقة على اطلاق النار من خارج الميناء. اما الثانية فكانت تعليمات بإعلان حالة التأهب القصوى في كل الاسلحة البحرية المصرية الموجودة بمنطقة بور سعيد.

التحقيقات التي اجريت بهذا الشأن اسفرت عن ادعاء المخابرات العسكرية الإسرائيلية بابلاغ محتوى هذه الرسائل إلى سلاح البحرية الإسرائيلية، ولكن المسؤول عن الاتصال نفى تلقيه مثل هذه الرسائل من المخابرات العسكرية الإسرائيلية وانتهى الامر بتوصية في تقرير الجنرال بارليف بمحاكمة داخلية لبعض ضباط المخابرات العسكرية الإسرائيلية على اهمالهم وعدم تيقنهم من وصول المعلومات الهامة إلى البحرية الإسرائيلية. كان من بين من حوكموا ديفيد لافيتان الذي شغل لاحقا منصب رئيس جامعة تل ابيب!

ويشير التقرير الذي نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى ان المعلومات فعلا لم تبلغ إلى البحرية الإسرائيلية لأن المسؤول عن التقارير بالمخابرات العسكرية الإسرائيلية تركها وذهب لتناول طعامه!

لكن في الحقيقة ان الخسارة الأفدح للصهاينة على الإطلاق في تلك المعركة هي أنهم عرفوا يقينا أنهم أمام مقاتلين من نوع فريد‏..‏ كل شيء عندهم بلا حدود‏..‏ شجاعة وبسالة وانتماء وتضحية وحب للوطن‏. وفتحت هذه المواجهة للقوات المصرية الباب لخوض معارك حرب الاستنزاف التي استمرت حوالي ثلاث سنوات (1968-1970) في عهد الرئيس جمال عبدالناصر والتي كانت افضل إعداد للقوات المصرية مكنها من النجاح وتحقيق النصر بعد ذلك في حرب أكتوبر 1973.

 

 

  

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news