العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

مقالات

«مواهب من الأشخاص الجميلين»، ليكون الاختلاف نعمة لا نقمة

بقلم: باميلا كسرواني متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:30

«أتمنى أن أصبح أفضل رسام بالأبيض والأسود في العالم». بحماس وشغف وفخر وابتسامة عريضة، حدّثنا الفنان الإماراتي عبدالله لطفي عن طموحاته ولوحاته التي تكشف مجموعة من الناس المختلفين من حيث الجنسيات والخلفيات المتحدثين بلغات متعددة في عمل بعنوان «أهلاً بكم في دبي»؛ لوحات عُرضت، قبل أسابيع، في صالة عرض «كوادرو» في دبي في أول عرض فردي لهذا الشاب الإماراتي الذي يكشف لنا «أحب الأسود والأبيض كثيرًا منذ أن كنت صغيرًا لأنها أفضل الألوان وتذكرني بالمانغا اليابانية والرسوم الهزلية». 

موهبة لطفي التي كانت تساعده منذ الصغر على التواصل مع الآخرين تطوّرت ونمت بفضل بيئة حاضنة وجدها في استديو «مواهب من الأشخاص الجميلين» في حي الفهيدي التاريخي بقلب دبي؛ استديو يريد أن يكون فضاء للطلبة من ذوي الحاجات الخاصة لتعلّم المهارات الفنية وتطوير الثقة بالنفس في بيئة آمنة ومريحة.

وبالفعل، حالما تطأ عتبة الاستديو يُخالجك شعور غامر بأنك دخلت مكانًا مفعمًا بالحيوية والألوان والضجيج والكثير من الجمال. تستقبلنا ويمي دي ماكير، المؤسسة والمديرة العامة في متجر المؤسسة حيث تُعرض أعمال الطلاب للبيع لتُشكل القطع، من الحقائب إلى اللوحات والتماثيل وغيرها، هدية مثالية لكل المناسبات. 

ولا شك أننا نستهل حديثنا مع بدايات «مواهب» وهنا تسترسل ويمي بالحديث قائلة: عندما انتقلت للعيش في دبي مع زوجي وولدَي، كان أول سؤال طرحته على زوجي «أين هم كبار السن وأين هم ذوو الاحتياجات الخاصة؟ فنحن لا نراهم في مراكز التسوق أو في الشوارع أو الصالات الرياضية.. وكان هذا السؤال طبيعيا بالنسبة إلي لأنني ممرضة وعملت لأكثر من 15 عامًا مع ذوي الاحتياجات الخاصة». وحينها، بدأت رحلتها مع هؤلاء في دبي في إحدى المدارس المتخصصة لكنها سرعان ما أدركت أنها تستطيع إنجاز المزيد. بدأت أبحاثها وعملت على حملات توعية وتواصلت مع عائلات ذوي الاحتياجات الخاصة ومع منظمات أجنبية لتحملها المثابرة والتفاني في العمل إلى ما هي عليه اليوم. 

وهنا تخبرنا «افتتحنا أبوابنا في الثالث من أكتوبر 2010 حيث تحولت الفكرة إلى مشروع احتاج الكثير من المجهود إلا أننا نجحنا بسرعة في جذب الطلاب. ففي غضون عام واحد في البداية، انتقلنا من أربعة طلاب إلى عشرين منهم». وتشرح لنا أن «مواهب من الأشخاص الجميلين» هو استديو فني للراشدين من ذوي الحاجات الخاصة أي أنهم يستقبلون طلابًا يبلغون 16 عامًا وما فوق. وتقول «حاليًا أصغر طلابنا عمره 18 عامًا وأكبرهم 60 عامًا!».

طلاب متميّزون باختلافاتهم

طلاب يملؤون المكان بشخصيتهم وأفكارهم ومواهبهم التي لم يكن بعضهم يعرف حتى بوجودها، كلّ على طريقته. فينياك يقدّم لنا كوبًا من القهوة هو الذي كان يُساعد خلال زيارتنا في خدمة زبائن المقهى ويأخذ مهمته على محمل الجد.

رفاقه أكثر تفاعلاً ولا يترددون في التقرّب مني للحديث عن اهتماماتهم. أنجي البالغة من العمر 30 عامًا تسألني عن عملي وتكتب لي بفخر «أنا راشدة، أنا أحب الفن، أنا أعيش للرقص» وترافقني في رحلة التعرّف على أصدقائها. جايمس (30 عامًا) تحوّل اليوم إلى متحدث عام حول التنمّر الذي عانى منه في المدرسة. ويقول لنا «أتحدث مع الطلاب في المدارس لأنني أفهم ما يشعرون به. في البداية، كنت أتوتر كثيرًا لأنني أتحدث أمام 100 شخص. أنا اليوم أحب أن ألهم المراهقين وأن أدعو إلى وقف التنمّر». أما جوروجيا (19 عامًا)، فوجدت سعادتها في اليوجا وتقوم امامنا بحركة غروب الشمس والشجرة الأحب إلى قلبها. وهي اليوم، تعطي دروس اليوجا الصباحية في الاستديو.

الفنون على أنواعها ليست المواد الوحيدة التي يتعلمها طلاب الاستديو البالغ عددهم اليوم 25 شخصًا من مختلف الجنسيات بل يتابعون برنامجًا يوميا متنوعًا ومليئًا بالنشاطات. تخبرنا ويمي أن الطلاب يحضرون في الساعة الثامنة والنصف صباحًا ليبدأ نهارهم بجلسة يوجا أو رقص يعلّمها مجموعة من المتطوعين. هذه الدروس تهدف إلى تطوير قدرة التركيز والتمرين باستخدام جزئَي الدماغ وتطوير مهارات التعامل مع الضغوطات والغضب والملل والإحباط.

وبعدها، يتناولون وجبة خفيفة ثم يتوزعون على صفوف فنية مختلفة مثل الفن الثلاثي الأبعاد، النحت، الفسيفساء، الرسم وحتى فن التصوير أو فن الخطابة.. وتتابع «في كثير من الأحيان، نجتمع لمناقشة موضوع الفن الذي نعمل عليه، أو فنان معين، أو أمور حدثت بحياة أحدهم أو حدث عالمي. نشجعهم على أن يكون لديهم رأي وعلى التفكير بأنفسهم ونُظهر لهم أن الناس يستمعون ويحترمون رأيهم». وهنا تتوقف متنهدة وتقول «أتذكر المحادثة الأولى التي أجريناها. سألني أحد الطلاب: «هل تسأليني رأيي؟ فأجبته نعم لهذا السبب نحن هنا لأننا نريد منك أن تفكر، فقال: «لقد كنت في المدرسة لسنوات، ولم يطلبوا يومًا رأيي».

مثال ليس استثنائيا، فترى ويمي أنه «غالبًا ما نقوم بالتفكير عن ذوي الاحتياجات الخاصة ولا ندعهم يتصرفون بمفردهم بل نعاملهم على أنهم أغبياء، ولكنهم الأكثر ذكاء لأنهم يتصرفون على مستوى مختلف تمامًا». النظرة المختلفة التي يحملها فريق عمل «مواهب» المؤلف من مدرسَي فنون وثلاثين متطوعًا تُساهم في تطوير شخصيات الطلاب حتى لو لم يتحوّلوا جميعهم إلى فنانين ماهرين. يبقى الفن وسيلة لمساعدتهم على أن يكونوا مواطنين كغيرهم في المجتمع.

تطلعنا ويمي «لدينا عدد من الطلاب الموهوبين جدًا الذين تحوّلوا إلى فنانين وآخرون يستمتعون بالفنون التي تساعدهم على تطوير أنفسهم ليُصبحوا راشدين مستقلين».

ويقول لنا ألين مونغاي، وهو فنان بصري محترف ومدرّس الفنون في «مواهب»: إنني «أجد مقاربتنا ممتازة لأن الفن بحد ذاته هو طريقة للتعبير عن الذات كما أنه يساعد ذوي الحاجات الخاصة على التعبير عن مشاعرهم بطريقة أسهل لا تجرحهم». ويتابع قائلاً: «هذا العمل مجزٍ جدًا ولا سيما أنك ترى تركيز الطلاب على ما يفعلون واهتمامهم وكيف يساعدهم الفن على بناء ثقتهم بنفسهم، والسماح لهم باستكشاف أفكارهم الخاصة، وإعطائهم الشعور بالفخر..».

أعمال خارج جدران «مواهب»

لا شك في أن كل طلاب الاستديو لن يتحوّلوا إلى فنانين بارعين ولن يُنظموا معارضهم الفردية على غرار عبدالله إلا أن «مواهب» تحرص على تمهيد الطريق لكل منهم ومساعدتهم على التألق. وتخبرنا ويمي «بالطبع، يدفعون رسومًا للالتحاق بالاستديو لأنهم هنا لكي يتعلّموا. ولكن، عندما نرى الموهبة، ننميها وندعهم ينطلقون إذا كانوا قادرين على الاهتمام بأنفسهم. فعلى غرار أهاليهم، نتعلم أن نحترم استقلاليتهم لأن هدفنا الرئيسي هو أن نمنحهم هدفًا في الحياة». 

لا تتردد «مواهب» في دعم الطلاب الذين حلّقوا مستقلين وإنما أيضًا تُسلط الضوء على طلابها الحالييّن من خلال بيع أعمالهم في المتجر كما ذكرنا وأيضًا إبرام الشراكات. وتخبرنا ويمي: «نعمل الآن مع «مطارات دبي» حيث يتم عرض أعمال طلابنا ضمن مبادرة تدعم أصحاب الهمم وتتيح عرض أعمالهم على زوار مطارات دبي». كما تنظم «مواهب» معارض أربع مرات سنويا حيث يستقبل الطلاب الزوار ويتحدثون عن أعمالهم. 

هذه النشاطات تُساعد الطلاب على اكتساب الثقة وفرض أنفسهم كأعضاء فاعلين في المجتمع كما أنها إحدى الوسائل الضرورية لاستدامة المبادرة. وتطلعنا ويمي أنهم يحاولون تحقيق الاستدامة الذاتية من خلال رسوم الانتساب إلى الاستديو، وبيع الأعمال الفنية، وتنظيم الفعاليات للشركات ضمن برامج مسؤولي الشركات الاجتماعية…

ولا تتوقف نشاطات وطموحات «مواهب من الأشخاص الجميلين» بل تعمل ويمي على مواصلة الشراكات القديمة وإبرام شراكات أخرى من جهة وتضاعف جهودها هي وفريقها، من أجل توعية أكبر لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة أو بالأحرى «أصحاب الهمم» في مجتمعاتنا. فقد حوّلت ويمي «مواهب» إلى أكثر من استديو فنّي لا بل إلى مدرسة حياة موجهة رسالة للجميع بالقول «احتضنوا الاختلاف ولا تحكموا على ما ترون». ويبقى الأهم أن نتعامل نحن، كأفراد، مع ذوي الاحتياجات الخاصة بطريقة طبيعية والتعامل معهم كأي شخص آخر. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news