العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

دور الاتصالات خلال الأزمات الدولية.. أزمة كوريا الشمالية نموذجًا

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الجمعة ١٣ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:25

لم يكن أمرًا مستغربًا أن يعلن وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون خلال زيارته للصين في مطلع شهر أكتوبر الجاري أنه هناك ثلاث قنوات اتصال مع بيونج يانج، فضلاً عما أشارت إليه بعض المواقع الإخبارية خلال شهر أغسطس الماضي من أن هناك قنوات اتصال سرية بين الجانبين، ومع التسليم بأن العديد من الأزمات الدولية شهدت قنوات اتصال غير معلنة فإن ذلك التصريح يعكس دلالات ثلاث، أولها: حرص أطراف تلك الأزمة أن تبقى ضمن مفهوم التلاعب من دون الوصول إلى أزمات حافة الهاوية، وثانيها: أن تلك الأزمة ليست عابرة ولكنها تمس جوهر النظام الدولي الراهن ككل والذي تؤدي فيه الولايات المتحدة دورًا محوريًا، فضلاً عن تعدد أطرافها سواء المباشرة أو غير المباشرة، وثالثها: أنه مهما بلغت حدة التصعيد الكلامي بين طرفي الأزمة وهو ما شهدناه خلال الأشهر الماضية فإن الطرفين لم يصلا بعد إلى ما يمكن اعتباره تجاوزًا للخطوط الحمراء في سياق إدارتهما لهذه الأزمة على الرغم من وجود مؤشرات خطيرة للتصعيد ليس أقلها تحليق قاذفات أمريكية بالقرب من الساحل الشرقي لكوريا الشمالية والذي يعد أبعد موقع في شمال المنطقة منزوعة السلاح تحلق فيه قاذفة أمريكية خلال القرن الحادي والعشرين، وذلك ردًا على إطلاق كوريا الشمالية صاروخًا قطع مسافة 3700 كم بارتفاع 770 كم والذي حلق فوق شمال اليابان وفقًا تقديرات الخبراء في هذا الشأن. 

ومع أن العديد من الأزمات قد شهدت قنوات اتصال غير معلنة ابتداءً بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 ووصولاً إلى أزمة البرنامج النووي الإيراني والتي انتهت بتوقيع الاتفاق النووي في يوليو عام 2015، فإن مدى نجاح الاتصالات في إنهاء الأزمة يتوقف بشكل أساسي على المرونة التي يبديها أطراف الأزمة وفقًا لما لدى كل طرف من أوراق تفاوضية، كما أنه تبقى لكل أزمة خصوصيتها وظروفها، وخاصة واقع توازن القوى الإقليمي والعالمي.

ومع أن خيار الاتصالات لا يعني استبعاد الخيارات الأخرى، بل أنه يتوازى معها يثار التساؤل حول أسباب لجوء الدول لذلك الخيار، وواقع الأمر أنه يمكن تفسير ذلك بثلاثة عوامل الأول: أنه يعد ضمن استراتيجية شراء الوقت والتي تكون مهمة من أجل المزيد من التقدير الصحيح لقدرات الخصم وتحديد أوجه القوة الحقيقية لديه، والثاني: مراجعة الأطراف ذات الصلة بالأزمة لمصالحها الجوهرية ومدى تضرر تلك المصالح من هذا السيناريو أو ذاك، والثالث: ضمان حصول التأييد الداخلي والخارجي حال تطور الأزمة نحو سيناريوهات أخرى أكثر عنفًا، وهو ما عكسته أزمة الصواريخ الكوبية بكل وضوح، إذ إن نصب صواريخ سوفيتية بعيدة المدى على الأراضي الكوبية التي تبعد 90 ميلاً فقط عن الأراضي الأمريكية لم يكن بالحدث العابر، ولكنه كان ثغرة في عمق الأمن القومي الأمريكي الأمر الذي استوجب الرد ولكن بشكل محسوب بالنظر إلى أن الخصم «الاتحاد السوفيتي آنذاك» كانت لديه أيضًا أسلحة ردع الأمر الذي حدا بالطرفين لقبول خيار الاتصالات فيما بينهما والذي لم يستغرق سوى أيامًا معدودة من عمر الأزمة التي بدأت منتصف سبتمبر وانتهت نهاية أكتوبر عام 1962، حيث لوحظ أن الاتصالات بين قطبي الأزمة وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قد لعبت دورًا بالغ الأهمية في تجنب مواجهة نووية مؤكدة، بل إن إجراء اتصالات سرية مع الرئيس الكوبي فيدل كاسترو كان أحد الخيارات السبعة التي اقترحتها اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي التي شكلها الرئيس الأمريكي جون كيندي في حينه لتقديم تفسير للسلوك السوفيتي واقتراح الخيارات الملائمة للتعامل معه، إلا أنه تم استبعاد ذلك الخيار على اعتبار أن الأمر لم يكن بيد كاسترو بل كان بيد الرئيس السوفيتي خروشوف، كما أن إخفاق مجلس الأمن في تسوية الأزمة خلال الجلسة الطارئة التي طلبت الولايات المتحدة عقدها لهذا الغرض لم يكن نهاية المطاف، بل إنه أفسح المجال للاتصالات بين الجانبين لمناقشة القضايا الخلافية، وهو ما تم بالفعل من خلال الرسائل المتبادلة بينهما والتي جنبت العالم مواجهة نووية مؤكدة.

وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة بين الأزمة الكوبية وأزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالية، سواء من حيث ارتباطهما بمسألة الردع أو القضية النووية ذاتها، فإن التساؤل المهم هو هل يعني انتهاج خيار الاتصالات تقديم تنازلات؟ لأن وجود قناة اتصال في مثل تلك الأزمات يعني أنه نوع من التفاوض حتى لو كان الخطاب الرسمي المعلن عكس ذلك وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقول «التفاوض مع كوريا الشمالية يعتبر مضيعة للوقت»، وواقع الأمر أنه لا تناقض بين الاستراتيجيتين، ففي كل الأزمات الدولية يجب أن تكون هناك أساليب ضاغطة وتتمثل في استعراض كل مظاهر القوة، ليست فقط العسكرية، بل الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية وأساليب أخرى توفيقية تتضمن إبقاء نافذة للحوار، وخاصة في مثل تلك الأزمات التي تضم أطرافًا عديدة بينها قضايا خلافية تتجاوز نطاق الأزمة الراهنة، ليس أقلها توتر العلاقات الأمريكية مع كل من روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية والأزمة السورية ومفاوضات الحد من التسلح التقليدي بين الجانبين، فضلاً عن القضايا الشائكة بين واشنطن وبكين، سواء تلك التي ترتبط بملف حقوق الإنسان أو النزاعات التجارية وجميعها قضايا ربما يكون لها تأثير على مسار الأزمة الكورية الشمالية.

وأتصور أن تفعيل خيار الاتصالات خلال أزمة كوريا الشمالية يعد أحد أبرز الدروس المستفادة من أزمة الصواريخ الكوبية فقد كان أحد الأخطاء الاستراتيجية التي كانت سببًا في اندلاع تلك الأزمة هو الصورة الذهنية الخاطئة لطرفي الأزمة عن بعضهما البعض، وهو ما يجب قراءته بشكل موضوعي فلا يعني وجود مؤشرات للتصعيد المتبادل أن المواجهة العسكرية أضحت أمرًا حتميًا، بل إن التصعيد يظل ضرورة استراتيجية لتفعيل الوسائل الإكراهية للحد من الاندفاع غير المحسوب للخصم.

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية- مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news