العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

الوهن الطائفي

الطائفية: «مفهوم مشتق من طاف يطوف، فهو طائف، فهنا طائفة سياسية، وهناك الطائفة البهائية، والطائفة العلوية، والطائفة النصيرية، والطائفة الدرزية» (الموسوعة الحرة/ ويكيبيديا).

وكل طائفة من هذه الطوائف لها أن تحافظ على استقلالها، وتتميز عن أي طائفة أخرى، والإسلام يتسع لكل الطوائف كل بحسب انتمائها، وتقبلها للآخر، ولا يرى بأساً من تنوع الطوائف، وتلون انتماءاتها.

والأمة تجتمع على عقيدة واحدة، وتتوافق على منهاج واحد في الأصول أما الفروع فقد تختلف طائفة عن أخرى، يقول تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» الأنبياء/92.

ولا ضرر ولا ضرار من تنوع الطوائف ما لم يتعصب كل أناس لطائفتهم، ولا يَرَوْن في الوجود غيرها، بل يعتقدون أنها الممثل الشرعي الوحيد للإسلام من دون غيرها من الطوائف.

إذاً، فالتعصب للطائفة هو الوهن الذي قد يصيب الأمة، ويفرق شملها، ويمزق وحدتها. أما الشعور بالخصوصية، فإن الإسلام لا يرى فيه بأساً، ولا يصادر حق كل طائفة على حساب الطائفة الأخرى، بل هو يرفع الحرج عن الناس في انتماءاتهم وولائهم لطوائفهم، ولكنه يشدد النكير على من يتعصب لطائفته التي ينتمي إليها بحيث يجور حق الطائفة على حق الإسلام، فلا يصح بأي حال من الأحوال أن يتقدم الولاء للطائفة على الولاء للإسلام، ولكن ليس هناك مانع من أن يتعايشا، ويمشي هذا جنب هذا من دون غلو أو تعصب للطائفة على حساب الإسلام، لأن الإسلام هو الجامع لكل الطوائف، فتعدد الطوائف في مجتمع مسلم أمر لا قضاضة فيه، وهو شعور طبيعي، أما حين لا يرى كل متعصب لطائفته أنه ليس في الوجود غير طائفته، وأنها هي الأحق بالاتباع، والأولى بالولاء من دون غيرها. هذا ما يحذر منه الإسلام، ويدعو أتباعه إلى التوازن والوسطية، وأن يكون ولاؤهم للإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، وأنه هو الأولى بالاتباع.

لقد عانت المجتمعات الإسلامية طويلاً من العصبيات للطائفة، وحذرت المسلمين من أن يتجاوز ولاؤهم وانتماؤهم الحدود المعقولة للطائفة التي ينتمون إليها، وأن يكون شعورهم تجاه طائفتهم هو مجرد للتنوع الذي يسهم في رفد المجتمع بالطاقات العاملة الصالحة، وان تكون عادات وتقاليد هذه الطوائف إثراء للمجتمع المسلم، وتقوية لأواصر المحبة فيه، وألا يكون هذا التنوع الطائفي سبباً من أسباب الوهن، ووسيلة من وسائل الفرقة والتشرذم.

لقد حذّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من العصبية للمذهب، أو الطائفة، أو الجماعة، وكان أول عمل قام به عندما قدم إلى المدينة أنه آخى بين المهاجرين والأنصار ليصنع مجتمعاً مترابطاً يكون نواة صالحة لقيام الدولة الإسلامية التي تعمل على نشر الإسلام والدفاع عن المسلمين في أرجاء المعمورة، وكان صلوات ربي وسلامه عليه يسعى جاهداً إلى أن يستل من الصدور ما قد يشوبها من شوائب الماضي من عصبيات ودعاوى الجاهلية، وأن يكون المبدأ الذي تقوم عليه دولة الإسلام هو: «إنما المؤمنون إخوة»، وأن الآصرة الوحيدة التي تعلو على كل آصرة هي آصرة الإيمان، لقد قرر القرآن الكريم هذه القضية في قوله سبحانه: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)» الحجرات.

والآيتان تقرران أنه حتى حين تشتد العصبية للطائفة ويؤدي ذلك إلى الصراع، بل حتى إلى الاقتتال وسفك الدماء، فإن الأخوة التي صنعها الإسلام على عينه يجب ألا تتأثر بمثل هذا العارض لأن الأخوة الإيمانية هي الغالبة، وهي الراسخة، ولا قيام لمجتمع قوي إلا عليها، وأنه مهما ثارت الخصومات بين الطوائف، فإن مآلهم جميعاً إلى أخوة العقيدة الراسخة. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news