العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

مجانية التعليم والجدل العلمي مع الغرب

بقلم: د. جاسم بونوفل

الخميس ١٢ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:25

في مقال له بجريدة «أخبار الخليج» العدد14430 بتاريخ 25/9/ 2017 بعنوان «قراءة علمية إيمانية في سورة عبس» لم يوفق الكاتب الأستاذ الدكتور خليل نظمي أبو العطا في المقدمة التي استهل بها تفسيره لسورة عبس، حيث إنه أقحم موضوعات تربوية مثل: الدافعية في التعلم والتعليم، ومجانية التعليم وحق أصحاب الحالات الخاصة في التعليم ودمجهم مع الباقين كمنطلق له في تفسير السورة وهي موضوعات ليست لها علاقة بمقاصد السورة في رأيي، حيث لم يرد في معظم التفاسير ما يشير إلى ما ذهب إليه الكاتب ومن جملة تلك التفاسير تفسير «المراغي» الذي أشار في هذا السياق إلى أن مقاصد هذه السورة الكريمة تكمن في الأساس في معاتبة الرسول صلى الله عليه وسلم على ما حدث منه مع ابن أم مكتوم «الأعمى»، وأن القرآن ذكرى وموعظة لمن عقل وتدبر، وإقامة الأدلة على وحدانية الله بخلق الإنسان والنظر في طعامه وشرابه، وأهوال يوم القيامة، والناس في هذا اليوم فريقان: سعداء وأشقياء، وذكر حال كل منهما حينئذ. وعليه نفهم من تلك التفاسير أنها لم تتطرق إلى هذه المسائل التربوية التي طرحها الكاتب الذي نقدره ونجله على مجهوداته القيمة، لكن هذه المرة أخفق ولم يصب في تفسيره لا من قريب ولا من بعيد، لكن على ما أظن -وليس كل الظن إثم- أنه قد تأثر بما هو مطروح في الساحة الإعلامية المصرية هذه الأيام من نقاشات ساخنة حول موضوع «مجانية التعليم في مصر». ويبدو أنه من أنصار إلغاء هذه المجانية ومن المتحمسين لها؛ لأنها بحسب رأيه هي المسؤولة عن فساد التعليم والهدر في الميزانية والتدني في التحصيل ولجوء الناس إلى المدارس الخاصة «عساهم يجدون فيها تعليمًا أفضل لأبنائهم» بحسب تعبيره. وبناء على ذلك حاول تجيير الموضوع للسير في ركاب المنادين بمجانية التعليم في مصر مع العلم أن هذا الموضوع ليس له موقع في هذه السورة.

لمناقشة هذا الموضوع، أجد نفسي أمام أمرين لفتا نظري هما: الأمر الأول هو تأكيد د. «أبو العطا» أن سورة عبس «تقرر أهمية الدافعية والهمة العالية في عملية التعليم والتعلم، فمن أقبل على التعليم والتعليم بدافعية ورغبة يجب الاهتمام به وإعطاؤه الأولوية في الرعاية بغض النظر عن مستواه المادي والاجتماعي» وهذا كلام غير دقيق مع أنه من الناحية التربوية صحيح، حيث يؤكد التربويون ضرورة وجود الدافعية والرغبة في التعلم لنجاح العملية التعليمية، إذ بدونها لا يمكن أن يتحقق التعلم بكفاءة عالية. أما الأمر الثاني والذي يثير الاستغراب بالفعل هو ربط الكاتب سورة عبس بمجانية التعليم وهو ربط تنقصه الدقة العلمية؛ لأن السورة بكامل آياتها الاثنتين والأربعين لا يوجد بها ما يوحي بمجانية التعليم فضلا عن أن معظم التفاسير لم تشر بأن من بين مقاصد هذه السورة مجانية التعليم. 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن قضية مجانية التعليم من المفاهيم الحديثة الذي ظهرت مع نشأة الدول الحديثة التي وضعت لها دساتير تنظم العلاقة بين الدولة والأفراد وتحدد الواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات. 

وقد نصت معظم الدساتير في العالم على حق التعليم للأفراد (مجانا) وفي هذا السياق اختلفت الدول في تحديد مراحل التعليم التي تكفلها الدولة فعلى سبيل المثال هناك دول كفلت التعليم من الروضة حتى الجامعة، وأخرى اقتصرت ذلك على مراحل التعليم العام من دون التعليم العالي. وعلى أي حال فإن موضوع مجانية التعليم ليس له علاقة بسورة عبس وأن حشر هذا المفهوم في هذه السورة ليس له أي أساس شرعي ولا علمي سوى أن بعض المشتغلين بالدين في كثير من الأحيان يتحمسون ويذهبون في هذا الاتجاه إلى لي تفسير بعض الآيات القرآنية الكريمة من خلال ربطها ببعض المفاهيم العلمية والظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الحديثة المعاصرة للتأكيد على أن القرآن الكريم سابق للعلم الحديث والمعاصر ومتقدم عليه، وخاصة أن هذا العلم في مجمله آت إلينا من الغرب الذي يطعن في الإسلام، ولذلك يعتقد هؤلاء أن الرد الشافي على هؤلاء هو الحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والحديث عن الظواهر العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتأكيد أن القرآن كتاب جامع وشامل يتميز عن غيره من الكتب السماوية. ويظن بعض المتحدثين في هذه الموضوعات أن ما يقومون به في هذا المجال هو خدمة للدين إذ ان ذلك قد يدفع بعض الأصوات المعادية للإسلام الى العدول عن أنشطتهم المعادية للإسلام والمسلمين ولكتابهم، وبذلك نكون قد كسبنا -نحن المسلمين- الاعتراف بديننا من قبل الغرب الذي يشكك دائما في الإسلام.

يا جماعة الخير: لسنا في حاجة إلى اعتراف الغرب بأن ديننا على حق، ولسنا في موقف يجبرنا أحد على تجيير بعض القضايا والمفاهيم العلمية المعاصرة ومحاولة ربطها بالقرآن الكريم لكي يقتنع الغرب أو غيره (إن شاء الله ما اقتنعوا) بأن كتابنا منزل من عند الله. أعتقد أن رضاهم لن يغير شيئا في إيماننا، كما أن رضاهم لن يضيف الى الإسلام قدرًا وشأنًا؛ لأن شأنه عظيم من دون تزكية من أحد سواء الغرب أو غيره ونحن مؤمنون به سواء رضي الغرب عنا أم لم يرض، لأننا لا ننتظر منهم شهادة على أن القرآن الكريم هو الكتاب المنزل من عند الله وهو آخر الكتب السماوية. من هنا نقول: إن تصور بعض المشتغلين بالدين بأن حديثهم عن الإعجاز العلمي أو عن القرآن الكريم بأن له قصب السبق في تناول كثير من الظواهر العلمية والاجتماعية والسياسية فيه إضافة الى الدين واثبات على صحته هو تصور لا يستقيم مع حقيقة القرآن؛ فهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد». (سورة فصلت الآية: (42).

فالقرآن ليس كتابا علميا، لأن العلم متغير والقرآن ثابت. من جهة ثانية، لماذا يتهافت بعض المتخصصين في العلوم على إثبات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وكأن ذلك سبق علمي. إذا كان هؤلاء يعتقدون بأن حديثهم عن الإعجاز في القرآن أو أسبقيته في مناقشة الظواهر العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية سيسهم في تعريف الغربيين أو غيرهم بالحقائق العلمية في القرآن، وهو ما يشجعهم ويدفعهم إلى قراءة القرآن قراءة علمية لاكتشاف اتساق آياته مع ما يكتشفه العلم الحديث والمعاصر، وبالتالي يمكن أن يترك ذلك أثرًا في مواقفهم إزاء الإسلام والقرآن، حيث إن هوسهم بالعلم إلى درجة التقديس قد يفضي بهم إلى إعادة النظر في مواقفهم من القرآن.

في رأيي أن هذا العمل فيه إخراج للآيات القرآنية عن وجهها، وتحريف في تفسيرها، وتجاوز عن مقاصدها. ونحن المسلمين في غنى عن لي الآيات القرآنية لتقريبها إلى ذهنية العقل الغربي لإقناعه بقرآننا العظيم؛ لأن هذا الكتاب من عند الله وهو خاتم الكتب السماوية وأن تعاليمه هي التي بلغها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ومن ثم صحابته رضوان الله عليهم ونحن المسلمين مؤمنون به من دون إسباغ صفة العلم على بعض آياته. فالمؤمن الحق هو الذي يخشى الله بالغيب كما قال تعالى في محكم كتابه «إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم» سورة يس: الآية (11). أما أولئك الذين يبحثون عن الأدلة العقلية لكي تطمئن قلوبهم ويدخل الإيمان في عقولهم فتنطبق عليهم الآية الكريمة «وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون». سورة يس: الآية (10).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news