العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

سوريا المستقبل بحاجة إلى وجوه جديدة

يبدو من سير الأحداث وتطورها في سوريا في الأشهر القليلة الماضية، ان الغالبية العظمى من القوى المتصارعة تكاد تكون متفقة، بعلمها وبإرادتها أو من دونها، على أن الفترة الحالية هي فترة القضاء على ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» وهو ما تتحدث عنه علنا القوى المؤثرة عسكريا وسياسيا في المشهد السوري وتحديدا روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية، فالجيش السوري المدعوم من حلفائه الإقليميين والدوليين وكذلك وحدات الدفاع عن الشعب الكردي المدعومة من «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ينفذون ضربات عسكرية مؤثرة وحاسمة ضد المعاقل الرئيسية لتنظيم «داعش»، وخاصة في مدينتي الرقة ودير الزور السوريتين وحققوا مكاسب عسكرية كبيرة ومؤثرة على معنويات التنظيم وقدرته على الصمود لفترة طويلة في وجه هذا «التحالف» غير المعلن بين «الأعداء» وحلفائهم.

ما اقترفه تنظيم «داعش» من جرائم بشعة تخطت الحدود الجغرافية للدول والأماكن التي يتواجد فيها، سواء في العراق أو سوريا وقيامه بتنفيذ أعمال إرهابية دموية في كثير من دول العالم، وخاصة الدول الأوروبية، نبه هذه الدول إلى ما قد يمثله هذا التنظيم من خطر مستقبلي على أمن واستقرار تلك الدول، وخاصة أنه يضم بين صفوفه مقاتلين من أبناء تلك الدول، ونفذوا وشاركوا في أعمال إرهابية هناك، كما حدث مثلا في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها من الدول، هذا المنحى الذي اتخذه التنظيم في أعماله الإجرامية أسهم في خلق هذا التحالف بين الأعداء على الساحة السورية وتوحدهم لدحره والقضاء عليه.

فالقضاء على «داعش» وهو أحد الأهداف الأمريكية المعلنة من الانخراط الأمريكي الكبير في الحرب السورية، هو مجرد وقت، فالهزائم التي مني بها هذا التنظيم في العراق وسوريا هي هزائم من العيار الثقيل وأفقدته كثيرا من قواعده وحواضنه وقطعت خطوط إمداداته وتواصلها مع بعضها البعض، لكن القضاء على «داعش» ليس سوى إغلاق لفصل واحد، رغم أهميته، من فصول الصراع الدموي السوري الذي ألحق أضرارا بشرية ومادية لم يعرفها التاريخ السوري من قبل رغم كل الحروب الذي خاضتها سوريا في مواجهة الكيان الصهيوني، وبالتالي فإن المشهد السوري على موعد جديد من فصول هذا الصراع، رغم انحسار التأييد الدولي لمواصلة عسكرته واتجاه العديد من الأطراف نحو التركيز على جانبه السياسي بالدرجة الأولى، وربما الوحيدة ايضا.

الولايات المتحدة الأمريكية وتحديدا في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب صرحت بأنها لن تبقي حضورها العسكري في سوريا بعد هزيمة «داعش» وأن بقاء النظام السوري الحالي من عدمه ليس من بين أهدافها، والشيء نفسه تقول به روسيا الاتحادية التي ترى أن آلاف المقاتلين المنضوين تحت مظلة التنظيمات الإرهابية التي تقاتل في سوريا ينحدرون من جمهورياتها الآسيوية ذات الاستقلال الذاتي أو من جمهوريات رابطة الدول المستقلة (جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق) وأن هؤلاء المقاتلين يشكلون خطرا على أمن واستقرار روسيا إذا ما عادوا إليها من سوريا، وبالتالي فإنها دخلت الميدان السوري للقضاء على هؤلاء المقاتلين.

ما يقوله الساسة شيء وما هو مخفي بين مفردات تصريحاتهم شيء آخر، فالسياسة ليست كتابا مفتوحا واضح العبارات والمعاني، فهناك مصالح للقوى الكبرى في سوريا لا يمكن لأحد أن ينكرها، وهناك صراع دموي خطير تشهده الأرض السورية على وشك أن يطوي عامه السابع، وخروج تنظيم، وإن كان بحجم «داعش» من المشهد الدموي لا يعني بداية النهاية لهذه الأزمة الخطيرة، وبالتالي فإن الأزمة سوف تستمر وأن تغييرا سياسيا كبيرا لا بد أن يحدث إذا ما أراد جميع الفرقاء لهذه الأزمة أن تضع أوزارها، لكن مثل هذا التغيير لا يعني زوال النظام السوري، فالتمسك بمثل هذا المطلب يعني تدوير الأزمة وربما تطويرها إلى أسوأ مما وصلت إليه حتى الآن، وهذا ما بدأت العديد من الأطراف الإقليمية والدولية إدراكه في الآونة الأخيرة.

سوريا، بعد هذه التطورات والحرب المدمرة التي تمر بها، لا يمكن -بل من المستحيل- أن تعود إلى الوضع الذي كانت عليه قبل ذلك، فهناك تحولات سياسية عميقة لا بد أن تحدث، ومن دونها لن يتوقف هذا الصراع، قد يأخذ صورا تختلف عن الصورة التي عليها الآن، لكن ليس مستبعدا أن تدور العجلة الدموية من جديد، سوريا بحاجة ماسة إلى تحول سياسي يضع في الاعتبار استحالة استمرار نظام الحزب الواحد والنظام السياسي الشمولي أو التوريث السياسي، فتلك الصور عفا عليها الزمن وطوتها أحداث مستمرة ما يقارب سبع سنوات. وما لم تكن هناك قناعة بهذه الحقيقة في أوساط أقطاب النظام الحاكم في دمشق، فإن سوريا لن تعرف الهدوء ولن تكون هناك دولة قوية يستظل بظلالها جميع أبنائها بصرف النظر عن انتماءاتهم المختلفة.

فأخطاء النظام السوري كثيرة وكبيرة، وما اقترفته ما تسمى قوى المعارضة خلال سنوات الصراع من أخطاء وتلاقيها، بعلم وتخطيط أو من دون ذلك، مع أجندات خارجية استهدفت الوطن السوري برمته، كلها أخطاء خطيرة ساهمت في إطالة أمد الصراع في سوريا وتسببت في كل هذه الخسائر والأضرار التي لحقت بالشعب السوري الشقيق، مثل هذه الأخطاء وهذه التجاوزات، ليست محلا للتمحيص والتقييم والمحاسبة في الظروف الحالية، لكن طمسها نهائيا وحفظها في أرشيف التاريخ السوري ليس بالأمر الجائز، فالأجيال القادمة من حقها أن تقول كلمتها في مثل هذه الأحداث الخطيرة والدموية والمدمرة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news