العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

الاتجاهات العالمية الحديثة في تطوير التعليم العام (2)

بقلم: د. خالد أحمد بوقحوص

الثلاثاء ١٠ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:25

تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال أبرز الاتجاهات العالمية في تطوير التعليم العام، وتحديدا في مجال التطور الهائل الحادث في مجال تكنولوجيا التعليم وتوظيفها في تعزيز التعليم والتعلم، ونواصل في هذا المقال عرض بعض الاتجاهات العالمية الأخرى في مجال التعليم العام والتي يمكن الاستفادة منها في تطوير أنظمتنا التعليمية، لتكون في مصاف الدول المتقدمة والتي تفخر بمنظوماتها التربوية وتراهن عليها كبوابة لعبور المستقبل بكل كفاءة واقتدار، ومن هذه الاتجاهات ما يلي:

ثانيا- النقلة الكبيرة في القياس والتقويم التربوي:

حدثت نقلة نوعية كبيرة في السنوات الأخيرة بل هي ثورة معرفية واضحة في مفهوم التقويم التربوي وأدواته، تناولها العديد من المختصين البارزين في مجال القياس والتقويم التربوي على المستويين العالمي والعربي منهم على سبيل المثال في عالمنا العربي الأستاذ الدكتور أحمد عودة في كتابه القياس والتقويم في العملية التدريسية، والأستاذ الدكتور صلاح الدين محمود علام في كتابه القياس والتقويم التربوي في العملية، والأستاذ الدكتور راشد حماد الدوسري في كتابه القياس والتقويم التربوي الحديث، وغيرهم كثر من رواد وعلماء هذا المجال، حيث، أصبح للتقويم التربوي أهداف جديدة متنوعة غير التي كانت تدرس في القرن الماضي، فقد اقتضى التحول من المدرسة السلوكية - التي تؤكد أن يكون لكل درس أهداف سلوكية عالية التحديد مصوغة بسلوك قابل للملاحظة والقياس - إلى المدرسة المعرفية التي تركز على ما يجري بداخل عقل المتعلم من عمليات عقلية تؤثر في سلوكه، والاهتمام بعمليات التفكير وبشكل خاص عمليات التفكير العليا مثل بلورة الأحكام واتخاذ القرارات، وحل المشكلات باعتبارها مهارات عقلية تمكّن الإنسان من التعامل مع معطيات عصر المعلوماتية، والتقنية المتسارعة التطور. وبذلك أصبح التوجه للاهتمام بنتاجات تعلم أساسية من الصعب التعبير عنها بسلوك قابل للملاحظة والقياس يتحقق في موقف تعليمي محدد، والتي تسمى اصطلاحا «التقويم المستند إلى الأداء ((Performance Based Assessment» ويشير إلى ذلك بمصطلح التقويم الحقيقي الذي تتحدد فيه المهام وما يتطلبه إنجازها من أداءات موصوفة بشكل تفصيلي وواضح، بما يسمح بملاحظة نتاجات المتعلم أثناء القيام بأدائها، مطبقا وموظفا لما تعلمه من معارف، سواء تعلمها بالتحصيل المباشر، أو من خلال التعلم البنائي، وهذه النتاجات يجب أن تكون واضحة لكل من المعلم والمتعلم وبالتالي يستطيع المتعلم تقويم نفسه ذاتيًا ليرى مقدار ما أنجزه مقارنة بمستويات الأداء المطلوبة، فهو تقويم يجعل الطلاب ينغمسون في مهمات ذات قيمة ومعنى بالنسبة إليهم، فيبدو كنشاطات تعـلم وليس كاختبارات سرية، يمارس فيه الطلاب مهارات التفكير العليا ويوائمون بين مدى متسع من المعـارف لبلورة الأحكـام أو لاتخاذ القرارات أو لحـل المشكلات الحياتية الحقيقية التي يعيشونها، وبذلك تتطور لديهم القدرة على التفكير التأملي الذي يساعدهم على معالجة المعلومات ونقدها وتحليلها؛ فهو يوثق الصلة بين التعـلم والتعـليم، كما يساعد الطـالب على التعـلم مدى الحياة. وهذا ما أكدته وزارة التربية في المملكة الأردنية وتسعى لتحقيقه من خلال وثيقتها في هذا المجال حول الإطار العام للمناهج والتقويم، وكذلك تسعى العديد من وزارات التربية في العالم للانتقال بمفهوم التقويم التربوي وتطبيقاته إلى هذا المفهوم الجديد الأكثر فاعلية والأدق في قياس وتقويم تقدم الطلبة.

ثالثا- تغير دور الطالب:

تغير دور الطالب مع مطلع القرن الواحد والعشرين بصورة محورية من طالب مستهلك للمعرفة إلى طالب مبدع للمعرفة وصانع لها ومساهم في تطويرها والارتقاء بها، وخاصة في وجود وتطور تكنولوجيا التعليم والتعلم التي فتحت أمامهم عالما جديدا وآفاقا رحبة للإبداع والإضافة بل وإنتاج معرفة جديدة، وقد ذهب بعض القادة التربويين حتى الآن لدعوة الطلاب للمشاركة في تطوير المناهج الدراسية الخاصة بهم وفق احتياجاتهم وتتمحور حولهم مع تأكيد لعب دورهم الأساسي في صناعة وإنتاج المعرفة وليس استهلاكها فقط، فالطالب اليوم، لا يردد تصورات وافكار الآخرين، بل هو الذي يحدد ما يحتاج إليه ويدرك العلاقات بطرق إبداعية، ويبني تصوراته بنفسه حتى لا يكون أسيرًا لعقول من سبقوه، فالمطلوب منه إنتاج وإبداع على المستوى الشخصي، انطلاقا من تعلمه الذاتي وقدراته التي تؤهله لأن يكون صانعًا للمعرفة ومنتجًا للمعلومة، ولديه القدرة على إنتاج علوم جديدة، وتقنيات حديثة، ومعرفة متطورة، مواكبا كل ما هو جديد في العصر الذي يعيش فيه، ويصف الأستاذ ثامر الصانع أدوار المتعلم الصانع في مقاله القيم بتاريخ 16/12/2016 في مجلة تعلم جديد الإلكترونية الصفات التالية:

متعلم دولي: لا يقتصر على البيئة المحلية في عملية تعلمه، دائم البحث في كل المصادر المختلفة باللغات والثقافات الأخرى، باحث عن مواكبة الأمم المتقدمة.

متعلم عميق: لديه شعور دائم بالبحث بشكل متعمق في الأمور، لا يكتفي بالتفسيرات السطحية، ينظر إلى موضوعات التعلم بنظرة أكثر دقة، باحثًا عن وجود علاقات وإدراكات جديدة.

متعلم متحد: كلما بحث وتعلم، كلما تولد لديه شعور برغبة إضافية نحو التعلم أكثر فأكثر، متعطش دائما لمعرفة المزيد والتعمق في الموضوعات، فحب التعلم يصبح بمثابة الدافع الأكبر لأجل الاستزادة.

متعلم تحفيزي: يخلق بيئة تحفيزية لنفسه ومن حوله، وهو ما يزيد الرغبة لديه ولدى الآخرين تجاه عملية التعلم.

متعلم منتج: غير مستهلك ولا مردد لتصورات وأفكار ومنتجات الآخرين. متعلم مبدع: مدرك للعلاقات غير مكترث وغير كسول ولا يكتفي بما توصل إليه. متعلم باحث: لا يصنف نفسه دائما كدارس فقط، بل يجعل نفسه دائما مؤهلاً لعملية البحث والحصول على مصادر أكثر مما ينبغي لدعم عملية تعلمه النظامية.

متعلم مشارك: غير منطو أو مختزل أو مدخر للمعلومة، ويسعى دائما لنشرها كونه يرغب في خلق بيئة متطورة في مجال تخصصه، ويسعى دائما لإظهار منتجاته وصناعته للآخرين، حتى تكون بمثابة الحافز له.

متعلم نشط: يعمل بصورة جماعية ويستخدم مصادر غنية ومتنوعة، للتوصل إلى الفهم، واتخاذ القرارات، ومناقشة القضايا وحل المشكلات.

متعلم لتعليم ذي معنى بالنسبة إليه: حيث يكون معنى للتعلم الذي يتعلمه فيربطه بحياته وبمجتمعه ويجد له نفعا في واقعه وتطبيقا واقعيا له صدى في تطوره وتطور مجتمعه.

كما تم تأكيد إعداد شخصية المتعلمين في هذا العقد على الشخصية المتكاملة من الجوانب المختلفة التي تشكل شخصياتهم، وأنماط تفكيرهم وبالتالي تؤثر على أنماط حياتهم المختلفة.

فبدلا من التركيز فقط على المعارف والمعلومات أصبح التركيز أكثر على تنمية شخصية المتعلمين أو ما يسمي (Character education) من خلال تزويدهم بعدد من المهارات والاتجاهات وأنماط التفكير التي يمكن ان تنمي مختلف جوانب شخصياتهم من قيم شخصية ومجتمعية ومدنية وأخلاقية تمكنهم من العيش في المجتمع وفقا لحقوقهم المدنية، وتأكيد القيم المجتمعية مثل: الديمقراطية، والعدالة، والمساواة، والحرية في الممارسات الصفية أثناء عمليات التعليم والتعلم، حيث ينمي التعليم المستند إلى القيم وعي المتعلمين بالسياسات الحالية في المجتمع، والآثار المترتبة عليها، والتفكير بشكل ناقد، واتخاذ قرارات حول القضايا المجتمعية، والقيام بطرح نماذج لاختياراتهم التي يشكلونها كمواطنين بالغين.

رابعا- التطور الكبير في أساليب واستراتيجيات التعليم والتعلم:

لقد حدثت نقلة نوعية كبيرة في أساليب وطرق واستراتيجيات التعليم والتعلم بما يتماشى مع التطور الكبير الذي حدث في نظريات التعلم من جهة، ومن خلال إدخال التكنولوجيا وتطبيقاتها في عملية التعليم والتعلم من جهة أخرى. لذا، تم التوسع في استخدام التعلم الإلكتروني وتوظيف الأجهزة الإلكترونية في التعليم والتعلم من الحاسوب والألواح الإلكترونية وأجهزة الهاتف النقال، كما تم توظيف شبكات التواصل الاجتماعي في التعليم والتعلم، كما ظهرت طرق واستراتيجيات جديدة مثل طريقة الصف المقلوب التي يتعلم الطالب من خلالها ومن خلال الوسائط المتعددة الدرس ويحضر الصف فقط للمناقشة والحوار، وكذلك برزت طرق التدريس القائمة على حل المشكلات لتنمية مهارات الإبداع والتفكير الناقد، وهناك العديد من الأساليب والاستراتيجيات التدريسية الحديثة الأخرى التي برزت نتيجة لتغير دور الطالب والمعلم في العملية التعليمية.

هذه بعض الاتجاهات الحديثة في مجال تطوير التعليم العام التي برزت خلال السنوات الأخيرة، والتي يمكن الاستفادة منها في تطوير نظامنا التعليمي، وسنواصل في الجزء القادم من هذا المقال التطرق إلى بعض الاتجاهات الأخرى في هذا المجال.

 *أستاذ التربية (المناهج، واستراتيجيات التعليم)

khalidbQ@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news