العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

حديث عن الجهاد... الذي أسيء فهمه

بقلم: حسن علي البنفلاح

الاثنين ٠٩ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:25

كلمة الجهاد من الكلمات التي كثر تداولها وترديدها على ألسن الناس، وعلى صفحات الجرائد اليومية، والتنظيرات الثقافية والبحثية، والتحليلات السياسية والاجتماعية بين الأفراد والمنظمات والأحزاب والمذاهب الاجتماعية. ولكن من المؤسف أن بعض التداولات لهذه الكلمة جاء بصورة مشوهة للفهم الصحيح والمعنى المقدس للكلمة، فمعظم ما قيل عن هذه الكلمة على مختلف الأصعدة والمستويات والصور والأشكال ما زال قاصرا عن إدراك المعنى الصحيح للكلمة كما أرادها الدين الإسلامي الحنيف لها، بما تحمله من معاني مقدسة يستوعبها الفكر السليم والصحيح للكلمة وذلك باستيعاب الهدف النبيل منها وفقا للغاية العظمى التي أرادها الله عندما أوحى بها إلى نبيه الكريم في قرآنه العظيم من حيث دواعيها، وقدسية واجبها، وأهمية أوقاتها وظروفها، حيث أوضح القرآن الحكيم الحالات التي لا بد فيها من استدعائها لتأدية واجبها وتنفيذ غاياتها وتطبيق شرعية العمل بها، تلبية لنداء رب العالمين وطاعة لما أمر به.

كلمة الجهاد في اللغة مأخوذة من الجُهْد وهو بذل الوسع وبذل الطاقة في العمل الصالح. أما التعريف الاصطلاحي للكلمة كما جاء ذكرها في القرآن الحكيم فهو تعريف واسع شامل، فهي تعني الجهاد بمفهوم بذل الوسع وبذل الطاقة في العمل الصالح ضمن مناخ المجاهدة بالقلب وباللسان وبالمال وباليد وبالكتابة حول مختلف مناحي الحياة من أجل نشر الخير وتعميم الفائدة وتسديد التوجهات والحث على الأخلاق الرفيعة والقيم الإنسانية العظيمة وبذل العون والمساعدة لكل إنسان هو في حاجة إليها، وكذلك النظرة الرحيمة العادلة في كل قضية تهدف إلى نصرة الحق وعلو شأن العدالة الاجتماعية في أي مجتمع غايته تحقيق العيش الكريم في أمان وسلام.

كذلك فإن الجهاد تتعدد رواتبه وتتشكل أوضاعه وكلها تصب في مجرى واحد هو الخير كل الخير للفرد والمجتمع، ومن هذه المراتب يأتي جهاد النفس في أعلاها، ثم الجهاد في محاربة بواعث الشيطان، والجهاد في الحروب من أجل رد كيد المعتدي على الأجسام والأموال ومرافق الدول، ومن ضمن معاني الجهاد محاربة الظلم والبدع والمنكرات والخرافات. كما أن جهاد النفس عند الإنسان متعدد الأنواع والأشكال فمنه جهاد يُبْذَل في سبيل تحصيل العلم والمعرفة وتعلم أمور الدين والدنيا، وضمن هذا المجال على الإنسان أن يبذل كل جهده لمصلحته ومصلحة أجياله من أجل تحصيل العلم الذي هو فرض عين وواجب كجزء من حقوق الإنسان، والنوع الثاني يتصل بالعمل والإخلاص فيه وتأدية واجباته ضمن أمانة أداء المسؤولية بأكمل صورها وأقدس مقاصدها بضمير إيماني حي يقظ ينبه صاحبه في كل الأوقات بالالتزام بتقوى الله سبحانه وتعالى أثناء أدائه عمله أيا كان نوعه أو حجمه أو مستواه الرسمي.

كذلك يدخل ضمن جهاد النفس جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة الصالحة، والحث على العمل الطيب الذي يخدم الإنسانية أينما كانت بغض النظر عن دينها أو مذهبها أو انتمائها السياسي والاجتماعي، فالإنسان المؤمن مكلف في معظم الأوقات بالدعوة إلى العمل الراشد والسلوك الحسن والتصرف الاجتماعي القائم على الخلق الطيب مع الأهل والأقارب والأصدقاء وكل فرد في المجتمع، وإذا ما كان ذا تأثير بارز مرموق فعليه مد يد العون والمساعدة بالنصح والإرشاد إلى كل من يطلبها في محيط عمله. فالأستاذ في مدرسته وبين طلابه، والمدير في دائرته وبين موظفيه، ومدراء الشركات والمصانع بين موظفيهم وعمالهم، فالواجب عليهم النصح والإرشاد لتطبيق القيم الإنسانية الرفيعة التي تعكس السلوكيات والتصرفات التي تحث على الخير والعمل الصالح. أما النوع الرابع من جهاد النفس فهو صبر المؤمن على المشاق والشدائد التي تواجهه في حياته الدنيا بقلب كبير مفعم بالإرادة والعزيمة التي لا يمكن قهرهما إذا كانت قاعدتهما قائمة على الإيمان المخلص الصدوق لخالقهم.

لكل هذا، اعتبر جهاد النفس هو الجهاد الأكبر والأعظم في حياة البشر، وهو مطلوب لكل إنسان يعيش في هذا العالم، فبه يعم الأمن والسلام والطمأنينة، وبواسطته تكبر وتتعاظم قيم العدل والتآلف والمحبة بين شعوب الأرض جميعا، لا فرق في ذلك بين مسلم ويهودي ومسيحي، أو أي فرد ينتمي إلى ملة من ملل الكون.

لكن المأساة ظهرت عندما ابتليت شعوب العالم قاطبة في قرنيها الفائت والحاضر بانتشار ذلك النوع من الجهاد المدعى عليه والمُساء فهمه والخاطئ هدفه والمعتل في معانيه، ذلك الجهاد الذي تدعى به منظمات إرهابية ادعت لنفسها أنها تملك الحقيقة عن جهاد مقدس قائم كما تزعم وتدّعي على دين صحيح وإيمان مخلص تحارب به كل من يعترض طريقها أو يقف مانعا لتنفيذ أجندتها، مستخدمة اسم الجهاد لنشر العنف والإرهاب والتخويف لتحقيق مآربها الهدّامة، وإحداث الفوضى في كل بلد تنشط فيه أي كان نظامه السياسي أو مذهبه الديني والاجتماعي، فهذه المنظمات بأعمالها هذه تؤكد للعالم أنها نبتات شيطانية طفيلية خرجت إلى الوجود بوجه قبيح لتعيث في الأرض فسادا وتدميرا ديدنها تخريب كل ما هو خيّر وصالح في حياة البشر المستقرة الآمنة. فمنظمات إرهابية على شاكلة «القاعدة» و«داعش» و«النصرة» وما يسمى «الحشد الشعبي» وجماعات اليمين المتطرف في الغرب ومنظمات فرعية أخرى كثيرة اتخذت الحقد والكراهية منهجا لتحقيق مآربها الضالة. بل جعلت من نفسها مراكز أيديولوجية ضالة لمن يرغب في الانضمام إلى قواعدها والمشاركة في تخريب الأوطان وقتل الأبرياء المسالمين.

إن الجهاد الحق كما ورد ذكره في القرآن الكريم هو الجهاد المقدس والمكرّم من رب العالمين، الذي يحمل المعاني الجليلة التي أرادها الله للمؤمنين، فهو جهد مفروض على كل مؤمن مخلص لدينه ولوطنه من أجل محاربة كل من يعتدي على الدين والوطن. ولا يعني بأي حال من الأحوال إجبار الناس على قبول قناعات خاطئة تمثل وجهة نظر ضالة تحارب الخير وتنشر الشر.

وفي الأصل فرض الجهاد في الإسلام من أجل قتال أعداء الإسلام الذين يحاربون رسالته ويعتدون على أوطانه، ولا يمكن تصور معناه بأنه اعتداء على الغير من دون ذنب مصداقا لقوله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)» سورة البقرة، فالجهاد في الإسلام يكون واقعيا وواجبا ضد كل من يحمل السلاح بنية الاعتداء على الناس والأوطان، ولا يمكن أن يكون تعديا على سواهم أو قتال من ألقى سلاحه ولو كان غير مؤمن «فَإِنِ انْتَهَوْا فإن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)» سورة البقرة.

إذن الجهاد في أوضح معانيه فُرِض ليكون دفاعا عن النفس والعرض والمال والممتلكات والحق، ولم يفرض من أجل القتل أو التعدي على الآخر من دون ذنب أو جريرة. إن حروب الإسلام التي قامت على الجهاد كان أساسها المعنى المقدس له، ولم تُشن إلا على من عادى الإسلام بالعنف والإرهاب والتعدي على أمنه أو بدأ الحرب ضد رسالته، ولا يمكن استغلال المفهوم الخاطئ للجهاد بالاعتداء على أناس كونهم يختلفون مع المسلمين في الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة. كما أنه ليس في الإسلام من يريد أن يفرض آراءه الدينية أو المذهبية على الناس بالقوة والتخويف والإرهاب كما تفعل المنظمات الإرهابية المحسوبة على الإسلام التي أوجدت لنفسها شعارات دينية بمسميات مذهبية أو سياسية لا أول لها ولا آخر، إن الإسلام قام وما زال على قواعد تشريعية ودستورية ربانية حددت المفاهيم الدينية الصحيحة والشرائع السماوية المقدسة التي لا يمكن تجاوز معانيها أو مغالطة مقاصدها أو تفسير مدلولاتها بغير الموحى به وبالذات المعنى المبجل لكلمة الجهاد.

 

https://halbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news