العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

أكتوبر إضاءة في الذاكرة العربية

ستبقى ذكرى السادس من أكتوبر عام 1973، واحدة من المحطات المضيئة في تاريخ الصراع العربي مع الكيان الصهيوني الممتد من ذلك التاريخ الذي سيطرت فيه العصابات الصهيونية على ارض فلسطين عام 1948 ثم احتلت ما تبقى من فلسطين في حرب الخامس من يونيو عام 1967 وهو التاريخ الذي مثل إلى جانب احتلال فلسطين، واحدة من الكوارث السياسية في تاريخ الأمة العربية، حيث لم تتوقف نتائج هذا العدوان عند احتلال ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وقطاع غزة)، وإنما تم احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية التي لا تزال تحت الاحتلال، كان السادس من أكتوبر بحق محطة مضيئة في طريق هذا الصراع عندما استطاع الجيشان المصري والسوري إسقاط مقولة «الجيش الذي لا يقهر» بعد أن حطم الجيش المصري خط «بارليف» على الضفة الشرقية لقناة السويس فيما اقتحمت الدبابات السورية هضبة الجولان المحتلة.

من الناحية العسكرية شكل السادس من أكتوبر انتصارا عسكريا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وأثبت الجندي العربي خلال هذه الحرب قدرته على إفشال وإسقاط الدعاية الصهيونية التي أحيط بها جيش الاحتلال على مدى سنوات الصراع، وكأي حرب ذات طابع سياسي يتمثل في الصراع العربي مع مشروع استعماري جديد يغزو المنطقة، كان يفترض أن تستثمر نتائجها الإيجابية لصالح الأهداف السياسية العربية في بعدها القومي وفي مقدمة تلك ما يتعلق منها بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حقه في إقامة دولته المستقلة، لكن الاستغلال السياسي لانتصارات حرب أكتوبر العسكرية كان سيئا جدا ومخيبا لآمال الجماهير العربية التي خرجت مبتهلة بما حققه الجيشان المصري والسوري من إنجازات عسكرية مبهرة.

سطوع انتصارات السادس من أكتوبر أخذت تخفت رويدا رويدا جراء السياسة الجديدة التي انتهجها الرئيس المصري الراحل أنور السادات بفتحه قناة الاتصال المباشر مع الكيان الصهيوني وزيارته لمدينة القدس المحتلة يوم 19 نوفمبر عام 1977، فأحدث بذلك أول ثغرة في ذلك الانتصار العسكري الذي قاده هو نفسه وسطر من خلاله الجيش المصري أروع صور الأداء العسكري، كانت زيارة السادات للقدس بداية التفريط بنتائج حرب أكتوبر وفتحت أبواب الانهيار العربي على مصارعها إذ لم تلق هذه الخطوة أي ترحيب من جانب الدول العربية كلها، لكن السادات أصر على مواصلة نتائجها وصولا إلى توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» التي أخرجت مصر نهائيا من معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني وأدخلتها في قطيعة مع الدول العربية.

الرئيس المصري الراحل أنور السادات «استثمر» انتصارات حرب أكتوبر جزئيا، أي أنه قاد مباحثات ثنائية خاصة بالجانب المصري في قضية الصراع، ومع أنه «استطاع» استرجاع شبه جزيرة سيناء، لكنها عادت وفق ما تحتويه اتفاقيات «كامب ديفيد» من شروط وما وضعتها من قيود على ممارسة مصر سيادتها الكاملة على شبه الجزيرة، لا تقبل التأويل، أي أن ما حصلت عليه مصر من مكاسب بعد حرب أكتوبر لا يضاهى من حيث القيمة السياسية تلك النتائج المبهرة التي حققها الجيشان العربيان في مصر وسوريا إلى جانب الدعم العربي وخاصة من جانب الجيش العراقي.

البعض يرى أن الانهيار العربي الذي وصل إلى درجة خطيرة لا تصدق، بدأ مع بداية التفريط بنتائج انتصارات حرب أكتوبر وهذا البعض يضع اللوم على الرئيس المصري الراحل الذي فتح الأبواب علانية مع الكيان الصهيوني، مثل هذا الرأي قابل للصواب بقدر ما هو قابل للخطأ، وللإنصاف والحقيقة وللتاريخ أيضا، فإن الرئيس المصري الراحل السادات أحسن إدارة تنفيذ ما كان الزعيم الراحل جمال عبدالناصر يخطط للقيام به وهو عدم القبول بالنتائج الكارثية لنكسة الخامس من يونيو، وقد بدأ هذا الاعداد فعليا عبر حرب الاستنزاف التي فتحها مع الكيان الصهيوني، ولولا الرحيل المفاجئ يوم الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، لكان عبدالناصر هو بطل عبور قناة السويس.

القضية الآن ليست قضية محاسبة ومعاتبة وتعداد إنجازات وإخفاقات الرئيس الراحل، سواء اتفقنا أو اختلفنا حول ما قام به بعد انتصارات السادس من أكتوبر، فإن الرئيس السادات سيبقى بطل عبور قناة السويس وتحطيم خط «بارليف» وسيبقى يوم السادس من أكتوبر مقترنا باسم انور السادات، والمهم أن تبقى هذه الذكرى حاضرة في قلوب وعقول أجيالنا العربية جيلا بعد جيل، وخاصة في هذه الظروف الحالكة السواد التي تمر بها المنطقة العربية والمخاطر التي تهدد وجود أكثر من دولة، وتصاعد نزعات التقسيم لعدد من هذه الدول إلى جانب التصدعات الاجتماعية التي تضرب أكثر من مجتمع عربي على أسس دينية ومذهبية. 

ما أنجزه الجيشان المصري والسوري وبدعم من بعض الجيوش العربية خلال حرب أكتوبر سيبقى علامة ساطعة في تاريخ الصراع العربي مع الكيان الصهيوني، بغض النظر عن سوء الاستفادة من ذلك الإنجاز العسكري التاريخي، فحرب أكتوبر وما حققه الجيشان من انتصارات وإنجازات عسكرية، أثبتت أن جيوش العدو أيا كانت قوتها فإنها لا يمكن إلا أن تكون ضعيفة أمام الإرادة الوطنية المدعومة بالقرار السياسي السيادي العربي، وهذا بالضبط ما حدث يوم السادس من أكتوبر عام 1973.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news