العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

علم إدارة الحشود.. (الحج أنموذجًا) (4)

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٨ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:25

انتهينا من التحدث في محورين من محاور بحثنا في على إدارة الحشود، وهما: الاستعدادات التي تتم قبل وصول الحشود وإقامة المناسك، والاستعدادات التي تتم أثناء تواجد الحشود في مواسم الحج والعمرة.

الآن وبعد إنتهاء موسم الحج نرى أن الحشود بدأت تغادر مكة المكرمة، منتهية من أداء مشاعر الحج والعمرة، ونجد أنفسنا نتأمل حال الحرم المكي ومكة المكرمة بعد مغادرة الحشود، ونرى تلك الكميات الهائلة من المخلفات التي بدأت تتراكم في طرقات مكة وحول الحرم المكي، ونسأل أنفسنا ترى كيف يتم التخلص منها؟ العديد من السجاد نراه قد تقطعت بعض أجزائه، لذلك نسأل أنفسنا هل ترمى هذه السجادة على الرغم من صغر حجم التلف فيها؟ ما مصير كل تلك الحجارة التي يستخدمها الحجاج في رمي الجمرات؟ والعديد من تلك الأسئلة التي تم التعامل معها من ضمن إدارة الحشود وذلك من خلال المحور الثالث، وهو:

ثالثًا: إدارة المدينة المقدسة بعد مغادرة الحشود

قد لا نستطيع تغطية كل الإجراءات والأنشطة التي تتم بعد مغادرة الحجاج مكة المكرمة إلى أوطانهم عبر وسائل النقل مثل الطائرات والسيارات وما إلى ذلك، ولكن حتى نكون قريبين من الحديث فإننا سنحاول أن نتدارس بعضا من تلك الأمور التي نجدها مهمة نوعًا ما من خلال هذا البحث المتواضع التي نحاول من خلاله تقصي الحقائق.

إدارة المخلفات البشرية

أعلن معهد خادم الحرمين الشريفين أن ثلثي النفايات الموجودة في مكة المكرمة يخرجان من المشاعر المقدسة، وأن 973 ألف طن سنويًا هو الناتج الإجمالي لكمية النفايات الصادرة من الحجاج والمعتمرين والمواطنين.

وأشارت دراسة دكتوراه للمهندس عبدالله السباعي أحد منسوبي معهد أبحاث الحج أن ما ينتج عن مكة المكرمة من نفايات يعادل 6.9% من مجموع النفايات التي تنتجها المملكة إجمالاً في العام، على الرغم من أن مساحة مكة تمثل فقط 0.26% من مساحة المملكة، غير أن ما تنتجه منى وحدها في 5 أيام خلال موسم الحج يزيد عن ثلث ما تنتجه مكة في العام.

وأشار الباحث في دراسته إلى أن مساحة المملكة التي تبلغ 2 مليون، و150 ألف كيلو متر مربع، تنتج كمية نفايات تقارب 10 ملايين ونصف طن سنويًا، فيما تبلغ مساحة مكة المكرمة ما يقارب 550 كيلو مترًا مربعًا، تنتج سنويا 720 ألف طن، بينما مساحة منى تبلغ 8 كيلو مترات مربعة فقط، وتنتج 17 ألف طن من النفايات الصلبة في 5 أيام فقط، وهكذا بالنسبة الى مساحة مكة المكرمة ومقارنتها بمساحة منى فإن منى لا تمثل سوى 1.5% من مساحة مكة المكرمة، لكنها تنتج 2.5% من مجموع النفايات الناتجة في مكة طوال العام في 5 أيام فقط. وعن المشاكل التي تتتبعها الدراسة بيّن السباعي أن هناك مشاكل كثيرة منها رمي نفايات المخيمات في الشوارع، وتكدسها عند الضواغط، وأمام المخيمات، وضعف النظافة داخل المخيمات وغيرها من المشاكل.

وفي تقرير آخر لمشروع حفظ النعمة في مكة المكرمة بيّن أن المشروع ساعد في تخفيض نسبة المواد العضوية «بقايا الأطعمة» في مكونات النفايات بـ27% من النسبة التي جرى قياسها من 20 عامًا. ومن جانبه أكد المستشار البيئي الدكتور محمد جبرة أن نسبة المواد العضوية في مكونات النفايات بمكة تعد الأقل إذا قورنت بكثير من الدول المتقدمة والنامية، إذ لا تزيد على 30%، لافتًا إلى أن نسبة المواد العضوية لدى كثير من الدول العربية تزيد على 50%، مشيرًا إلى تقرير للمركز التكنولوجي العالمي للبيئة بالأمم المتحدة والذي قدر نسبة المواد العضوية في النفايات 35 – 80%.

وقارنت الدراسة نتائجها بنتائج دراسة سابقة أجراها مركز فقيه للأبحاث والتطوير أجريت في 1997, والتي توضح انخفاض النسبة من 57 – 30%، مرجعة هذا التغيير في نسبة المواد العضوية خلال هذه الفترة إلى الدور الفاعل لبرامج حفظ النعمة التي أسهمت في الاستفادة من تلك المواد بجمعها لفائض الأطعمة بطرق صحية وسليمة.

ولكن للأسف لم نتوصل إلى الكيفية التي يتم بها التخلص من النفايات، فهل يتم تدويرها أو حرقها أو ما الطريقة المتخذة لذلك، كنا نود أن نستعرض ذلك ولكن المصادر التي بين أيدينا غير مستوفية الموضوع. طبعًا هذا بالإضافة إلى مخلفات الذبائح ومياه الصرف الصحي وما إلى ذلك.

حجارة رمي الجمرات، 

أين تذهب؟

بعد أن يقوم الحجاج برمي الجمرات لمدة ثلاثة أيام متتالية تتكدس كميات هائلة من الحصى في حوض الجمرات الثلاث، ترى كيف يتم التعامل معها بعد أن تنتهي المشاعر؟

تبين أنه يوجد تحت حوض الجمرات سيور وبوابات تعمل بطريقة آلية لسحب كل تلك الحصوات والبالغ وزنها حوالي 1000 طن بالإضافة الى الكثير من المخلفات الأخرى (بأنواعها المختلفة) والتي تُجمع ويتم التخلص منها عبر وسائل وطرق التخلص من النفايات الصلبة. أما الحصى فإنها تذهب إلى مشروع إعداد وتجهيز حجارة رمي الجمرات للشيخ الدكتور محمد بن عبود العمودي الذي يساهم بصورة كبيرة – بعدما يمر الحصى في خمس مرات – لإعدادها وتجهيزات وتخزينها مرة أخرى لموسم الحج التالي.

تنظيف سجاد الحرم وتصليحه إن تلف

في الحرم المكي ما لا يقل عن 30 ألف سجادة، ومن الطبيعي أن هذه السجادات تتوسخ وتتمزق بفعل هذه الحشود، لذلك فإن هناك نظاما عالي الفعالية لغسل هذه السجادات ثلاث مرات يوميًا، وتمر عملية الغسل بخمس مراحل متتالية حتى تعود مرة أخرى إلى الحرم نظيفة ومعقمة يمكن الصلاة عليها، وإن وجد فيها تمزق فإنه يتم من خلال العمال المحترفين بإعادة حياكتها وترميمها مرة أخرى حتى تعود إلى الحرم وكأنها جديدة.

وهناك أمور كثيرة تجري في الخفاء لا نعلمها، ولكن القائمين عليها يعرفون كيف تجرى، فما نحن إلا كمشاهدين لمسرحية أو فيلم فإننا لا نرى منها إلا ما يحدث في الواجهة، ولا نعرف شيئًا عن ما يجرى خلف الكواليس.

المخطط الشامل

أصدرت هيئة تطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة المخطط الشامل لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وهي خطة استراتيجية لتطوير مكة والمشاعر حتى عام 2040, تشمل توسعات المسجد الحرام والمناطق المحيطة، خطة بيئية مبنية على التنمية المستدامة، خطة متكاملة للنقل، خطة للإسكان، خطة اجتماعية لتوفير الخدمات اللازمة لضيوف الرحمن، وتشمل الخطة أمورا عديدة وكثيرة يصعب الإتيان بها كلها في هذا المقال.

وهذا لا يعني أبدًا أنه لا توجد نواقص، فنحن لسنا في الجنة، ولكن يمكن أن نشاهد كل تلك المجهودات الضخمة التي تتم والتي لا يمكن أن ينكرها إلا إنسان غير منصف وظالم لنفسه، وربما في الفترة الأخيرة تعدى الموضوع بعض البشر الظالمين لأنفسهم إلى بعض الدول التي تحاول تدويل المسجد الحرام والمشاعر المقدسة.

وحكومة خادم الحرمين الشريفين تذكرني بحكاية من حكايات التنمية البشرية وهي بعنوان (أنا من ينام حين تشتد العاصفة)؛ وتحكي هذه الحكاية أنه كان صاحب مزرعة مواش وخيول يبحث عن شخص يهتم بشؤون المزرعة، حيث كان ما أن يوظف أحدهم حتى يفصله، لأنه لا يقوم بواجباته خير قيام. وفي إحدى المرات أتاه من أراد الوظيفة، فقال له صاحب المزرعة: وما مميزاتك؟ فرد عليه: أنا من ينام حين تشتد العاصفة. لم يدرك صاحب المزرعة معنى هذه العبارة، ولكن نظرًا إلى حاجته الماسة ولقرب فصل الشتاء لم يمانع أن يوظفه مضطرًا حيث لم يكن هناك الكثير ممن يرغب في مثل هذه الوظيفة.

مرت الأيام وفي إحدى الليالي أتت عاصفة شديدة المطر، عاتية الريح حتى كادت أن تطوح بالمنازل الخشبية، فدب الرعب في قلب صاحب المزرعة، وأيقن أن ماشيته هالكة، وأن محاصيله ستفسدها الريح، ثم ذهب مباشرة إلى العامل، فوجده يغط في نوم عميق على الرغم من ما يحدث في الخارج. هز صاحب المزرعة الرجل من كتفه يوقظه وهو في أقصى درجات الغضب، صائحًا في وجهه: ألا تدرك ما الذي يجرى في الخارج؟ فرد عليه العامل بعين نصف مفتوحة: نعم، إنها العاصفة، ولكنني قبلها كنت قد أدخلت الخيول إلى الحظائر، وأمنت الخراف في مكانها، وتأكدت من أن البئر لن تسد بما ستحمله الريح، لذلك فإنني لست قلقًا على شيء، ألم أقل لك سيدي إنني أنا من ينام حين تشتد العاصفة.

والشاهد من هذه الحكاية البسيطة هو أنه حين يُحسن أحدنا عمله، ويخطط له ويضع كل الاحتمالات على الطاولة، والخطط الكفيلة بحمايته من المخاطر، عندها يمكنه أن ينام غير قلق لأنه أعد لكل شيء عدته. 

لذلك فإن الأمر لا يتطلب سوى بعض الجهد في أيام الرخاء حتى لا يهرع أحدنا كالمجنون أيام الشدة أو حين تشتد العاصفة، وهذا ما تفعله المملكة العربية السعودية فهي قامت بالتخطيط والتنفيذ ووضعت لكل شيء احتمالاته المختلفة، فسار الحج وسارت المشاعر المقدسة أثناء الحج خير قيام. 

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news