العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

ليبيا.. محطة جديدة في التوسع الروسي في المنطقة

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

السبت ٠٧ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:30

قدم الدور الروسي نفسه، منذ نهاية الحرب الباردة، كممثل متردد أو محايد في قضايا منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على الأساليب الدبلوماسية بدلا من الانخراط المباشر والاعتماد على الجيران؛ ليتبنى حاليا سياسة خارجية متوسعة، ونشطة مع بداية الأزمة السورية، ثم لم تلبث أن تخطت الحدود السورية لتصل إلى ليبيا أيضا.

وعلى ما يبدو فإن موسكو أدركت خطأها في عدم استخدامها «الفيتو» لمنع تدخل حلف شمال الأطلسي العسكري في ليبيا عام 2011، والذي قاد إلى خسارتها منطقة نفوذ وسوق كبيرة -بعد خسارتها المحطة الأولى العراق- من ناحية، وفشل المبادرات الدولية لتوحيد مختلف الفصائل الليبية، وتعاظم دورها في سوريا من ناحية أخرى؛ كل هذا منحها موطئ قدم في العودة إلى ليبيا مرة أخرى.

 لذا، سارعت موسكو إلى انتهاج سياسة جديدة تقوم على محدّدات أساسية تجاه الأزمة الليبية، تتّسم بالمرونة والقدرة على المناورة، وقراءة مواضع القوة التي يجب التعامل معها، بما يخدم في النهاية استراتيجيتها التي تستند إلى إعادة مناطق نفوذها السابقة، لما لديها من خبرة عمل ودراية بها.

ومن ثمَّ، أكدت حضورها الفاعل في المؤتمرات الدولية التي تناقش الشأن الليبي، والتزمت بقرارات مجلس الأمن، ودعمت مخرجات الاتفاقات السياسية التي يُجمع عليها كل الأطراف الليبيين، ثم ما لبث أن أصبح تدخلها يأخذ بعدا آخر، بعد وصول سفن حربية روسية إلى المياه الإقليمية الليبية في يناير 2017، فضلا عن وجود وحدات عسكرية في العاصمة طرابلس؛ بدعوى حماية السفارة الروسية، لتكشف عن الأعراض الأولى لتدخل عسكري روسي في الصراع. 

ومع انقسام القوى الليبية الرئيسية بين موالين للواء خليفة حفتر، القائد العام للقوات المسلحة شرق البلاد، وحكومة فايز السراج بطرابلس في الغرب وغيرهما، نجد أن روسيا انحازت للطرف الأول، بينما انحازت أوروبا والغرب للثاني.

وجاء الدعم الروسي لحفتر بعد تعزز موقعه داخليا منذ أن سيطرت قواته على أغلب المنشآت النفطية، وعلى أجزاء كبيرة من التراب الليبي، فقامت موسكو بطباعة حوالي 3 مليارات دولار بالدينار الليبي، نيابةً عن مصرف ليبيا المركزي، وأرسلت الفنيين للمساعدة في تجديد وتطوير القدرات العسكرية لجيش حفتر، الذي يعتمد على الأسلحة الروسية، وفقا لما ذكره لينكولن بيجمان وكايل أورتون لمجلة فورين بوليسي الأمريكية.

ووفقا لمحللين، فإن هذا التقارب الروسي مع حفتر تعززه عدة اعتبارات، منها: 

أولا: محاولة موسكو استعادة مكانتها وموقعها التقليدي في النظام الدولي كقوة عالمية، من خلال التأثير في السياسات الدولية من بوابة تلك المناطق، وخاصة بعد فترة كبيرة من الانكماش، فقدت على أثرها نفوذها في العراق ثم ليبيا، والذي تحاول استعادته. 

ثانيا: رغبتها في تأمين مصالحها، وإيجاد مناخ يزدهر فيه الطلب على السلع والخدمات الروسية، مثل الأسلحة ومصانع الطاقة النووية، واستثمار حقول النفط والغاز، وتفعيل الاتفاقيات السابقة معها، وخصوصا العسكرية منها، وهو ما أشار إليه الخبير في الشؤون الدولية فلاديمير فرولوفز.

ثالثا: تقليل النفوذ السياسي والعسكري الأوروبي والأمريكي المتصاعد، من خلال تقديم كل أنواع الدعم لحفتر، حيث تتمتع كل من بريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة بنفوذ في المنطقة الغربية بدعمهم السياسي والعسكري لحكومة الوفاق الوطني. 

وفي المقابل، يسعى حفتر للتعويل على الجانب الروسي لمساعدته في تحقيق عدة أهداف، أبرزها ما يأتي: 

1- إقناع أمريكا بأهميته، وتحويل الدعم إليه مقابل الضغط على الدول الأوروبية وباقي الدول لتأييد مشروعه، وهو ما أكده في زيارته لروسيا في أغسطس 2017.

2- إنهاء حظر التسليح المفروض على البلاد، وتأمين مزيد من الدعم العسكري الروسي للجيش، سواء كان في صورة أسلحة أو تدريبات أو تعاون استخباري.

3- موازنة أي ضغوط محتملة من قبل فرنسا، والقوى الأوروبية، للالتزام بما تضمنه البيان المشترك في باريس في 25 يوليو 2017.

4- الحيلولة دون صدور أي قرارات من مجلس الأمن ضد الجيش الوطني الليبي، وخاصة في حال تنفيذ تهديداته باقتحام العاصمة الليبية طرابلس.

بيد أن الدول الأوروبية الواقعة على شاطئ البحر المتوسط، والتي تجمعها مصالح كثيرة مع ليبيا وخاصة في مجال النفط، لم تقف موقف المتفرج من هذا التقارب، فهي تخشى من أي صراع عسكري داخلي محتمل يقوده حفتر بدعم من روسيا، ما يؤدي إلى تدفق اللاجئين إلى شواطئها؛ لذا، سارعت إيطاليا على سبيل المثال بفتح سفارتها في طرابلس، وأرسلت بوارج حربية إلى هناك في 4 أغسطس 2017، في حين حذّرت مالطا من الدور الروسي في ليبيا.

وقد حذرت مجلة ذي ناشونال إنترست الأمريكية من تنامي النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، قائلة: «إن هذا النفوذ الجديد بدأ يتعاظم في المنطقة وعلى المسرح الدولي، وخاصة في ظل تضاؤل النفوذ الأمريكي وتراجعه، ما ترك فراغا في المنطقة وهيأ الظروف لظهور الرئيس بوتين بوصفه لاعبا رئيسيا في الأمن الإقليمي».

وتستمر روسيا في لعب دور المشاكس للغرب بالشكل الذي يعزز من موقفها التفاوضي حول الملف السوري والملف الإيراني، وحول ملفات أخرى؛ منها نفوذ موسكو في بعض مناطق أوروبا، والعقوبات المفروضة عليها، وفي هذا السياق يأتي التسليح الروسي لحفتر. 

وعربيًّا، في ظل الأزمة الخليجية الراهنة، تنظر بعض الدول العربية إلى ليبيا باعتبارها المعركة المحتملة المقبلة ضد الإسلام السياسي، وقد تكون مستعدة لدعم حفتر، وصولاً إلى طرابلس، ما يعني حربًا أهلية تستغرق سنوات، أما القاهرة فقد تعتمد نهجًا محدودًا يركز على تأمين حدودها الغربية. 

وعلى الرغم من ذلك، لا تُفصح روسيا عن هذا الدعم الليبي علنا، بل أحيانا تنفيه، على عكس دورها في سوريا، وهو ما يقود إلى الحديث عن أوجه الشبه بين الساحتين السورية والليبية؛ فبحسب مجلة الفورين بوليسي الأمريكية، فإنه على غرار الأسد الذي لطالما حذر الحكومات الأجنبية من المتمردين السوريين ووصفهم بأنهم إرهابيون، غالبا ما يضع حفتر نفسه كحصن منيع ضد التطرف في ليبيا، حيث لا يزال تنظيم داعش نشطا بقوة.

مع ذلك، لا يزال من غير المعلوم الحد الذي سيتوقف عنده هذا الدعم الروسي لليبيا، وهو ما يطرح عديدا من السيناريوهات المحتملة بشأن ذلك، والتي منها: 

أولا: أنه في حال سقوط الأسد فإن الغرب سيكون قد نجح في تحقيق أهدافه في المنطقة، حينها ستشعر روسيا بأنها مضطرة إلى اتباع خيار «الحرب»، وتقديم دعم عسكري كامل لحكومة حفتر للتعويض عن فقدان النفوذ في سوريا.

ثانيا: كما من الممكن أن تنتصر الدولة السورية، بدعمها القوي من إيران و«حزب الله» وروسيا، في الحرب الأهلية، وفي هذه الحالة فإن النجاح الذي ستحققه روسيا تبعا لذلك، والميزة الإقليمية المؤثرة التي ستنالها على حساب الغرب في الشرق الأوسط، ستنفي الحاجة إلى محاولة تطوير وكيل مخلص في ليبيا. ومن ثم، ستكون مقامرة كبيرة إذا اعتمدت روسيا على حفتر بشكل حصري. 

ثالثا: اتباع روسيا نهج «السلام» على المدى الطويل، بحيث تركز على إعادة التعمير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، مع المحافظة على دور الوسيط بين الفرقاء الليبيين. 

وعموما، هناك أدلة تشير إلى أن استراتيجية موسكو النهائية تتمثل في هذا السيناريو الأخير، وهو لعب دور الوسيط، بدلا من التسليم بالكامل لحفتر؛ ففي مايو 2017 ساعدت الضغوط الروسية على عقد لقاء رئيسي بينه وبين رئيس الوزراء فايز السراج، وهو أول اجتماع منذ يناير 2016، في حين حاول الاتحاد الأوروبي مرارا وتكرارا إقناع الطرفين بعقد مثل هذا اللقاء، لكن باءت محاولاته بالفشل. 

وباستضافتها طرفي النزاع، تود موسكو أن تبعث رسالة إلى الجميع مفادها أن بوتين يريد أن يظهر، داخل روسيا وخارجها، باعتباره ليس فقط لاعبًا عسكريًّا، لكن أيضًا ذو حظوظ دبلوماسية، فبعد أن أظهر قوته العسكرية في سوريا، انجذب للعب دور صانع السلام في ليبيا، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الروسية. 

فلربما تستفيد روسيا من وجود حكومة ائتلافية في ليبيا يكون فيها حفتر رئيسا لقواتها المسلحة، أكثر من استفادتها من حكومة تحت سيطرته بالكامل، إذ تشير الحكومة الائتلافية إلى نوع من المصالحة السياسية، وبالتالي توفير الاستقرار الكافي لتأمين الاستثمارات الروسية على المدى الطويل.

وهو ما أكده عديد من المحللين باستبعاد «تورط بوتين في صراع جديد بالشرق الأوسط، بالتعامل بشكل مباشر مع حفتر بخصوص التسليح، فما يمكن أن يتغير هو نوعية الدعم الروسي فقط، مع مستوى أعلى من الدعم التقني».

وإجمالا، فإنه في الوقت الذي تسعى فيه روسيا اليوم لنيل حصتها من النشاط السياسي والاقتصادي، بالمراهنة على نجاحها المحتمل في مصالحة مختلف الجماعات المتنازعة على السلطة في ليبيا، بما يتيح لها تجاوز الإطار الليبي لتجسيد تأثيرها بشكل أكبر في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط ككل؛ فإنه سيكون من المتعذر عليها على المدى البعيد لعب دور أكبر؛ وذلك لرفض الدوائر الأساسية والفاعلة في صناعة القرار الأمريكي هذا الدور، وخاصة أن السياسة الأمريكية قد تنحرف أو تتراجع، لكنها لا تترك فراغا كبيرا يترتب عليه تحولات استراتيجية تهدد مصالحها ومصالح حلفائها. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news