العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

عاصمة التسامح على أبواب اليونسكو

كثيرة هي تلك الأفكار والطموحات التي وضعتها هيئة البحرين للثقافة والآثار تحت قيادة الشيخة مي بنت محمد آل خليفة على أجندة أعمالها على مدى فترات طويلة متفاوتة البعد الزماني لهذه الفكرة أو تلك، لكنها بقت على الأجندة من دون ان تتأثر بظروف موضوعية كثيرة، مثلت وربما لا تزال تمثل عقبات كأداء أمام ترجمة كل هذه الأفكار والطموحات إلى واقع ملموس، ومع ذلك ورغم كل هذه الظروف الخارجة عن إرادة الهيئة وقيادتها، فإنها استطاعت تحويل الكثير من هذه الأفكار إلى مشاريع قائمة، لهذا نستقبل ما تطرحه مي الخليفة من أفكار وما ترغب فيه من مشاريع تراثية وآثارية، نستقبلها بثقة رغم معرفتنا بما يعترض مشاريع «الثقافة والآثار» من عقبات وما تواجهه من صعوبات لترجمة رغباتها وطموحاتها إلى واقع.

بعد النجاح الذي حققته الهيئة بتمكنها من تسجيل قلعة البحرين وطريق اللؤلؤ في مدينة المحرق على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو تأتي هذه المرة فكرة (مشروع) السعي نحو تسجيل مدينة المنامة القديمة على قائمة اليونسكو للتراث الإنساني باعتبارها -كما تقول الشيخة مي- مدينة التسامح والتعايش بين مختلف الأديان والأعراق على مدى تاريخها الطويل. إنه مشروع يستحق الدعم من مختلف الجهات، فالمنامة جزء من ذاكرة هذا الوطن الجميل، وهي تمثل تاريخا قائما بحد ذاته، على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي اعتقادنا ان النجاح سيكون مرة أخرى حليف رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار في هذا المسعى الوطني النبيل.

فالمنامة القديمة بحاجة فعلا إلى مشروع يحميها من التآكل العمراني، حيث التطور العمراني الذي تشهده البحرين، ومنها بطبيعة الحال المنامة كونها العاصمة والحاضنة لجميع المؤسسات الحكومية والأهلية بتصنيفاتها السياسية والاقتصادية، أخذ في الزحف التدريجي نحو ما تبقى من أحياء المنامة العتيقة، ومنها أحياء تحمل ذاكرة وطنية سيكون من الصعب، إن لم نقل من المستحيل إعادتها إذا ما التهمها هذا «التطور»، لهذا فإن مشروع الشيخة مي الجديد يتعدى في مضمونه وأهدافه الحفاظ على هذه الأحياء كأماكن ومبان قديمة، وإنما الأهم من ذلك كله، أن هذا المشروع يستهدف الحفاظ على ما تختزنه هذه الأماكن من تاريخ مرتبط بذاكرة وطن وشعب.

مهمة إقناع منظمة اليونسكو بقبول تسجيل المنامة القديمة على قائمتها للتراث الإنساني، ليست مهمة سهلة، كما يعتقد البعض، فالأمر لا يتعلق بمجرد التقدم بطلب إلى هذه المنظمة، وإنما يحتاج إلى براهين وأدلة قائمة ومقنعة، كي يحوز هذا الطلب على الموافقة، وأعتقد أن الشيخة مي لديها ما يكفي من الخبرة والتجارب في هذا الشأن، وما كانت لتطرح فكرة (مشروع) تسجيل المنامة العتيقة على قائمة اليونسكو لو لم يكن بين ايديها ما يكفي من هذه الأدلة والبراهين كي تحقق النجاح في هذا الشأن لتضيف بالتالي المنامة كثالث موقع بحريني على قائمة هذه المنظمة الدولية.

ما يشفع للمنامة القديمة ويؤهلها لأن تكون على هذه القائمة أنها بالفعل، كما وصفتها الشيخة مي، حاضنة للتسامح والتعايش بين جميع الطوائف والأعراق على مدى تاريخها، وبالتالي فإن هذا المكان يستحق أن تتوافر له كل مقومات البقاء والاستمرارية كي يقف شاهدا شامخا على الصفة النبيلة التي تحلت بها هذه المدينة العريقة، وميزتها عن كثير من العواصم، فروح التسامح والتعايش لم تغب عن تاريخ المنامة وهو ما تؤكده معالمها القديمة، وتحديدا الدينية منها حيث تحتضن المنامة الكثير من دور العبادة الخاصة بجميع الطوائف والأديان التي استوطن أبناؤها ارض البحرين قبل عشرات السنين، سواء المسيحيين أو اليهود والهندوس وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى الذين لم يشعروا بأي شكل من اشكال الغربة الدينية وهم يعيشون في أحياء المنامة وبين أبنائها.

الشيخة مي وهي تسعى لإدراج المنامة القديمة على قائمة التراث العالمي اسوة بالموقعين البحرينيين سالفي الذكر، فإنها أمسكت بجانب مهمّ ومضيء في تاريخ هذه المدينة ويأتي في صلب اهتمام منظمة اليونسكو وهي صفة التعايش والتسامح التي تعتبر أرثا إنسانيا نبيلا وكنزا لا يفنى تسعى الشعوب التي تتحلى بمثل هذه الصفات إلى الحفاظ عليه وحمايته من أي تهديد، فهناك عوامل موضوعية كثيرة دخلت بين ثنايا العلاقات الاجتماعية لدى الكثير من المجتمعات وتسببت هذه العوامل في إفساد وتشويه تلك الصفة، وهذا ما لا نريد لمنامتنا أن تتعرض له، فكل جهد وكل عمل يستهدف الحفاظ على هذا الكنز المنامي، هو جهد نبيل يستحق الدعم من الجميع.

كما سبق القول، فإن الطريق إلى قائمة اليونسكو ليس معبدا، ولكن الوصول إلى هذه القائمة ليس مستحيلا إذا ما توافرت عدة شروط، منها الإرادة والصدق نحو الوصول إلى هذا الهدف، وهذا الشرط لا أحد يشك في وجوده حيث اثبتت الشيخة مي امتلاكها إرادة العمل من أجل أن تكون آثارنا وتراثنا حاضرة في جميع المحافل الدولية، إلى جانب هذا الشرط فإن المكان المراد العمل من أجل وضعه على قائمة التراث الإنساني العالمي لمنظمة اليونسكو يمتلك ما يؤهله لأن يكون في مصاف تلك الأماكن التي تحتضنها هذه القائمة، فالمنامة لا يمكن الشك في امتلاكها مخزونا تراثيا ومعاني إنسانية نبيلة يجب الحفاظ عليها وتخليدها لجميع الأجيال القادمة، وهذا جزء مهم من المسؤولية التي قبلت مي الخليفة أن تأخذها على عاتقها وهي حتى الآن تحقق نجاحا تلو الآخر وكل امنياتنا لها مزيد من التوفيق من أجل وطننا وتاريخه الناصع وسماته الإنسانية النبيلة، سمات التسامح والتعايش.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news