العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

الفهم الخاطئ لحق تقرير المصير

بغضِّ النظر عن الاعتراف واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها باعتبار هذا الحق من الحقوق المتفق عليها في مختلف الشرائع والقوانين الدولية والمبادئ الإنسانية قاطبة، إلا أن هذا الحق، شأنه شأن أي حق آخر، لا يمكن أن يكون مطلقا أو معصوما من الضوابط والمحاذير التي ترافق ممارسة الحقوق، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن هذا الحق مقيدة ممارسته بعدم التسبب في إلحاق الضرر بحقوق الآخرين أيضا، مع أهمية عدم إغفال مدى توافر الظروف، الموضوعية قبل الذاتية، لممارسته، لكي يحقق الهدف المرجو منه وهو تمكين الشعب المطالب بتقرير مصيره من الوصول إلى هدفه من دون أن يكون ذلك على حساب مصير ومصالح الآخرين، شعوبا كانت أو أقليات، من دون هذه الضوابط وهذه المحاذير فإن الإصرار على ممارسة حق تقرير المصير يعني الدعوة غير المباشرة إلى الفوضى والصراعات العرقية والإثنية، وهي حقائق مدونة في صفحات التاريخ حديثه وقديمه.

القيادة الكردية العراقية في إقليم كردستان العراق، والتي أصرت وذهبت إلى إجراء استفتاء انفصال الإقليم عن العراق، لم تضع لهذه المحاذير وهذه الضوابط أي اعتبار، فهي لم تخطئ فقط في عدم القراءة الجيدة والحصيفة والدقيقة والمتأنية للظروف الموضوعية المحيطة بحق الشعب الكردي العراقي في تقرير مصيره، وإنما تجاهلت هذه الظروف وضربت بعرض الحائط مخاوف وهواجس الأقليات الأخرى داخل الوطن العراقي، وكذلك الدول المحيطة بإقليم كردستان العراق وفي مقدمتها تركيا وإيران اللتان أعلنتا بكل وضوح رفضهما نتائج الاستفتاء أيا تكن، ولوحتا باتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية ضد الإقليم، بل إن تركيا ذهبت إلى أكثر من ذلك حين لوَّحت باللجوء إلى الخيار العسكري إذا استشعرت أي تهديد لأمنها القومي جراء هذه الخطوة الكردية.

حق تقرير مصير أكراد العراق، وإن كان يعتبر من الناحية القانونية والإنسانية حقا خاصا بالأكراد مباشرة، إلا أن عزل أو فصل ممارسته عن حقوق الأقليات العراقية الأخرى يعتبر تجنيا وتعديا على هذه الحقوق؛ فانفصال إقليم كردستان العراق عن الوطن الأم يعني تجزئة هذا الوطن الذي هو ملك لجميع الأقليات من دون استثناء، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فإن ممارسة هذا الحق وانتزاعه جبرا وعلى حساب حقوق الآخرين لن يخدم الأكراد أنفسهم، فكل مؤشرات الانعكاسات السلبية لهذه الخطوة المتهورة وغير المدروسة بدأت تلوح في الأفق بكل وضوح.

فإقليم كردستان العراق لا يمكن أن يعيش في استقلال تام عن العراق، أي باختصار فإن إقامة دولة كردية مستقلة على هذا الجزء من العراق لا يمكن أن تُكتب لها الحياة أكثر من أيام معدودات ما لم يكن هناك متنفس لها عبر تركيا أو إيران أو سوريا وكذلك الوطن الأم، فبدون موافقة هذه الدول فإن إقامة دولة كردية مستقلة يعد ضربا من الخيال وقفزة في الهواء غير محسوبة عواقبها وتبعاتها ومخاطرها أيضا، فهذه هي الظروف الموضوعية التي نتحدث عنها، والتي لم تحسبها قيادة كردستان العراق بدقة، إلا إذا كانت قد حصلت على ضوء أخضر من جهة ما، ولكنه ضوء مستبعد أن يصدر من تركيا أو إيران؛ لأن الدولتين ستدفعان ثمن ذلك شأنهما شأن العراق وهذا ما لا يمكن أن تقبلا به.

فاستفتاء الإقليم في هذه الظروف الحساسة والدقيقة التي تمر بها المنطقة يعني صب مزيد من الزيت على النيران المشتعلة في أكثر من منطقة، وخاصة تلك التي تحرق يابس وأخضر العراق نتيجة تغلغل وانتشار الجماعات الإرهابية وتصاعد أنشطتها وتوسعها، وعلى رأسها ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، إضافة إلى ذلك فإن هذا الاستفتاء من شأنه أن يزعزع ويضعف جهود العراقيين في محاربة هذه الآفة الخطرة، ويلقي عبئا إضافيا على عواتقهم، لكون الغالبية الساحقة من أبناء الشعب العراقي، وخاصة العرب منهم الذين يشكلون أغلبية سكان العراق، يرفضون بشدة تعريض وحدة بلدهم لخطر التقسيم الذي من شأن نجاحه أو السماح به أن يفتح أبوابا جديدة نحو تقسيمات تحت مسميات مختلفة وممارسة مشروعة لحقوق معترف بها.

الآن وقد تم الاستفتاء وقالت الأغلبية الكردية القاطنة في إقليم كردستان العراق رأيها المتوقع بشأن تأييدها الاستقلال، وفي موازاة ذلك تصاعدت التحذيرات والتلويحات من كل الأطراف ذات الصلة المباشرة بتداعيات هذه الخطوة الكردية العراقية، فما حدث يوم الإثنين الموافق الخامس عشر من سبتمبر عام 2017 ليس سوى بداية حقبة أخرى من عدم الاستقرار، بل ربما بداية سنوات حبلى قادمة تفوق في خطورتها وأضرارها تلك السنوات التي شهدت صعود نجم تنظيم «داعش» الإرهابي وبداية أفوله، وليس مستبعدا أن تكون أضرار هذه السنوات القادمة على أبناء الشعب الكردي، في العراق وفي غيره من دول الجوار أكثر إيلاما وخطورة.

فنشوة شبه «الاستقلال» الذي يعيشه إقليم شمال العراق وتقليم أظافر نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وفرض منطقة حظر جوي شمال العراق، يبدو أن هذه النشوة أعمت عيون قادة أكراد العراق عن رؤية المخاطر المترتبة على إقدامهم وإصرارهم على المضي قدما في مشروع «الاستقلال» عن الوطن الأم، وسيكونون في براثن خطأ كبير إن هم اعتقدوا أن تأييد الكيان الصهيوني حقهم في تقرير مصيرهم سوف يسعفهم من الورطة والمأزق الذي أقحموا فيه أبناء شعبهم بهذه الخطوة الغبية، من جميع النواحي، وفي مقدمتها الناحية الإنسانية قبل السياسية والحقوقية.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news