العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الجرائم بحق الإنسانية لا تسقط بالتقادم

لا تحصى ولا تعد أنواع الانتهاكات التي تعرض لها أبناء العراق على ايدي جنود الجيش الأمريكي والمعاونين لهم من موظفي الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة التي استعان بها الجيش الأمريكي لإتمام عملية تدمير وتفكيك بنيان الدولة العراقية بعد إحكام السيطرة على مقاليد الأمور في بلاد الرافدين، ومع ذلك تبقى فضيحة أعمال التعذيب والإساءة البذيئة التي تعرض لها معتقلو سجن «أبو غريب» سيئ الصيت في بغداد في قمة قائمة الفضائح التي ستبقى تلاحق النظام «الديمقراطي» الأمريكي -أيا كان الحزب الذي يجلس على سدة البيت الأبيض- فليس الحزب الجمهوري الأمريكي الذي في فترة قيادته للولايات المتحدة الأمريكية تمت عملية الغزو، وحده الذي يتحمل وزر هذه الفضيحة وغيرها من الفضائح الفظيعة التي ارتكبت بحق أبناء الشعب العراقي، وإنما النظام الأمريكي بأكمله، باعتبار أمريكا دولة تحكمها المؤسسات لا الأفراد والأحزاب، فهذا النظام هو المسؤول تاريخيا عن هذا الجرم. 

الحكومة العراقية التي كان يجب عليها قبل غيرها أن تبادر لتحريك ملف الإساءات التي تعرض لها أبناء العراق، وخاصة تلك التي ارتكبتها عناصر تابعة لشركات أمنية استعانت بها السلطات الأمريكية بعد الغزو، إلا أن بغداد التزمت الصمت حيال هذه القضية الإنسانية، كي لا تغضب الجانب الأمريكي الذي لعب دورا محوريا في الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين وتنصيب السلطة الجديدة في بغداد على سدة الحكم، لكن صمت الحاكمين في بغداد عن هذه القضية لم يخرس ألسن الضحايا وأقاربهم، وهذا ما تم إعلانه مؤخرا حيث أعاد أقارب سجناء معتقل «أبو غريب» في العراق فتح ملف القضية أمام قاض فيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية وفق ما ذكرت وكالة «أسوشيتد برس»، وهذه ليست المرة الأولى، إذ سبق أن فتحت قضية حول نفس الموضوع قبل ثلاثة عشر عاما.

قد لا يكسب أقارب المعتقلين والمسجونين هذه القضية أمام القضاء الأمريكي، ولكن رفعها وتحريكها في حد ذاته يعتبر خطوة في غاية الأهمية وتأكيدا على ان مثل هذه الحقوق الإنسانية لا تسقط بالتقادم ولا بتغير الحكام، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فإن وضع قضية الإساءة أمام القضاء الأمريكي وأي قضاء آخر يعني التذكير بهذه التصرفات غير الإنسانية التي تعرض لها الضحايا على ايدي من يفترض أنهم تابعون لدول تتغنى بحقوق الإنسان وتتباهى أمام الآخرين بالتزامها بالمواثيق والمعاهدات الدولية وبالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

فما عاناه سجناء «أبوغريب» وغيره من السجون التي كانت في فترة من الفترات تدار من قبل الأمريكان ليس بالأمر السهل، وما أظهرته الصور المهينة التي التقطت داخل زنازين السجن وفي ممراته وما تحدثت عنه الوثائق المسربة عن أشكال وأصناف الإهانة والتعذيب ليس سوى قطرة في بحر من الإساءات والإهانات، ومع ذلك حاولت السلطات الأمريكية الحاكمة التعتيم على ذلك وطمس ما استطاعت طمسه من حقائق تدينها قبل غيرها باعتبارها السلطات الناهية والآمرة في عراق ما بعد الغزو، وفي بلد تحكمه المؤسسات والقوانين كان يفترض أن تبادر السلطات فيه إلى مساءلة من ارتكب هذه الإساءة والإهانة بحق المعتقلين والسجناء العراقيين بغض النظر عن التهم الموجهة إليهم، بل وحتى الأفعال التي ارتكبوها إن كانوا قد ارتكبوا أفعالا تخالف القانون والمبادئ الإنسانية.

فالجرائم التي ارتكبت في العراق بعد جريمة الغزو الأمريكي لا تعد ولا تحصى، وما تحريك قضايا بشأن سجناء ومعتقلي «أبو غريب» إلا جزء من كم هائل من القضايا التي يجب تحريكها ومواجهة السلطات الأمريكية بها، فما تسببت به في جريمة الغزو لا يمكن التغاضي عنه والالتفاف عليه، فليس هناك أسرة أو بيت في العراق لم يتضرر من هذه الجريمة، فهذه الأضرار وهذا الدمار الذي لحق بالعراق يجب أن يكون حاضرا في أذهان أبناء العراق جيلا بعد آخر، وليس كافيا فقط تحريك قضية هنا وأخرى هناك، بل من المهم جددا تدوين ذلك كي لا تطمس معالم هذه الجريمة البشعة التي تعد واحدة من أقبح الجرائم وأبشعها في التاريخ الإنساني الحديث. 

فليس مهما ان يكسب أبناء العراق أي قضية من القضايا التي يرفعونها ضد مرتكبي الجرائم بحقهم، بل المهم ملاحقة المجرمين وكشف أدوارهم في هذه الجريمة النكراء، فنحن نعرف ويعرف الضحايا وأقاربهم والجميع أيضا، أن المسؤولين البريطانيين والأمريكان الذين أعطوا الأوامر المباشرة والصريحة لقيادة وتنفيذ هذه الجريمة لن يمثلوا أمام القضاء على الإطلاق، وبالتالي لن يحاكموا ولن تطولهم أيدي العدالة، وهذا بالضبط ما حدث مع رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير الذي حملته لجنة تحقيق بريطانية مسؤولية مشاركة بريطانيا في غزو العراق من دون أسباب مقنعة، بل إن جلها ملفق، ولكن عدم مثول أمثال هؤلاء المسؤولين أمام العدالة لا يعني أن لعنة الدماء التي سفكت ظلما وجورا لن تطاردهم.

فنحن نعيش في عالم تحكمه القوة، والقوة وحدها هي التي تحدد مسار الأحداث وتطورها، ولكن هذه القوة لا يمكن أن تمنع أو تقف حائلا دون تدوين وتسجيل الحقائق والتمسك بالبراهين التي تؤكد كلها أن مسؤولية ما تعرض له أبناء العراق من سوء معاملة وما قاسوه من ويلات وإهانات وتنكيل وسفك لدماء بريئة، ما كان ليتم لو لم تكن هناك أوامر صريحة وواضحة من أعلى هرم السلطات في الدول التي قبضت على رقبة العراق بعد عام 2003، واستمرت في ذلك حتى يومنا هذا رغم الخروج الشكلي من المشهد.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news