العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

أكراد العراق والقفز نحو المجهول

مع اقتراب موعد إجراء استفتاء «استقلال» إقليم كردستان العراق عن الوطن الأم المقرر إجراؤه يوم بعد غد الإثنين الموافق 25 سبتمبر وإصرار قيادة الإقليم على المضي قدما في إجراء الاستفتاء، توالت المناشدات الدولية والتحذيرات الإقليمية التي تطالب القيادة الكردية بالتراجع عن هذا القرار خوفا من التداعيات الخطيرة التي قد يجرها على المنطقة إذا ما اختار الإقليم خيار الانفصال رغما عن إرادة الغالبية العظمى من أبناء الشعب العراقي التي ترفض التقسيم الجبري واعتراض الحكومة المركزية في بغداد على هذه الخطوات الكردية، فكل هذه المناشدات والتحذيرات لا يبدو أنها قد أتت أكلها مع القيادة الكردية، الأمر الذي ينم عن حصولها على ضوء أخضر غير معلن للمضي قدما في هذا العمل الخطير، ليس على مستقبل العراق فقط وإنما على المنطقة وعلى الشعب الكردي نفسه.

المسألة تتعدى الحق الإنساني لأي شعب في تقرير مصيره ونمط حياته والنظام السياسي الذي يريد أن يحكمه ويعيش في ظله، فالعراق متعدد الأعراق والأديان والمذاهب أيضا، وإن من شأن البدء في الاتجاه نحو التقسيم العرقي أن يقود إلى تفتيت العراق بكامله وخاصة في ظل تصاعد النزعات الانفصالية، ليس على الأسس العرقية فحسب وإنما الدينية منها وحتى الطائفية، أضف إلى ذلك، فإن الجوار العراقي نفسه لا يختلف من حيث تركيبته السكانية عن العراق، فالدول الثلاث المعنية مباشرة بملف انفصال أكراد العراق، وهي تركيا وسوريا وإيران، تخشى امتداد العدوى إليها، وهو أمر غير مستبعد تماما.

من المؤكد أن القيادة الكردية في أربيل لن تكون قادرة على الصمود في وجه الرفض الثلاثي لانفصال إقليم كردستان العراق عن الوطن الأم، إذا كان هذا الرفض جادا، وخاصة من الجانب التركي حيث تمثل تركيا شريان الحياة الرئيسي بالنسبة لإقليم شمال العراق، حتى هذه اللحظة فإن تركيا متمسكة بموقفها الرافض لهذا «الاستقلال» وتصر على وحدة الأراضي العراقية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث تقوم بإجراء مناورات عسكرية على حدودها مع إقليم كردستان العراق ولوحت بإمكانية اتخاذ إجراءات اقتصادية في حالة مضي الإقليم في خطط الاستفتاء والانفصال، والموقف نفسه كررته إيران، أما سوريا حاليا فهي مشغولة بأوضاعها المأساوية.

فالقيادة الكردية بقيادة مسعود البرزاني تدرك هذه الحقيقة وتدرك أن دعم الكيان الصهيوني المعلن لانفصال كردستان عن العراق لن يخدمها إذا ما أصرت الدول الثلاث إلى جانب بغداد على رفض هذه الخطوة التي تعتبر بحق خطوة سياسية متهورة وغير مدروسة العواقب على الشعب الكردي نفسه قبل أن تكون على المنطقة برمتها، لكن خطأ الحسابات السياسية أحيانا يقود إلى كارثة لا تحمد عقباها، فالقيادة الكردية تعتقد أن الوضع القائم في العراق وضعف الدولة العراقية بسبب جريمة الغزو الأمريكي من جهة، والتصدي والحرب على الإرهاب من جهة أخرى، كلها عوامل تصب في صالح نزعة الاستقلال الكردية، فهذا اعتقاد خاطئ بكل المقاييس.

فالقيادة الكردية تخطئ تماما إذا ما هي قد عولت على ضعف العراق عندما فكرت في هذا القرار، فالقضية لا تخص ولا تمس الحكومة العراقية ذاتها، سواء كانت حكومة أقلية حزبية أم مذهبية أم عرقية، وإنما تخص وتمس مختلف مكونات الشعب العراقي، ومستقبل العراق وصورته لا يجب أن يحددها مكون لوحده بعيدا عن مصالح وإرادة المكونات الأخرى، هذه المكونات حتى الآن لا تتفق مع التوجه الكردي لتقسيم العراق والتسبب في إحداث المزيد من الاضطرابات والانقسامات لتضاف إلى ما يعانيه العراق أصلا من مثل هذه المشاكل التي حلت عليه بعد جريمة الغزو الأمريكي عام 2003.

يعرف الجميع أن هناك مصالح اقتصادية كبيرة متبادلة بين تركيا وإقليم كردستان العراق، لكن الحكومة التركية تتعامل اقتصاديا وسياسيا مع الإقليم كونه جزءا من العراق الموحد وليس كدولة مستقلة، ولا نعتقد أن أنقرة تقبل بتغليب هذه المصالح الاقتصادية على المصلحة الوطنية العليا لتركيا نفسها، فاستقلال إقليم كردستان العراق من شأنه بكل تأكيد أن يعزز ويقوي من نزعة الانفصال لدى أكراد تركيا الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان وتعدادهم يفوق تعداد أكراد العراق وسوريا مجتمعين، فهناك تهديد حقيقي لوحدة تركيا السياسية جراء الخطوة الكردية العراقية المتهورة.

فتركيا وإيران اللتان تقولان إنهما مع «وحدة وسلامة العراق» وإنهما «ترفضان استقلال إقليم كردستان العراق»، وبغض النظر عن صدق هذه المواقف من عدمها، إلا أن ما هو مؤكد أنها، أي المواقف، نابعة من حرص الدولتين أولا وقبل كل شيء على وحدة وسلامة أراضيهما، لإدراكهما وقناعتهما أيضا بأن تقسيم العراق سوف ترتد آثاره، عاجلا أم آجلا على سلامة ووحدة أراضي إيران وتركيا، فهذه حقيقة حاضرة في أذهان وعقول وقلوب قادة البلدين.

قرار قيادة كردستان العراق سيقود المنطقة بكل تأكيد إلى مزيد من المشاكل وربما أعمال العنف أيضا، وهذا بالضبط ما حذرت منه القيادة العراقية وحذر منه أكثر من مسؤول إقليمي ودولي، فهل تدرك القيادة الكردية العراقية عواقب هذه المغامرة السياسية وتفكر مليا في مصلحة جميع مكونات الشعب العراقي وليس في مكون واحد فقط؟ لأن التداعيات الخطيرة لهذه المغامرة سوف تصيب جميع المكونات من دون استثناء.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news