العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تشيلي أيضا تتذكر مأساة 11 سبتمبر

بات في حكم المؤكد، بل والواجب أيضا، أن يحيي الشعب الأمريكي سنويا ضحايا الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، والتي أعلن تنظم «القاعدة» بزعامة الراحل اسامة بن لادن مسؤوليته عنها وراح ضحيتها آلاف من الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ بعضهم من جنسيات مختلفة، حيث شكلت هذه الهجمات الإرهابية محطة دموية في تاريخ الشعب الأمريكي ستبقى حاضرة في ذاكرة جميع الأجيال، ذلك أن هذا العدد الكبير من الضحايا الأبرياء لا يجوز نسيانهم، فهم أبرياء وضحايا أعمال إجرامية ترفضها جميع الشرائع، لكونها جرائم تمس حق الإنسان في التمتع بحياة آمنة ومستقرة، وهو الحق الذي لم يعره منفذو هجمات الحادي عشر من سبتمبر أي اعتبار.

مثلما ستبقى جريمة الحادي عشر من سبتمبر 2001 حاضرة في ذاكرة أبناء الشعب الأمريكي، فإن جريمة الحادي عشر من سبتمبر عام 1974 ستبقى هي الأخرى حاضرة في ذاكرة شعب تشيلي، حيث نفذت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في ذلك التاريخ من القرن الماضي واحدا من أبشع الانقلابات العسكرية دموية راح ضحيته أكثر من ثلاثة آلاف من المدنيين الأبرياء، بواسطة الانقلاب العسكري الذي قاده ديكتاتور تشيلي أوغستو بينوشيه ضد الرئيس المنتخب ديمقراطيا المناضل الوطني سلفادور أليندي الذي راح ضحية هذا العمل الإجرامي الدموي.

في الوقت الذي أشعل فيه المواطنون الأمريكيون الشموع إحياء وترحما على أرواح ضحايا الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية كان أبناء تشيلي يقومون هم أيضا بإشعال الشموع وفاء لضحايا الانقلاب الدموي الذي دعمته الولايات المتحدة الأمريكية وأسهمت في إنجاحه مساهمة مؤثرة مكنت الطغمة العسكرية في تشيلي من وأد الديمقراطية الوليدة التي طالما تغنت مختلف الإدارات الأمريكية «بتبنيها» و«دعمها» وقادت حملات دعائية في «الترويج» للديمقراطية في جميع أنحاء العالم، متغنية بالنموذج الديمقراطي الأمريكي الذي تعتبره أمريكا الأنموذج الأمثل في أنحاء العالم كافة، بما في ذلك العالم «الحر» «الديمقراطي»، أي عالم الرأسمالية.

هناك سمة واحدة توحد سبتمبري تشيلي والولايات المتحدة الأمريكية، وهي أن الجريمتين استهدفتا حق الإنسان في الحياة وراح ضحيتهما آلاف من الأبرياء في البلدين، ولكن هناك فرقا كبيرا، بل خطيرا بين الجريمتين، ففي حين من نفذ جريمة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية هم أفراد عصابة إجرامية إرهابية امتهنت القتل والتدمير والإقصاء وحرمان المختلف معها من حق الحياة، فإن من خطط وساعد على تنفيذ وإنجاح جريمة تشيلي هي أجهزة رسمية تابعة لدولة تحكمها مؤسسات وقوانين، وهنا لا نجد أي فرق بين ممارسة العصابة الإرهابية وممارسة دولة «المؤسسات والقانون».

ما شاركت الولايات المتحدة الأمريكية في التخطيط له وتنفيذه في تشيلي لا يختلف في توصيفه عن الجريمة التي نفذها تنظيم «القاعدة» ضد الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001، وتلك التي تنفذها الجماعات الإرهابية حاليا في العديد من دول العالم، فهذه الجماعات تستهدف المختلفين معها فكريا ودينيا، وبنفس الدوافع تقريبا فعلت الولايات المتحدة الأمريكية الشيء نفسه عندما استهدفت نظام الرئيس الاشتراكي الراحل سلفادور أليندي في خضم الصراع العقائدي والسياسي الذي كان يدور بين المعسكرين الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي السابق والرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. 

لا يختلف أحد على أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ضد الولايات المتحدة الأمريكية خلفت أضرارا بشرية مادية ونفسية كبيرة وعميقة إلى جانب الأضرار الاقتصادية نظرًا إلى ما يمثله برج التجارة العالمي في نيويورك من مركز مهم في الحياة الاقتصادية الأمريكية، وإذا كان الشعب الأمريكي قد تمكن من تجاوز الأضرار الاقتصادية وتعويضها، إلا أن الأضرار النفسية، ليس فقط في أوساط ذوي الضحايا، وإنما لدى جميع المواطنين الأمريكيين، تبقى حاضرة وتستيقظ كلما أحلت الذكرى المأساوية لأكبر جريمة قتل جماعي إجرامي تتعرض له الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها الحديث.

هذه حقيقة لا جدال حولها، ولكن أضرار جريمة الحادي عشر من سبتمبر عام 1974 المتمثلة في الانقلاب الدموي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية ضد النظام الوطني الديمقراطي في تشيلي تفوق من حيث جميع الأضرار ما خلفته جريمة الحادي عشر من سبتمبر ضد أمريكا، وبعيدا عن الأضرار البشرية التي تسبب فيها ذلك الانقلاب العسكري، فإن الأضرار النفسية والاجتماعية والسياسية الناجمة عن جريمة الانقلاب تحملها الشعب التشيلي على مدى خمسة عشر عاما، حيث انتهى حكم الديكتاتور بينوشيه عام 1989 بعد فوز تحالف القوى الوطنية في الانتخابات التي أجريت ذلك العام، ولكن بعد معاناة قاسية حيث تشير التقارير إلى أن سلطة الانقلاب مارست قمعا وحشيا تعرض خلاله أكثر من 27 ألفا من المعارضين للسجن والتعذيب والنفي.

فما تركه النظام القمعي في تشيلي من آثار نفسية في حياة المواطنين التشيليين، يفوق بكثير جدا تلك الآثار النفسية التي خلفتها اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، لا نقول ذلك تقليلا من حجم هذه التأثيرات، وإنما للتذكير فقط بأن ما اقترفته الولايات المتحدة الأمريكية من عمل غير أخلاقي ضد الشعب التشيلي سيبقى حاضرا في نفوس وقلوب التشيليين، كما هو حال الآثار النفسية لجريمة الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news