العدد : ١٤٤٨٩ - الخميس ٢٣ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٩ - الخميس ٢٣ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

هواجس جديّة (2)

تحدثت في مقال الأمس عن هواجسي لأن عائلتنا تشرّفت باستقبال أول حفيد، وبالتالي أول طفل من لحمنا ودمنا بعد ان كبر عيالي -ولله الحمد- ودخلوا الحياة العملية، ورغم أنني أكيد أطير من الفرح منذ قدوم الحفيد، إلا أنني أخشى عليه من زيادة جرعة التدليل لأنه الابن البكر لوالديه ولأن أمه كانت محرومة من الأشقاء الذكور، كما جدته لأبيه التي هي زوجتي حاملة لقب أم المعارك.

وعطفا على مقالي ذاك، وسأظل أقول إنه من الضروري أن يعرف الأطفال متى نقول نحن أولياء أمورهم «لا»، وأن «لا» يعني «لا»، ولمن نقولها، ولماذا نقولها، وفي أي الحالات لا نقولها، فليس من حسن التربية أن تكون كلمة «لا» حاضرة على لسان الأب أو الأم كلما طلب العيال شيئا: (أريد أن ألعب مع حسون.. لا... أريد مشاهدة مباراة.. لا.. أريد سندويتش بيرغر.. لا)، فلا بد من الموازنة بين التدليل والتدليع، والجفاء والقسوة ولو بالكلام «الناشف».

والمصيبة الأكبر هي أن ينقسم الأب والأم إلى حزبين أحدهما يلعب دور الحنون الرؤوم، و«يفوِّت» للعيال أخطاءهم، مهما كانت فداحتها بينما يميل الآخر إلى الحزم. ومن غرائب الأمور أن الآباء عادة أشد حزما مع الأولاد، «منشان يطلعوا رجال»، وأكثر رقة مع بناتهم، والعكس عند الأمهات اللواتي يكنّ عادة أكثر تدليلا للذكور من عيالهن؛ وعندما بدأت التدخين اكتشفت أمي الأمر فقالت: أبوك سيقتلك لو عرف بالأمر. لازم تعمل حسابك! وعملت حسابي وعلقت في ضباب التبغ قرابة عشرين سنة، أصيبت خلالها رئتي وجيبي بالثقوب. (من أغاني الأمهات المصرية: لما قالوا دا ولد انشدّ ضهري وانسند/ ولما قالوا دي بنية انهد ركن الحيط عليا/ جابو لي البيض بقشره وبدل السمنة ميّه «ماء»)، ولو زجرتني أمي، أو أبلغت والدي بأنني «شبه منحرف»، لربما ما واصلت التدخين.

والأطفال أذكياء: يا أحلى ماما.. تعرفي أن أبوي صعب ومو حنون مثلك.. كلميه عشان يخليني أبيت الليلة عند صديقتي سونيا.. بس خليها كأن الاقتراح منك أنت مو مني أنا.. وتعتقد الأم بذلك أن حب بنتها لها أكثر من حبها أبيها، ولا يخطر في بالها أن البنت تستعبط، بل ربما تحترم الأب أكثر، لأنها تعرف أنه صارم حيث ينبغي أن يكون صارما، وعطوفا وودودا في معظم الأحوال.

هذا الوضع قائم في غالبية بيوتنا، لأن الأب غائب عن حياة البيت بسبب «مشاغل الدنيا وأكل العيش»، ويترك مسؤولية رعاية العيال للأم، والأم قد تكون عاملة مثله، ووقتها موزع بين البيت والعمل ومن حقها أن تطلب الراحة والهدوء بعيدا عن دوشة العيال بعض الوقت، وقد تكون متفرغة لشؤون البيت ولكن كثرة الأعباء تجعلها تلجأ إلى طلب راحة البال بالاستجابة لكل ما يطلبه العيال؛ أي أنها تشتري راحة بالها «مؤقتا» بتلبية طلبات «المستمعين». ويفاقم الوضع أن الأسرة الممتدة بدأت تتآكل باسم مشاغل الحياة، ففيما مضى كان الطفل يعمل حسابا للعم وابن الخال والعمة وبنت الخال وزوج أخته الذي من حقه أن يزجره، كل ذلك انتهى، وإذا تعرض طفل للزجر من قبل قريب غير والديه قد لا يتردد في القول له: أنتَ لستَ أبي، وأنتِ لستِ أمي، فلا تخاطبني بهذه الطريقة.. بل يقول الأطفال ذلك الكلام لإخوتهم الكبار: أنت مش أبوي.. خلّيك في حالك.. وأحيانا قد يحتج الطفل على قرار الأم أو الأب ويطالب بتفسير وتبرير. شخصيا لا أتردد في الرد على الاحتجاج بأنني اتخذت القرار لأنني أملك الصلاحية لذلك بحكم أنني أب وأنني لا أدخل في مفاوضات مع الإرهابيين، والعيال يلجؤون إلى أساليب الإرهابيين الذين يحتجزون رهائن، ومنها الابتزاز: يعني ما تحبوني؟ لا، بل نحبك ونرفض تلبية جميع رغباتك لأننا نحبك.

ولأن الطفل لبيب ويفهم بالإشارة، فيجب على الدوام أن يقترن الزجر والنهر ورفض الطلبات بأدلة ملموسة (وليس مجرد كلام) على أنه محبوب، ليس بالانهزام أمام ابتزازه و«حركاته القرعة»، ولكن بمنحه الإحساس بأن هناك أشياء كثيرة يحبها مباحة ومتاحة، وفي تقديري فإن من أسوأ خصال الأبوة والأمومة مواصلة تمثيل دور الزعلان ساعات أو أياما، العفو والمسامحة أحيانا عقوبة تأتي بنتائج أفضل من التكشير والصراخ المتواصل.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news