العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

تدخلات قطر في القرن الإفريقي

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ١٤ ٢٠١٧ - 01:25

لم تعد سياسة قطر القائمة على التدخل في شؤون الغير مقتصرة على أشقائها الخليجيين، وعلى تمويل التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة الموجودة بالدول العربية فحسب، لكن امتد الأمر ليصل إلى القارة السمراء، في ظل محاولات الدوحة استغلال الظروف الإنسانية، التي تمر بها دول القارة، ولاسيما منطقة القرن الإفريقي؛ كي تظهر باسطة لنفوذها، في محاولة منها للجنوح نحو الزعامة الوهمية التي تبحث عنها.

فعلى مدى العقدين الماضيين، قامت قطر بتقديم نفسها كوسيط نشط، من خلال بناء علاقات مع العديد من الدول الإفريقية، خاصة ذوات مستوى الاستقرار المنخفض؛ أمنيا واقتصاديا وسياسيا، والتي يوجد بينها إشكاليات تاريخية وسياسية وحدودية، ما جعل من السهل اختراقها، وفرض مصالحها ومشاريعها عليها، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المتغيرات، التي طرحها المحللون، استفادت منها في عملية مدّ نفوذها في هذه الدول أبرزها:

- الكوارث الطبيعية، التي تشهدها غالبية هذه الدول من «مجاعات، جفاف»، إضافة إلى الكوارث الإنسانية الناجمة عن الصراعات، والتي شكّلت مدخلا لتقديم مساعدات إنسانية.

- الأداة الاقتصادية، من خلال الاستثمارات وتوسيع التبادل التجاري، مستغلة حاجة حكومات هذه الدول إلى توسيع علاقاتها الخارجية والحصول على استثمارات، ترفع بها المستوى المعيشي لشعوبها. 

- تراجع الأدوار الغربية، وارتباط الوعي المجتمعي في غالبية هذه الدول بفترات الاستعمار. 

- المدخل الديني، حيث إن غالبية هذه الدول مسلمة سنية «الصومال، جيبوتي، إريتريا»، أو ذات نسب مسلمين عالية؛ «إثيوبيا، كينيا»، ما شكّل عامل تقارب مهما.

- تراجع التغلغل الإسرائيلي في بعضها، نتيجة الحرج الذي وجدته هذه الدول دينيا وقوميا «الصومال وجيبوتي» في التعاون معها.

وفي حقيقة الأمر، فإن منطقة القرن الإفريقي ذات أهمية إستراتيجية كبيرة، من جهة أنها تطل على خليج عدن، وتشرف على باب المندب، كما أنها مقابلة لشبه الجزيرة العربية، والخليج العربي، وملاصقة لإقليم البحيرات العظمى في وسط إفريقيا، والذي يتميز بغنى موارده المائية، والنفطية، والمعدنية، ولهذا كانت المنطقة، محلا للتنافس، لعل أبرز صوره تجسدت في الاستغلال القطري لأزمات هذه المنطقة. 

وبحسب أغلب المراقبين، فإن المشروع القطري للسيطرة على منطقة القرن الإفريقي، يسعى إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها:

القيام بدور استراتيجي لتعزيز مكانتها دوليا.

الحصول على موقع أكثر تقدّما في العالم الإسلامي، ضمن محاولات الزعامة الوهمية.

الاستفادة الاقتصادية، خصوصا مع اكتشاف الغاز في مياه المنطقة الإقليمية. 

تقويض أدوار القوى المنافسة لها، وأبرزها الإمارات ومصر والسعودية.

وترتبط النقاط السابقة وسواها، بطبيعة السياسة الخارجية القطرية، القائمة على عقدة الجغرافيا، بما تشمله من إشكاليات؛ الموقع، المساحة، عدد السكان، حيث شكَّلت هذه الإشكاليات مجتمعة عامل ضغط على الطموح السياسي الذي رافق السلطة القطرية منذ منتصف التسعينيات؛ لذا تحاول الاستعاضة عن ذلك بنشاط دبلوماسي واسع، لم يقدِّم نتائج إيجابية حقيقية في غالبية الملفات التي تصدّت لها الدوحة، لذا لجأت إلى تغيير هذه الدبلوماسية، من دبلوماسية الوساطات، إلى دبلوماسية الاستثمارات، وغيرها من أشكال تكميلية لا تجد كثير أثر لها في القرن الإفريقي.

فوفقا لدراسة صادرة عن معهد «الدراسات الأمنية الإفريقية»، تسعى قطر من خلال تغلغلها في منطقة القرن الإفريقي تحديدا؛ لبسط السيطرة على أحد أهم المناطق التي تؤثر على الملاحة البحرية في المنطقة، الأمر الذي جعلها تتدخل في صراعات بين كل من «السودان وإريتريا»، و«الصومال وإثيوبيا»، و«إريتريا وجيبوتي». 

ولأن قطر لا تمتلك مشروعا استراتيجيا متكامل الأبعاد في هذه المنطقة، وتفتقد إلى كثير من المقوّمات والأدوات التي تمتلكها كثير من الدول، وخصوصا الأدوات الثقافية والتاريخية، كما أن الأداة الدينية في الحالة القطرية منخفضة القيمة، نتيجة عدم ثقلها في العالم الإسلامي، كل ذلك جعل هناك حالة من التناقض والتضارب في كثير مواقفها السياسية، لعل أبرزها:

- تدخلها على خط الأزمة الإثيوبية الإريترية، حيث اتهمتها إثيوبيا بدعم إريتريا ضدها، وبتمويل المليشيات الصومالية على الحدود الأثيوبية؛ مما أدى لقطع العلاقات الدبلوماسية معها عام 2008. 

- والأزمة «المصرية الأثيوبية» على خلفية إشكالية سد النهضة، حيث عملت الدوحة على استعادة الود مع إثيوبيا؛ لتتمكن من الدخول على خط الأزمة، من خلال تدعيم أديس أبابا بقرض قيمته 500 مليون دولار، في جهودها لبناء السد. 

هذا الدور كشف عنه المتحدث باسم جبهة «الأورومو» الإثيوبية، «جمادا سوتي» قائلا: «إن قطر تدعم بناء السد من خلال مشروع استثماري وزراعي ضخم. دفعت الجزء الأول من قيمته، الذي استفادت منه الحكومة الإثيوبية في بناء السد».

ومن العرض السابق يمكن إجمال أبرز التجاوزات القطرية بحق منطقة القرن الإفريقي على هذا النحو:

- قيامها بالعديد من الأدوار التخريبية، من خلال تدخلها في شؤون الدول تحت مظلة «الأعمال الخيرية»، حيث سعت إلى دعم جماعات انفصالية متمردة ومنحها مبالغ مالية لتقويض الاستقرار، وضرب الأمن، وتشكيل قوى إرهابية متوائمة مع السلوك القطري، ومن بينها، «حركة الجهاد الإسلامي الإريتري»، و«الاتحاد الإسلامي الصومالي»، وحركة «التوحيد والجهاد» المتطرفة في غرب إفريقيا.

- الاستغلال القطري للأزمة الراهنة بين «جيبوتي وإريتريا»، وسحبها لجنودها على الحدود المتنازع عليها بين الدولتين؛ لمعاقبة جيبوتي على انضمامها للدول المقاطعة، بينما تقدم الدعم سرا للطرف الإريتري في محاولة لإشعال الموقف، وتوجيهه نحو مزيد من التدهور.

- توجيه قطر منابرها الإعلامية لغزو وابتزاز المنطقة الإفريقية ممثلة في قناة «الجزيرة»، والتي لم تكتف بالبث العربي، بل أطلقت قناة باللغة السواحلية تستهدف قرابة 100 مليون نسمة، وقيام القناة بعمل تقرير مفبرك حول اللاجئين الصوماليين في إثيوبيا، وذلك بدعم من «جبهة أوغادين الوطنية للتحرير»، التي تمولها الدوحة، حيث اتهم التقرير حينها الحكومة الأثيوبية بالقيام بعمليات اضطهاد وتعذيب للاجئين تدفعهم للانضمام إلى الجبهة. 

- وجود مساعٍ قطرية منذ سنوات في كينيا للاستحواذ المالي عليها، عبر بنك قطر الوطني، كما تعاقدت على عدة مشاريع بأثيوبيا تحت بند المساعدات الإنسانية، والتي لا يمكن إغفال بعدها السياسي.

- الدعم القطري المادي بشكل مباشر أو غير مباشر لغالبية التنظيمات المسلحة الموجودة ليس في منطقة القرن الإفريقي فحسب، وإنما في كل أرجاء القارة. 

إلا أنه وفقا لكثير من المحللين، فإن النشاط القطري في منطقة القرن الإفريقي اتسم بجملة نقاط، أبرزها:

- الاعتماد بشكل شبه كلي على الثقل المالي في التقرّب من حكومات هذه الدول، غير أن هذا العامل يرتبط بأسعار الغاز العالمية، الذي انخفضت في العامين الأخيرين، ما أثّر سلبا في طموحات قطر.

- المشاريع القطرية لا تتسم بالتكاملية، حيث إنها متفرقة، وغير مترابطة، وذات تأثير محدود في البيئات المستهدفة، ومن جهة ثانية لا تتّسم بالاستمرارية، فهي عرضة للانقطاع، نتيجة متغيرات مالية أو سياسية أو شخصية. 

- لا تُشكِّل المساعدات الإنسانية، التي تقدِّمها الدوحة تغييرا كبيرا في البنى التحتية، ولا في مقومات الحياة، حيث إنّها تأتي كرد فعل على كوارث طبيعية أو صراعات، كما أنها تأتي في صورة مساعدات غذائية ودوائية أو تنموية محدودة الأثر.

- كما أنّ حجم الاستثمارات القطرية يبقى منخفضا في هذه الدول؛ لعدم جرأة المستثمرين القطريين، على الاستثمار في هذه الدول، نتيجة للصراعات وعدم الاستقرار. 

- بالإضافة إلى أن قطر رغم حيازتها لترسانة أسلحة متقدّمة، إلا أنّ حجم قواتها المسلحة، لا يساعدها في القيام بأدوار عسكرية في المنطقة، ولا يشكل عامل جذب لإقامة تحالفات عسكرية معها. 

على العموم، مازالت قطر مصرة على انتهاج سياستها التدخلية في شؤون الدول المختلفة، ومازالت مصرة على ضرب نموذج للدولة الصغيرة المهيمنة، ولا زالت تعمل على استغلال الأزمات الإنسانية، التي تعانى منها بعض الدول الإفريقية، وهو الأمر الذي يثير تساؤلا فحواه إلى متى ستظل متمسكة بهذا النهج المخالف؟، ومتى ستعود مرة أخرى إلى حاضنة أشقائها الخليجيين؟، وهل هناك مزيد من الإجراءات التي ينبغي على الدول الخليجية اتخاذها من أجل كبح جماح تلك الإمارة؟. 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news