العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

عاشوراء والمنهج الحسيني والرؤية الملكية

بقلم: د. عبدالله المقابي

الخميس ١٤ ٢٠١٧ - 01:25

في وطن حباه الله برعاية قيادته الحكيمة من ملك البلاد المفدى ورئيس الوزراء وولي العهد بتعهدهم ووفائهم بما سار عليه الأجداد والآباء من توفير الأمن والأمان وحق ممارسة الشعائر وتعدد الديانات والحرية الدينية والمذهبية، يستحق منا هذا الوطن أن نعمل معًا على رد الجميل وصنعه بما يتساوى والعائد الذي يعود علينا من صنيع قيادته، والحق أننا ننعم في بلادنا البحرين بما توفره لنا القيادة من مساحة حرية تخلو كثيرا من البلدان بأقلها، فالمساحة المتاحة لكل ديانة في ممارسة الشعيرة الخاصة بها في البحرين لهي أكبر من غيرها في بلدان أخرى، ويعود الفضل بعد الله الى الجهود المبذولة منذ القدم بتوارث العادات والتقاليد والثوابت التي ما راوحت موقعها، بل كان عهد المجدد صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة -حفظه الله- هو العهد الزاهر لمطلع جيل يتقدم برعاية جلالته حيث قدم جلالته أول مشروع للتعايش أسس من خلاله مبادئ الوسطية والاعتدال وشرع بما لم يشرع به من قبل من منح القلة مساحة الحرية الشاملة.

ملك البلاد المفدى ومن خلال مشروعه الإصلاحي الشامل حقق منهجًا جديدًا متطورًا نفذ الى قلوب الناس وأحبته المجتمعات المختلفة، ومنه انطلق أساس التعامل الوسطي ومنهج وحدة الأديان مع اختلافها، ومنه خرج عدد من المؤتمرات والندوات التي أسست لوحدة الإنسان، متخذين جميعًا منهج جلالته أساسًا ثابتًا راسخًا في المنهج الجديد تعايش وسلام وأمن للجميع.

عاشوراء والمنهج الحسيني الذي يتضح للجميع أنه ليس منهجًا شيعيًا ولا سنيًا، بل هو منهج إسلامي شامل للجميع، ويمكن للمسيحي فضلاً عن المسلم أن يتخذ هذا المنهج قدوة برفض الظلم والتسلط والتكبر، وحيث ان المنهج يتوافق وكل الشرائع لما يحمله من صفات إنسانية نبيلة ورسائل عظيمة تتفق والمشارب كلها من دون أن يضل من يتبعه، وهو ما رسمه أبو عبدالله الإمام الحسين من مبدأ اتخذه بألا يكون للظالم عونًا ولا للمظلوم خصمًا، ويتفق المنهج الإنساني على مبدأ نصرة الإخوة في الدين أو في الإنسانية وهو مبدأ الاستحسان للعدل واستقباح الظلم من النفس البشرية.

الإمام الحسين والمنهج الحسيني والرؤية الملكية؛ ولإيمان صاحب الجلالة الملك المفدى بالرسالة الحسينية السامية التي حملها المسلمون عبر سنين طويلة تعدت ألف سنة ونيف، ما جعل المسلمين يؤمنون بالرسالة الموجهة الى العالم من ضرورة الإصلاح ونشره، والموقف الجريء الذي اتخذه صاحب الجلالة ملكنا المفدى من نفس ذلك المبدأ الحسيني: «خرجت طلبًا للإصلاح في أمة جدي»، وهو المبدأ الرفيع بضرورة محاربة الفساد. فمن خلال هذا الموقف يحزم الأمر صاحب الجلالة الملك المفدى بتكرار قول جلالته: «إن من يعمل لصالح الوطن فلن يبخس حقه ومن يسيء الى الوطن أو المواطن فسيكون المواطن أو من يصده، ولن يجدنا عونًا له». فقد رسخ صاحب الجلالة هذا المبدأ لدى كل المسؤولين في المملكة كبيرهم وصغيرهم، وأعطى الأمثلة الحية بألا يبقى فاسدًا أو مفسدًا في موقعه متى ما رفع الأمر الى جلالته ووصله الخبر اليقين بوضعه، فجلالته العين الباصرة والمطلعة على كثير من الأمور وهو دائم التوجيه والمباشرة لما يخص الوطن ويحمي المواطن، وليس هذا الجهد بغريب أو بعيد عن صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء، والذي ينزل للميدان فور حصول أي إشكال ليطمئن بنفسه على أن حقوق المواطنين مستوفاة، ولا يكاد يصله خبر إلا وتدخل بنفسه ليكون الحامي للوطن والراعي لثقة جلالة الملك المفدى، حتى اشتهر الأمير خليفة بن سلمان «بمجد الوطن»، فما للصعاب إلا خليفة.

البحرين تنعم في موسم عاشوراء برعاية خاصة من الجهات الرسمية الحكومية وغير الرسمية ومن فوقها رأس الهرم الشامخ مليكنا حمد الذي يحمل في هذا الموسم على نفسه كفالة الفقراء والمساكين والمحتاجين ودعم المآتم والمساجد بمكرمة أضحت عادة سنوية يتطلع إليها كل أبناء البحرين من شيعتهم وسنتهم وغيرهم، فالرعاية الملكية واحدة من أكبر الأدلة على عناية المملكة لهذه الشعيرة العظيمة وإحيائها من قبل المسلمين والعمل بما ورد في الكتاب والسنة، وتختص الطائفة الشيعية بممارسة خاصة من إقامة بعض الشعائر كالعزاء والطبخ والبكاء واللطم وفتح المآتم وحتى المساجد لإحياء مصيبة أبي عبدالله الحسين، وتبقى الحاجة إلى تهذيب هذه الشعيرة مما لا يختلف معه عاقل على أن الضرورة تقتضي رفض بعض الممارسات التي لا تتصل ورؤية الحسين بل لا تمت للدين بصلة، وهو ما يحتاج إلى مزيد من بذل الجهود والتعاون مع كل فئات المجتمع لتقديم الإمام الحسين برؤية حسنة يمكن للجميع الاقتداء بها والعمل على تطبيقها، فالحسين ليس للشيعة وحسب، بل هو حسين المسلمين كل المسلمين، وهو سيد شباب أهل الجنة كما جاء في الصحاح وكثير من الكتب المعتبرة بإجماع المسلمين.

أصبحت تنقية قضية الإمام الحسين ضرورة، وتعديل المفاهيم المختلطة أهم ضرورة من إحياء الشعيرة على حالها، وقد بات على المسلمين الوعي بأن قضية الإمام الحسين هي قضية إسلامية ينبغي أن تتحلى في إحيائها بمبادئ الإسلام وألا تخرج عن الصورة الصحية الجميلة في نشرها، أما الممارسات والغوغائيات والتطرف في إحيائها أو وضع الشعارات غير اللائقة أو تسييس قضية الحسين وجعل الشعارات خالية من المضمون الأخلاقي ودعم التمرد في روح الشباب لهو ضرب للقضية الجوهرية، كما أن إبعاد الحسينية عن المبدأ الحسيني والروح الحسينية عن روح الحسين الحقيقية والتي تتمثل حقيقة في روح الإصلاح ومعناه لهي مجازفة بسيرة الإمام الحسين وبخس بحق الرسالة الحسينية.

الحسين قدم الأمثلة الرائعة في الشجاعة والقوة والصبر والتحدي والتحلي والتهذيب والترتيب والنظام والحفاظ على الهوية الإسلامية من خلال رسالة منهج السلم والسلمية، ولم يقدم لغة السيف والضرب ولا الحلول من خلال خلق الصراعات والمنازعات، بل لم يقدم شيئا مما بدأ بعض المتطرفين باستعماله من خلال التخريب والتهريج وصناعة المفاهيم المخالفة للدين والإنسانية، المسألة التي ينبغي عندها الوقوف والنظر بالواجب الحتمي على كل المسلمين من ضرورة تنقية قضية الحسين من تلك الملوثات التي صنعتها الفئات المتطرفة، ولا ريب ولا شك أن الرسالة السامية لا يمكن أن تتصف بصفات تحالف نفسها من نفس نسخ السمو والعلو والرفعة، ولهذا مبدأ الإصلاح يتركز على أربعة قوانين مهمة بخلو واحد منها يخلو الإصلاح من معناه.

القانون الأول الإصلاح والحوار وهو المبدأ الحسيني الأول الذي اتخذه الإمام الحسين مع أعدائه ومحاربيه فلم يرفض الحوار معهم لدواعي أنهم ظلمة وأنهم مخالفوين، بل اتخذ من الحوار محورًا مهمًا حتى تأسس القانون بوجوده، والقانون الثاني الإصلاح وعرض البديل، وتتضح الرؤية من خلال ممارسة الإمام الحسين عمليًا بالخروج من المدينة إلى مكة ثم الخروج من مكة لكي لا يقع المحظور ويقتل ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة، ليكون هذا القانون أعلى شأنا من الأول، والقانون الثالث الإصلاح وعرض خطة الإصلاح، ويتجلى هذا القانون من خلال عرض صورة واضحة بإرسال الرسائل والكتب لكل الأحزاب والعوائل والعشائر والحكام، وطرح نص الإصلاح المراد مع شموله للقوانين السابقة، ليكون غرض الإصلاح قانونًا ثالثًا ثابتًا لا يدخله الشك، والقانون الرابع الإصلاح والتسليم، فلم يخرج الحسين إلا طالبًا للإصلاح مسلمًا أمره لله، لا عابثًا بأمن المسلمين ولا مواجهًا ليعرض الناس للهلاك، فقد سلم أمره لله ووضع القانون الرابع ليكون علامة من سيرة وفعل لإمام يقود الناس بالقول والصواب، ما جعل الحق معه وأخرج الباطل برسالة السلم والسلام.

الفهم الحقيقي لقضية الإمام الحسين يتمثل في رؤية جلالة الملك المفدى الذي عمل على تحقيق القوانين الأربعة وبادر بكل المبادرات من أجل كسب الشعب وإعادة اللحمة الوطنية، ونبذ الطائفية والحزبية والتطرف، وجعل الجميع اخونًا متحابين متوافقين على رسالة الميثاق الوطني، ما جعل الإصلاح هو الصورة الرائدة لدولة المؤسسات والقانون، فأصبح المشروع الإصلاحي لعهد جلالته أدامه الله الزاهر، وهو المثال الذي نقتدي به والصورة المثلى التي لا تغيب عن واقعنا المعاش مما نراه ونلمسه من روح جلالته أيده الله ورعاه، ولهذا الرسالة مستمرة والمشروع قائم، وإن كل ما يحيط المشروع من تشكيك لهو خارج بما يراه الناس فعلاً فلن يصدق الناس إلا ما يرونه، ومن ينظر بعين باصرة يدرك ان المشروع الإصلاحي الشامل لجلالة الملك المفدى حقق للبحرين النهضة والقوة والشجاعة والجرأة بلا منازع فأصبحت البحرين مملكة رائدة للإصلاح والصلاح، ويبقى الأمل أن يجتمع المسلمون لتوحيد الصف والكلمة، وأن يوصل الشيعة بالأخص الرسالة الصائبة لرسالة الحسين بالسلمية والسلام ونشر الأمان والمحبة، ونبذ التطرف والإرهاب والتحزب، كما أن الحسين إمام سلم لا إمام حرب.

 

‭{‬ رئيس «كلنا للوطن»

Alensan555@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news