العدد : ١٤٤٢٥ - الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٤٢٥ - الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

قضايا و آراء

عام دراسي جديد.. وآمال وتطلعات متجددة

بقلم: د. خالد أحمد بوقحوص

الأربعاء ١٣ ٢٠١٧ - 01:30

ها قد أقبل عام دراسي جديد يحمل بين ثناياه آمالا وتطلعات جديدة، بل ومتجددة بتجدد السنوات والأعوام لهذا الوطن الغالي، من خلال أبنائه وفلذات أكباده وهم يحملون حقائبهم متوجهين إلى مدارسهم بكل حيوية ونشاط، حيوية إضافة إلى محيطهم حياة فتحركت الشوارع والأزقة بهم ودبت فيها الحياة بحياتهم، بعد إجازة صيفية طويلة راكدة، لينهلوا من العلم والمعرفة ما يمكنهم ويمكن بلادهم من التطور والتقدم والازدهار.

إن التعليم كان ولا يزال الشغل الشاغل لكل أمة تروم الرقي والتطور، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإعادة صياغة مفهوم المدرسة، وأنها ليست مجرد دروس وفصول، وإنما مؤسسة تعليمية ومحاضن تربوية، يفترض أن تسهم بفعالية في تشكيل هوية الطالب وشخصيته فيتشرب برامجها ودروسها والمعارف والسلوكيات، يمضي فيها الطالب أجمل أوقاته، ليتخرج فيها وقد أصبح أكثر نضجا، وأقدر على مواجهة تحديات الحياة.

فالمدرسة هي حجر الزاوية في العملية التعليمية، وهي المؤسسة الرسمية التي أوكل إليها المجتمع تربية النشء وتزويدهم بكل ما يحتاج إليه المجتمع للتقدم والانطلاق والعيش المشترك بين أبنائه في سلم اجتماعي وسلام دائم. ولذا فإنه من المهم أن تكون المدرسة والبيئة المدرسية ذات مواصفات محددة لتحقيق أهدافها، وتأدية رسالتها التربوية السامية ولتطور الفرد والمجتمع. 

ولعله من أبرز هذه المواصفات والتطلعات المتجددة بتجدد الأعوام الدراسية والتي نتطلع إلى تحقيقها في مدارسنا، ولتحقيق رسالتها وإنجاز أهدافها، ولتكون مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية واحة غناء جميلة لكل طالب من طلابنا يجد الراحة والاطمئنان والحب والتفاهم في جوانبها، فيقبل عليها بشغف وحب وينهل من موارد العلم في ربوعها بكل جد واجتهاد، يفضل ان يقضي الساعات الطويلة فيها ويفارقها وهو في شوق للرجوع إليها، وألا تكون مصدر قلق لطلبتها يتمنى انقضاء والوقت لكي يفارقها، ولن يتحقق ذلك الا من خلال توفير عدد من المتطلبات ولعل من أهمها ما يلي:

أولا: توفير الأمن النفسي العام للطلاب في المدرسة:

والمقصود من ذلك ألا تكون هناك أي مهددات لراحتهم النفسية، قد تسبب لهم القلق والاضطراب النفسي مما يجعلهم يكرهون المدرسة وكل ما تقدمه لهم، وبالتالي يؤثر ذلك تأثيرا مباشر على تحصيلهم العلمي، ومن هذه المهددات مثلا عدم احترام الطلاب أو توقيرهم أو استخدام العقاب البدني من قبل المعلمين أو الإداريين في المدرسة أو حتى من بعض زملائه في المدرسة من المتنمرين المهددين لأمنهم النفسي والجسمي. 

ثانيا: الأمن الأخلاقي والسلوكي داخل المدرسة: 

ومن الأولويات لدى الأبناء وأولياء الأمور بالدرجة الأولى الاطمئنان إلى توفر البيئة السلوكية النظيفة الآمنة، من كل ما يمس الأخلاق ويؤثر على سلوك الأبناء، وربما إكسابهم بعض العادات والسلوكيات السيئة التي قد يكتسبونها من زملائهم في المدرسة والتي تأتي على رأسها، عادة التدخين أو تبادل الصور والأفلام غير المناسبة أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بصورة سلبية أو ظاهرة الميوعة في مدارس البنين أو ظاهرة المسترجلات في مدارس البنات، وغيرها من السلوكيات السيئة التي انتشرت في بعض المدارس وباتت همًّا يؤرق الآباء، وكذلك يؤرق الأبناء، وخاصة مع وجود الشللية المدرسية، التي قد تؤذي كل من يخالفها في السلوك أو التصرفات، مع تهاون الإدارة المدرسية في المتابعة والتوجيه ومع غياب المدرسين القدوات القريبين من الطلبة، المؤثرين فيهم والمتأثرين بهم لتوجيههم وتصحيح سلوكياتهم غير المرغوبة والتي تؤثر وستؤثر حتما على مسار حياتهم المستقبلية.

ثالثا: توفير الأمن التعليمي التعلمي المريح: 

أي أن يشعر الطالب وهو يتعلم داخل غرفة الصف بالأمن النفسي في تعلمه ووصول المعلومات إليه من خلال معلميه، فيعامل بكل تقدير واحترام بغض النظر عن مستواه التعليمي وقدراته وإمكانياته، حتى وإن كانت ضعيفة فمعلموه يعرفونها ويعرفون كيف يتعاملون معه وفقا لمستواه من دون استهزاء أو تحقير أو انتقاص من كرامته الإنسانية، كما لا يتم الضغط على الطلبة بكثرة الواجبات المنزلية والتكاليف الدراسية، التي لا طائل من كثير منها مع طول المناهج وكثافتها. 

وقد أصبح هذا نهج العديد من الدول المتقدمة في مجال التعليم، وهو التخفيف من الواجبات المنزلية بل إلغاؤها، مثل فنلندا وبعض الدول الأوروبية مع تخفيف حجم وكمية المناهج المقررة على الطلبة. فمن أهم ما يميز نظام التعليم في فنلندا مثلا، ان اليوم الدراسي قصير، وخاصة في المرحلة الابتدائية التي تمتد من الصف الأول إلى الصف التاسع، حيث إن أيام التمدرس هي 190 يوما فقط بمعدل أربع ساعات دراسة يوميا و75 دقيقة من الراحة واللعب موزعة على اليوم الدراسي.

كما انه نادرا ما يحمل الطلبة بواجبات أو تكاليف منزلية، بل يؤدي كل واجباتهم داخل المدرسة.

رابعا: الاهتمام بتنمية القدرات الفردية والمواهب الشخصية والميول والاهتمام بالهوايات:

عندما يتم الاهتمام بالقدرات الفردية والمواهب الشخصية والميول والاهتمامات والهوايات لدي الطلبة فإن ذلك سيشعرهم بالراحة النفسية وحب المدرسة ويعزز الانتماء لديهم، ويمكن ان يتم ذلك من خلال الانشطة المتنوعة التي تقوم بها المدرسة ومن خلال الأندية والجمعيات المختلفة داخل المدرسة التي توجه الطلبة للمشاركة فيها وتسجيل العضوية لها.

خامسا: توفير البيئة التعليمية التعلمية المريحة:

كلما توفرت الاحتياجات الأساسية في بيئة المدرسة كلما حبب ذلك الطلبة في مدرستهم، من ملاعب خارجية وصالة رياضية وساحات، واستراحات أو قاعات للأكل ومقصف يقدم وجبات صحية مناسبة، وأماكن مظللة وحديقة ومساحات خضراء مزروعة وصفوف ذات تهوية جيدة وأثاث دراسي مناسب، وغيرها من التجهيزات الأساسية لتهيئة جو دراسي مريح للطلبة.

سادسا: الإدارة المدرسية المتفهمة:

للإدارة المدرسية دور كبير في جعل البيئة المدرسية مريحة للطلاب من خلال تواصلها المستمر معهم، وتلمس احتياجاتهم، ومعالجة مشكلاتهم، وتفهم ظروفهم، والمرونة في تنفيذ القوانين والأنظمة مع العدالة بينهم، مع إحساسهم بالنظر الأبوية الحانية ولكنها الجادة الصارمة، مع توفير كل المتطلبات التي تشعرهم بالراحة والطمأنينة في المدرسة. 

سابعا: العلاقة المتميزة بين الطلبة والمعلمين: 

من أهم ما يميز الأنظمة التعليمية في الدول المتقدمة وتركز عليه بكل وضوح، قوة العلاقة بين المعلمين والطلبة، حيث قد تمتد هذه العلاقة وتتوطد بين المعلمين والطلبة لسنوات دراسية عديدة، وخاصة في المرحلة الابتدائية ومع وجود فصول دراسية معقولة العدد من الطلبة، فتتكسر الحواجز بينهم ويحدث تقارب على المستوى الشخصي فيعرف المعلمون احتياجات طلبتهم ونقاط القوة والضعف لديهم، ويسعون إلى تتعزز علاقاتهم بطلبتهم بما يخدم العملية التعليمية. مما سيشعر الطلبة بالأمن النفسي من خلال بناء هذه العلاقات الإيجابية مع معلميهم، والتي يسودها الحب والتقدير والأبوة الناصحة المشفقة المحبة لأبنائها، وكذلك الحال مع الإداريين من مشرفين أو مساعد المدير أو المدير نفسه، وكذلك العلاقة الايجابية مع الزملاء كل ذلك يجعل طلابنا يعيشون حالة من الاستقرار والأمن النفسي المريح الذي سيحببهم في المدرسة ويساعدهم على التحصيل والتفوق في الدراسة.

ثامنا: الاهتمام بالطلبة المتأخرين دراسيا أو من يواجهون صعوبات في التعلم:

من المهم الاهتمام بالطلبة المتأخرين دراسيا في بعض المواد الدراسية أو ربما في كل المواد الدراسية أو ممن يواجهون صعوبات التعلم، فتخصيص بعض الحصص الإضافية لتقويتهم في هذه المواد، مع تحديد مدرسين متمرسين ومتميزين في التعامل وتدريس هؤلاء الطلبة، حتى نقلل الفجوة الدراسية والمستوى الدراسي بين الطلبة إلى اقل مستوى ممكن، وحتى لا يتخلف لدينا عدد من طلبتنا من الممكن مع بعض الجهد والمساعدة الإضافية معالجة صعوباتهم والوصول بهم إلى المستوى التعليمي المتوسط والسائد بين زملائهم، فعلى سبيل المثال هناك 30% من الطلاب الفنلنديين يتلقون مساعدة إضافية خلال أول تسع سنوات في التعليم الاساسي، وكل هذه العوامل جعلت فنلندا تمتلك أصغر فجوة بين الطلاب الأقوى والأضعف في مستوياتهم التعليمية على مستوى العالم، وفقا لدراسة أجرتها مؤسسة التعاون الاقتصادي.

هذه بعض التطلعات التي نتطلع إلى الأخذ بها في مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية حتى تكون مدارسنا وحات جميلة لتعليم أبنائنا الطلبة يقضون فيها أجمل أوقاتهم ويتعلمون فيها ما يمكنهم لمواجهة الحياة وما يمكن مجتمعاتهم من التقدم والانطلاق نحو مستقبل مشرق جميل.

 

‭{‬ أستاذ التربية (المناهج، واستراتيجيات التعليم)

khalidbQ@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news