العدد : ١٤٤٨٩ - الخميس ٢٣ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٩ - الخميس ٢٣ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

أوروبا تتلاعب بالطموحات التركية

طريق تركيا نحو الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي لم يكن سالكا منذ بدايته، فالجمهورية التركية تجاوبت مع العديد من المطالب الأوروبية وعدلت الكثير من قوانينها لتكون قريبة من تلك المعمول بها في الدول الأوروبية، ومع ذلك كان الاتحاد بين الفينة والأخرى -ومن خلال مجموعة من الدول الأعضاء فيه- يضع العراقيل ويختلق الحجج والذرائع لعرقلة وتصعيب مفاوضات انضمام أنقرة، ويبدو أن هذا الطريق لن يكون سالكا بعد اليوم نظرًا إلى ما يشوب علاقات تركيا مع بعض دول الاتحاد من خلافات وصدامات سياسية حادة، وخاصة مع ألمانيا التي تشكل أحد أهم وأقوى الأعمدة الرافعة للبناء الأوروبي، وصلت إلى حد دعوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لإنهاء محادثات انضمام تركيا وأعقب ذلك موقف المفوضية الأوروبية التي قالت إن «سلوك تركيا يجعل انضمامها إلى عضوية الاتحاد الأوروبي أمرا مستحيلا».

مضى على تقدم تركيا للانضمام إلى الاتحاد حوالي ثلاثين عاما، إذ تقدمت رسميا بهذا الطلب عام 1987 جرى خلالها اتخاذ خطوات تمهيدية، من بينها توقيع اتفاقية اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي عام 1995 وفي عام 1999 قبل الاتحاد تركيا كمرشح لعضويته الكاملة، ومنذ ذلك التاريخ حتى الآن لم يتخذ الاتحاد أي خطوات مهمة وجادة على تفتح الأبواب أمام الجمهورية التركية، الأمر الذي ينم عن ان الاتحاد الأوروبي أو عددا من الدول وخاصة ذات النفوذ القوي مثل ألمانيا وفرنسا ليس متشجعا بما فيه الكفاية للمضي قدما على طريق قبول تركيا، أضف إلى ذلك أن علاقاتها المتوترة مع كل من اليونان وقبرص تقف عائقا قويا أمام محاولات تركيا دخول الاتحاد حيث القبول الجماعي يعد شرطا لانضمام أي عضو جديد إلى الاتحاد.

فالتوترات الأخيرة بين تركيا وعدد من الدول الأوروبية، وخاصة بعد محاولة الانقلاب الأخيرة الفاشلة التي جرت في تركيا العام الماضي وتنفيذ الحكومة التركية حزمة من التدابير والإجراءات القانونية والقضائية التي لاقت انتقادات واسعة داخل دول الاتحاد، كلها تطورات دفعت بعلاقات أنقرة مع الاتحاد الأوروبي إلى الخلف ما صعب من سير عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، على الأقل من حيث الأعذار والأسباب الظاهرية، ذلك أن هناك أسبابا خفية غير معلنة لا تفصح عنها دول الاتحاد وهي تصعب وتعقد من مسألة قبول عضوية تركيا في الاتحاد.

فهناك أسباب ديمغرافية وعقدية أيضا، فتركيا في حالة قبول عضويتها في الاتحاد ستكون ثاني أكبر الدول الأوروبية من حيث عدد السكان بعد ألمانيا، حيث وصل عدد سكان تركيا وفق آخر تعداد سكاني عام 2016 إلى ثمانين مليون نسمة، فهذه الكتلة البشرية التي ينحدر الجزء الكبير منها إلى الجزء الآسيوي من الجغرافيا التركية، مع انتماءاتها الدينية الإسلامية تثير هواجس العديد من الدول الأوروبية، التي يعتنق جميع شعوبها الديانة المسيحية فيما الأقليات المسلمة وغيرها تنحدر من أصول قومية وقارات مختلفة، في المقدمة منها الآسيوية والإفريقية.

دول الاتحاد الأوروبي لا تتحدث عن هذه الهواجس ولا تشير إليها على أنها جزء من معوقات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها هواجس قائمة وتتحدث عنها الكثير من المنظمات الأوروبية المختلفة، لكن الدول الأوروبية تركز دائما (ظاهريا وعلنيا) على وضع حقوق الإنسان والحريات العامة في تركيا، وهي محل انتقاد دائم، وخاصة كما سبق القول بعد محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي، وما زاد الطين بلة إعلان الحكومة التركية الصريح نيتها العودة إلى عقوبة الإعدام بعد تلك المحاولة، وهي خطوة إن تمت سيغلق الاتحاد الأوروبي أبوابه تماما في وجه تركيا، لأن عقوبة الإعدام لا تطبق وليست مشرعة أصلا في قوانين جميع الدول الأوروبية.

فتركيا لم ترفع راية التراجع عن مطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي رغم كل العقبات التي توضع في طريقها ورغم كل التصريحات المستفزة التي تصدر بين الفينة والأخرى عن العديد من كبار المسؤولين الأوروبيين وآخرها تصريح المستشارة الألمانية التي اعتبرت «انضمام تركيا إلى الاتحاد أمرا مستحيلا»، لكن المؤكد أن الصبر التركي ومحاولة التجاوب مع المطالب المتكررة والمتواصلة للاتحاد الأوروبي لن تكون بالنسبة لتركيا طريقا لا نهاية له، فما هو مؤكد أن للصبر التركي حدودا، وللكرامة الوطنية التركية مكانة مقدسة وسامية أيضا.

صحيح أن انضمام تركيا إلى الاتحاد له مردود اقتصادي كبير حيث تركيا تعد من الدول القوية اقتصاديا وتتفوق على العديد من دول الاتحاد من حيث الوضع والقوة الاقتصادية، وبإمكان تركيا أن تستفيد من ذلك نظرًا إلى الامتيازات الكبيرة والهائلة التي ستحصل عليها في حال قبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي، فأبواب السوق الأوروبية الكبيرة ستفتح أمامها على مصراعيها وفرص العمل ستتوافر أمام العمالة التركية بفعل السوق الأوروبية الواسعة، لكنها امتيازات تبقى بالنسبة للجانب التركي حتى الآن على الورق فقط، إذ لا قيمة لها طالما بقت تركيا خارج الاتحاد الأوروبي، ومجرد حلم يراود الأتراك، لكنه يبدو حلما بعيد المنال وفقا للظروف الحالية المحيطة بالمحاولات التركية.

يؤكد الجانب التركي أنه رمى بالكثير من أوراقه في سلة الجانب الأوروبي، واستمر في طرق الأبواب دون أن تكون هناك استجابة أو مؤشر إيجابي على أن الأخير يأخذ في الاعتبار هذه المحاولات، بل وصل الأمر بالجانب الأوروبي إلى حد الابتزاز والتدخل السافر في الشؤون الداخلية للجمهورية التركية، كما حدث مثلا مع محاولة الانقلاب الفاشلة، أضف إلى ذلك أن تركيا فشلت في إقامة علاقات طبيعية مع جيرانها وفي مقدمتهم سوريا والعراق بسبب المواقف التركية غير الموفقة من الأحداث الداخلية التي تعصف بالبلدين وعدم وضع تركيا في اعتبارها الأضرار السياسية والاقتصادية لمثل هذه المواقف فتسببت في إغلاق أبواب عدة أمامها ومن عدة جهات، فالجهة الأوروبية يبدو أن إغلاقها سيطول هذه المرة، وقد لا تفتح وعلى تركيا أن تتحرك نحو البديل.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news