العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

تداعيات قرار ترامب بإلغاء برنامج «الحالمون»

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٢ ٢٠١٧ - 01:30

في خضم التحديات المتسارعة العديدة التي تواجه البيت الأبيض والكونجرس أبى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلا أن يضيف تحديا إضافيا آخر.. ففي الأسبوع الماضي أمر الرئيس ترامب وزارة العدل بإلغاء برنامج «العمل المؤجّل للطفولة الوافدة» والمعروف اختصارا بـ«داكا» وهو برنامج موروث عن عهد سلفه باراك أوباما. 

عندما أطلق الرئيس باراك أوباما برنامج «داكا» سنة 2012 فقد فعل ذلك بعد أن أصابه الإحباط بسبب عدم قدرة الكونجرس الأمريكي على تمرير قانون الهجرة الذي كان سيسمح بتسوية أوضاع 11 مليون مهاجر غير شرعي يعملون في الولايات المتحدة الأمريكية من دون أن تكون لديهم الوثائق القانونية اللازمة. 

لقد كان أوباما مهتما خاصة بأوضاع أولئك الشبان الذين جاؤوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية رفقة آبائهم وعاشوا فيها على مدى أعوام كاملة، سواء في المدرسة أو في صفوف الجيش الأمريكي ولم يعرفوا في حياتهم أي بلد آخر سوى الولايات المتحدة الأمريكية. يمكن ترحيل هؤلاء في أي لحظة من دون أن يرتكبوا أي ذنب سوى أنهم لا يحملون أي وثائق قانونية.

لقد أرسى أوباما إذا برنامج «داكا» حتى يمنح فرصة لهؤلاء الشبان كي يبنوا حياة طبيعية في الولايات المتحدة الأمريكية. يتيح لهم هذا البرنامج الحصول على تصاريح العمل حتى يكونوا في مأمن من الترحيل. 

يتعين على الراغبين في التسجيل في برنامج «داكا» أن تتوافر فيهم بعض الشروط المحددة، إذ يتعين على كل مترشح أن يكون دون سن السادسة عشر لدى دخوله الولايات المتحدة الأمريكية ودون سن الحادية والثلاثين لدى بدء تطبيق برنامج «داكا» إضافة إلى خلو سجلهم من أي تاريخ إجرامي. يجب على كل مرشح أيضا أن يثبت أنه كان يعمل أو يتابع دراسته أو منخرط في صفوف الجيش. تقدم أكثر من 800 ألف مرشح وقد انطبقت الشروط على أغلبهم.

يعلم الجميع أن هذا البرنامج مجرد حل مؤقت لكن في ظل فشل الكونجرس في التصرف بكل مسؤولية والعمل على تسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين، الذين لا يمتلكون أي وثائق قانونية. لقد أمكن لأولئك الذي كانوا يعيشون في خوف من الترحيل أن يتنفسوا الصعداء بعد أن حصلوا على فسحة من الأمل.

سارع الجمهوريون إلى التنديد ببرنامج «داكا» واعتبروه غير دستوري وتعهدوا بالعمل على إسقاطه وقد كان السيناتور جيف سيشونز من أشد المعارضين للبرنامج وهو يشغل اليوم منصب وزير العدل في إدارة الرئيس دونالد ترامب. 

بدا الرئيس دونالد ترامب من خلال تصريحاته العلنية حول مسألة الهجرة متذبذبا في موقفه من برنامج «داكا» واتهم باراك أوباما بتجاوز صلاحياته كما ظل يشن حملة ضد «المهاجرين غير الشرعيين». في نفس الوقت عبر دونالد ترامب عن تعاطفه مع أولئك الشبان الذين وجدوا أنفسهم في هذه الوضعية. لذلك يسود الاعتقاد أن قراراته وتحركاته تعكس في حقيقة الأمر هذا التذبذب في مواقفه. فقد أمر وزارة العدل بالإعلان رسميا عن نهاية البرنامج غير أنه ترك مهلة مدتها ستة أشهر قبل دخول القرار حيز التنفيذ وذلك من أجل منح الكونجرس بعض الوقت لتشريع قانون بديل. 

تتمثل المشكلة في أن ما قام به الرئيس ترامب غير ضروري كما أنه يفتقر إلى الواقعية ولا يخلو من القسوة بالنسبة لأولئك الشباب الذين يجدون اليوم مصيره معلقا. لم يكن ما فعله الرئيس ترامب ضروريا. فالكونجرس يواجه اليوم تحديات أخرى كبيرة تتعلق بتمرير مشروع الميزانية ورفع سقف المديونية والتوصل إلى اتفاق حول إصلاح النظام الضريبي ومنظومة الرعاية الصحية والتعامل مع كلفة الأزمات الناجمة عن الأعاصير التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية هذه السنة. لذلك، من شأن قرار إلغاء برنامج «داكا» أن يضع عبئا إضافيا على الأجندة البرلمانية الأمريكية الممتلئة أصلا.

يستبعد أن يتوصل الكونجرس الأمريكي الذي يعاني من الانقسامات والاستقطاب، أن يتوصل إلى اتفاق بشأن هذه المسألة ويصدر تشريعا خلال الأشهر الستة القادمة وهو الذي فشل على مدى أكثر من عقد من الزمن في تمرير قانون إصلاح نظام الهجرة. يجد أولئك الذين يشملهم برنامج «داكا» أنفسهم يواجهون مستقبلا غامضا. 

لا شك أن هذه المسألة الشائكة ستعمق في انقسامات الكونجرس الذي سيجد صعوبة كبيرة في حلها. لذاك فقد بدأ بعض الجمهوريين يقترحون على نظرائهم من الديمقراطيين دعم أي مشروع قانون من شأنه أن يسهم في تسوية وضع المستفيدين من برنامج «داكا» وذلك إذا ما وافق الديمقراطيون بدورهم على مساندة الجهود الرامية إلى خفض العدد الإجمالي للمهاجرين الذين يسمح لهم بالدخول سنويا إلى الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى دعم تمويل الجدار الذي يأمل أن يبنيه دونالد ترامب على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية. أما الديمقراطيون فإنهم يعتبرون أنه من غير الأخلاقي استخدام مستقبل هؤلاء الشباب كورقة مقايضة وهو يعتبرون أن هذه الاقتراحات الجمهورية لا تمثل بداية على طريق التوصل إلى صيغة حل. 

طرح النائبان الجمهوري لندساي جراهام والديمقراطي ريتشارد دوربن مشروع قانون لتسوية وضعية هؤلاء الشبان وهو يعد نسخة من برنامج «داكا» الذي طرح من قبل من دون أن يتسنى تمريره في مجلسي النواب والشيوخ. تم طرح برنامج «داكا» وملحقاته في مجلس النواب الأمريكي في شهر يوليو الماضي غير أن هذا التشريع المقترح بات يواجه ضغط مهلة الأشهر الستة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب من أجل وضع تشريع بديل. 

كلمة أخيرة بشأن الشباب المسجلين في برنامج «داكا». لقد تجاذبت أطراف الحديث مع كثير منهم كما أنني وظفت أحدهم في مكتبي، علما أن قصته مألوفة. فقد جاء إلى الولايات المتحدة الأمريكية من المغرب عندما كان في سن الرابعة من عمره. على غرار والديه، يعتبر من المهاجرين غير الشرعيين وهو لا يحمل أي وثائق قانونية. التحق بمدرسته ثم تخرج من المعهد ولم يكتشف أنه ليس مواطنا أمريكيا إلا عندما تقدم للدراسة في كلية القانون وقبل طلبه. عندها فقط أدرك أنه ليس مواطنا أمريكيا في البلد الوحيد الذي لم يعرف من بلد سواه. 

وجد نفسه بعد ذلك مهددا بالترحيل من الولايات المتحدة الأمريكية وقد أمكنني أن أقدم له بعض المساعدة. لقد استثني من عملية الترحيل وتخرج من كلية القانون وأصبح محاميا يعمل في منظمة غير ربحية تتولى الدفاع عن حقوق المهاجرين. تقديرا لالتزامه بخدمة المصلحة العامة فقد أسندت له سلطات البيت الأبيض جائزة «بطل التغيير». لايزال حتى اليوم مسجلا في برنامج «داكا».

هناك قصص كثيرة - مثل هذه - عن شبان آخرين مسجلين في برنامج «داكا» وقد قدموا مساهمة حقيقية لهذا البلد. تصور قضية المهاجرين غير الشرعيين على أنها «مسألة لاتينية» غير أن المسجلين في برنامج «داكا» ينحدرون من أكثر من 160 دولة من مختلف أنحاء العالم. 

هناك أكثر من عشرة آلاف شخص من أوروبا مسجلين في برنامج «داكا» وهم ينحدرون من كل دولة أوروبية - باستثناء سويسرا وليشنشتاين، إضافة إلى قرابة ألفين من الدول العربية وألف من كندا. 

توجد لدى جميع هؤلاء قصص عظيمة عن البطولة والإنجازات العلمية والتفاني في الخدمة العامة والعسكرية والعائلات التي تتفانى في تربية أطفالها وتسهم في تطوير مجتمعاتها. 

إن هؤلاء الشباب الطامحين يستحقون أكثر من هذه المعاملة القاسية التي تحولهم إلى مجرد ورقة مقايضة. إنهم يستحقون قانون «حالمون» جديدا كما أنهم يستحقون من الكونجرس أن يتعامل مع قضيتهم بكل مسؤولية وتعاطف ويضع قانونا شاملا للهجرة. 

إذا ما فشل الكونجرس في القيام بواجبه فإنه يجدر بالرئيس دونالد ترمب في هذه الحالة أن يسحب الأمر الذي أصدره ويعيد العمل ببرنامج برنامج «داكا» قال الرئيس ترامب إنه «يحب هؤلاء الشباب». لذلك فإن أفضل ما يمكن أن يفعله هو أن يبرهن عن هذا الحب الذي يكنه لهم بدلا من أن يحولهم إلى رهائن في مسار سياسي مكسور.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news