العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

أبناء الروهينجا على مذبح «الديمقراطية»

أيا كانت الانتماءات العرقية أو الدينية أو المذهبية للضحايا، فإن أي استهداف ممنهج ومنظم لأعمال التصفيات الجسدية وأعمال التهجير وتدمير مقومات الحياة اليومية لبني الإنسان، هي أعمال إجرامية وفق جميع الشرائع القانونية والحقوقية والمبادئ الإنسانية جمعاء، فليس مقبولا تحت أي مبرر كان أن تتعرض أقلية، عرقية كانت أم دينية أم مذهبية لمثل هذه الجرائم وتقابل بصمت وعدم مبالاة من السلطة السياسية المسؤولة عن حماية جميع القاطنين على الحدود الجغرافية للدولة المسؤولة عن تسيير شؤونها، وإلا أصبحت هذه السلطة شريكا مباشرا في هذه الجرائم، وإن لم تعلن ذلك، كما ان صمت المجتمع الدولي والقوى العظمى المؤثرة في سير الأحداث في العالم، يعد استهتارا واستهجانا بحياة الإنسان، فمواجهة أحداث ترتقي نتائجها إلى مستوى القتل والتهجير الجماعي للأٌقليات، تعتبر واجبا أخلاقيا وإنسانيا، قبل أن يكون لزاما قانونيا وحقوقيا.

لسنا مع أولئك الذين يعملون على تعميم الصراع وتحويله إلى صراع ديني بين المسلمين والبوذيين في تلك الدولة، فوفقا لتعداد السكان الرسمي فإن المسلمين في هذه الدولة يشكلون 2.3 من عدد السكان البالغ 51.5 مليون نسمة، لكن نسبة المسلمين المذكورة لم تشمل 1.2 مليون نسمة من مسلمي الروهينجا الذين تعتبرهم حكومة ميانمار مهاجرين غير شرعيين وتحرمهم من الحقوق المدنية والسياسية، خلاف باقي المسلمين في البلاد، الذين تقول بعض المصادر أن عددهم يصل إلى ستة ملايين نسمة، فهؤلاء يتمتعون بكامل حقوق المواطنة أسوة بجميع المواطنين من مختلف الانتماءات العرقية والدينية.

بعيدا عن كل هذه الإحصائيات، فإن ما يحدث في ميانمار الآن هو صدامات عرقية ودينية بين بوذيين ومسلمين من إقليم الروهينغا وليس صراعا شاملا بين البوذيين والمسلمين في هذه الدولة، وهي بكل تأكيد أعمال مدانة ومرفوضة والمأخذ الأكبر يوجه ضد السلطات في ميانمار التي لم تتخذ ما يكفي من الإجراءات لمنع المتطرفين البوذيين من استهداف أبناء الأقلية المسلمة في الروهينغا، فاعتبار الحكومة لهذه الأٌقلية من المهاجرين غير الشرعيين لا يبرر عدم حمايتهم من بطش وتنكيل المتطرفين من أبنائها الشرعيين، فطالما أن أبناء هذه الأقلية تعيش على ارض تقع تحت سيادة وسيطرة حكومة ميانمار، فأيا يكن وضع هذه الأقلية القانوني، فإن حماية أبناء هذه الأقلية تقع على عاتق الدولة نفسها.

الدول الإسلامية فاقدة للقدرة والعزيمة والإرادة بحيث لم تعد قادرة على استخدام ما تمتلكه من أوراق لدفع المجتمع الدولي للتدخل من أجل وقف هذه الممارسات غير الإنسانية بحق هذه الأقلية المسلمة، فلا عتاب على من لا يملك الشيء، لكن العتاب والنقد يوجه بالدرجة الأولى لزعيمة المعارضة البورمية الحائزة على جائزة نبل للسلام أونغ سان سو كي، التي وقفت صامته ولم تتحرك لردع مثل هذه الممارسات التي تتعارض مع المبادئ التي ناضلت من أجلها سنوات الإقامة الجبرية التي فرضها عليها النظام العسكري الحاكم في البلاد، وخاصة أن صمودها في وجه الطغمة العسكرية لاقى تقديرا أمميا واسعا فأصبحت رمزا للحرية وحقوق الإنسان، وعلى الرغم من أنها ممنوعة دستوريًا من تولي الحكم، فإنها تعتبر زعيمة الأمر الواقع في البلاد وباستطاعتها وقف هذه الجرائم.

فحكومة ميانمار تتصرف من منطلق اللامبالاة حيال ما يحدث لهذه الأقلية المسلمة التي تريد هذه الحكومة، وإن لم تعلن ذلك، إجبارها على مغادرة البلاد إلى بنغلاديش التي تقول الحكومة إنها جاءت منها حيث إن أبناء هذه الأقلية من أصول بنغالية، لكن حكومة ميانمار ما كانت لتقدر على انتهاج هذا المسلك وهذا الطريق لو أنها تدرك أن المجتمع الدولي والدول الكبرى بالدرجة الأولى سوف لن تسمح لهذه السياسة الإقصائية الإجرامية بالاستمرار، فالكيان الصهيوني على سبيل المثال يعد أحد المصادر الرئيسية لتزويد حكومة ميانمار بالسلاح فيما الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية اكتفت «بوقف» تزويد هذه الدولة بالسلاح لكنها لا تتحرك من أجل وقف هذه المذابح والجرائم ضد الإنسانية بنفس القدر الذي تحركت به لإرغام النظام العسكري الديكتاتوري على القبول بالتحول الديمقراطي في البلاد وتمكين المعارضة من المشاركة في الحكم.

نعرف ويعرف قادة الدول الإسلامية أيضا، أن للدول الكبرى مصالح لا يمكن أن تتلاعب فيها أو تغمض عينها عن حمايتها، فحقوق جميع الأقليات، العرقية منها والدينية، ليست، ولا يمكن أن تكون دافعا لتحركات هذه الدول، فتهجير وقتل أبناء الروهينغا، ليست سوى فصل من فصول استهداف أبناء الأقليات الدينية والعرقية في أكثر من منطقة وبلد، ومع ذلك لم نر تحركا جديا من هذه الدول إلا عندما تكون مصالحه عرضة للتهديد أو الخطر، وهذا هو أصل ما يحدث في العالم من صراعات وحروب، فالاستهداف العرقي أو الديني ليس هو الأصل وإنما هو الغلاف لا غير.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news