العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

ماذا بعد فشل شكاوى قطر في المنظمات الدولية؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

السبت ٠٩ ٢٠١٧ - 01:00

يبدو أن الطريق لتهدئة الأزمة الدائرة حاليا بين الدول المقاطعة «السعودية والإمارات والبحرين ومصر» وبين قطر من ناحية أخرى أصبح صعبا، وخاصة بعد الإجراءات التصعيدية التي قامت بها الدوحة، وتقديمها عدة شكاوى إلى منظمات دولية تتهم فيها الدول الأربع بانتهاكات ضد حقوق الإنسان من خلال ما سمته حصارا عليها. 

 وكانت البداية الشكوى المقدمة إلى «منظمة التجارة العالمية» (WTO)، يوم 31/7/2017 ضد المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين، والتي تتمحور حول إجراءات الدول الثلاث بقطع العلاقات معها، والتي تعتبرها الدوحة أنها «تقيد تجارة السلع والخدمات، وتنتهك حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، وتفرض محاولات قسرية لعزلة اقتصادية». 

ومن جانبها طلبت المنظمة إجراء مشاورات بين قطر والدول الثلاث؛ لإيجاد حل مرضٍ للنزاع، مؤكدة أنه في حال أخفقت المشاورات خلال 60 يوما يجوز لصاحب الشكوى أن يطلب من هيئة قضائية الفصل فيها، مشيرة إلى أن التقاضي يمكن أن يستغرق عامين إلى خمسة أعوام وربما فترة أطول. 

وتستند دول المقاطعة في إجراءاتها إلى المادة «21» من اتفاقية الجات، والمعروفة باسم «الاستثناءات الأمنية»، والتي تتيح للدول أعضاء المنظمة أن تتحلل من القيود الواردة في هذه الاتفاقية التي تحاجج فيها قطر، في حالات «الحرب والحالات الطارئة في العلاقة الدولية أو ما يراه أي طرف ضروريا لحماية مصالحه الأساسية الخاصة بالأمن أو تنفيذا لالتزامات ميثاق الأمم المتحدة لصون السلام الدولي».

كما تكفل المادة «14» من اتفاق الخدمات، والمادة «73» من اتفاق الملكية الفكرية الموقع عليه من الدول الأعضاء، جميع الحقوق السيادية للدول لاتخاذ أي إجراء لحماية أمنها الوطني واستقرارها من الانتهاكات التي قد تتعرض لها، وهو ما أكده الوكيل المساعد لشؤون التجارة الخارجية في وزارة الاقتصاد الإماراتية جمعة الكيت من أن «كل ما اتخذته الدول المقاطعة بحق قطر قانوني، أكده القانون الدولي؛ منعا للصدام المسلح بين الدول، ولتعبر به الدول عن رفضها سياسات دولة أو لحماية أمنها القومي وسيادتها». 

فضلا عن أن جهاز تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية الذي لجأت إليه قطر يؤسس كل إجراءات قبول ودراسة الشكوى على مبدأ «الرضائية»، أي لا يمكنه الفصل في أي قضية إلا بعد موافقة ورضا كلا الطرفين. 

وقدمت قطر شكوى جديدة إلى مجلس «منظمة الطيران المدني الدولي»، التابعة للأمم المتحدة والمعروفة اختصارا بـ«إيكاو»، تتهم فيها دول المقاطعة بانتهاك المواثيق الدولية، وتعريض أمن وسلامة الطيران للخطر، بفعل قرارها إغلاق الأجواء أمام الطيران القطري.

 وعقد مجلس إدارتها يوم 31/7/2017 جلسة استنادا إلى دوره في فض النزاعات، وفقا للمادة «84» من النظام الأساسي للمنظمة، والتي تنص على أنه «في حال نشوب نزاع بين دولتين عضوين أو أكثر يتعذر فضّه عن طريق التفاوض، يمكن أن يبحثه المجلس بناءً على طلب أي دولة طرف في النزاع». 

وأمام ممثلي 36 دولة عضوا في المجلس التنفيذي للمنظمة، أكدت دول المقاطعة الأربع احترامها اتفاقية شيكاغو للطيران، وسعيها للحفاظ على أمن وسلامة الأجواء في المقام الأول، وقدموا ورقة عمل مشتركة تضمنت الإجراءات التي تم اتخاذها بالتعاون مع مكتب «الإيكاو» الإقليمي بالقاهرة، من أجل تعزيز السلامة الجوية فوق المياه الدولية بإقليم الشرق الأوسط. 

وأرجعت الدول الأربع قراراتها بغلق الأجواء الجوية أمام الطيران القطري استنادا إلى ما نصت عليه المادة الأولى من «اتفاقية شيكاغو»، والتي أكدت أن «لكل دولة سيادة كاملة ومطلقة على الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها»، مؤكدين أن هذه الإجراءات تأتي في إطار احترامهم قرارات مجلس الأمن، ومنها القرار رقم 1373 لعام 2001، الذي طالب بمنع تمويل الإرهاب، وعدم التعامل معه واتخاذ الإجراءات والتدبير لوقف أي أعمال إرهابية، فضلا عن قرار مجلس الأمن رقم 2309 لعام 2016، الذي أقر بأنه «من حق كل دولة فرض التدابير الأمنية اللازمة في مجالها الجوي؛ بما يحافظ على سلامتها وسيادتها من أجل ضمان بيئة عالمية يسودها الاستقرار والسلام»، وهو ما يدعم موقف الدول المقاطعة لقطر. 

وبناء على ما سبق، جاءت قرارات المنظمة تؤكد حياديتها وتمسكها بدورها الذي أسست من أجله، وهو «الحفاظ على سلامة الطيران المدني في جميع أنحاء العالم»، إذ أكد الأعضاء رفض الشكوى، مؤكدين أن مناقشة مثل هذه الأمور تكون في المحافل المتخصصة، وهو ما أشار إليه رئيس مجلس المنظمة خلال ترؤسه الجلسة من أن «نيويورك تبعد ساعة فقط عن مونتريال»، في إشارة إلى مقر الأمم المتحدة، وهو ما يؤكد امتناع المنظمة ومجلسها عن الخوض في الأمور السياسية. 

في الوقت الذي أعرب فيه المجلس عن تقدير الأمانة العامة والدول الأعضاء لترتيبات الطوارئ في منطقة الخليج، بما يساعد على انسيابية الحركة الجوية فوق أعالي البحار، من خلال التزام الدول المقاطعة بمواصلة المشاورات الفنية تحت مظلة «إيكاو» لضمان تطبيق الحلول الفنية المثلى.

لكن قطر استمرت في طريق التصعيد، وقدمت شكوى لـ«مجلس الأمن» والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يوم 2/8/2017، ضد مصر، تتهمها بـ«استغلالها رئاسة لجنة مكافحة الإرهاب بمجلس الأمن، لتحقيق أهداف سياسية وتصفية حسابات مع دول بعينها». 

لكن مصر فندت تلك الاتهامات، ورفضتها في رسالتها إلى الأمم المتحدة، والتي تضمنت 6 محاور، موضحة أن خطاب المندوب الدائم لقطر تضمن عديدا من المغالطات، وأن هذه الادعاءات لا يفندها سوى التقدير والإشادة من جانب الجميع حيال الجهد الذي تقوم به القاهرة في رئاسة اللجنة. فضلا عن أن تلك التحركات والتدابير جاءت امتثالا لقرارات مجلس الأمن، والتي تطالب المجتمع الدولي والدول بالتصدي للإرهاب والأنظمة الداعمة له، وبذل الجهود في هذا الصدد على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي، مؤكدة أنه «لا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بين توقيت إبرام مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وقطر حول منع تمويل الإرهاب، وبين التدابير التي اتخذتها مصر وعدد من الدول العربية إزاءها، والتي لم يكن من المتصور قيام قطر بتوقيعها لولا كشف ممارساتها من قبل الدول التي اتخذت تلك التدابير».

إلا أن أخطر ما قامت به قطر كان محاولتها تسييس الحج، وذلك باتهامها السعودية بوضع العراقيل أمام حجاجها ومعتمريها، بسبب طلب المملكة استخدام شركات طيران غير قطرية؛ وهو ما اعتبرته «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان» القطرية انتهاكا لحرية العبادة، وتسييسا للشعائر الدينية، وخاطبت اللجنة المقرر الخاص بـ«الأمم المتحدة» المعني بحرية الدين والعقيدة، بزعم وجود صعوبات أمام حجاجها تمنعهم من أداء مناسك الحج. 

ومن جهتها نفت السعودية على لسان وزير خارجيتها هذه المزاعم، واتهمت الدوحة بمحاولة تسييس الحج وتدويل المشاعر المقدسة، موضحة أن قطر هي التي من قامت بإعاقة الحجاج القطريين، عبر قيام وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية فيها بوقف التسجيل للحج هذا العام على موقعها الإلكتروني؛ للإيحاء بوجود عراقيل.

 ولعل ما قام به العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز يوم 17/8/2017 بالسماح بدخول الحجاج القطريين من دون تصاريح إلكترونية، وفتح المعبر البري وإرساله طائرات تابعة للخطوط السعودية إلى مطار الدوحة لنقل الحجاج إلى جدة على نفقته الخاصة، واستضافتهم ضمن برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة، لهو خير شاهد على أن قطر هي من تحاول استغلال النهج الإيراني فيما يتعلق بتسييس الحج، من أجل الضغط لدفع أزمتها في اتجاه مواتٍ لها. 

على العموم، لا يوجد أي قانون أو اتفاقية وليست هناك أعراف أو مواثيق في العلاقات الدولية تمنع الدول من حماية نفسها من التهديدات الأمنية أو الإرهابية التي تهددها، ومن حق قطر تقديم شكوى لمن تريد من مؤسسات دولية، لكن في حال استبعادها سيتم البحث في مضمونها، وهو ما يمثل انقلاب السحر على الساحر، وفي حقيقة الأمر الدوحة لا تملك سوى خيار واحد، مهما استمرت إجراءاتها التصعيدية، وهو تلبية مطالب أشقائها، فالكلفة لتمردها باهظة، وتتخطى النواحي الاقتصادية والسياسية إلى التأثير على اللحمة الخليجية العربية. 

 لكن يبقى السؤال: إلى أي مدى سوف تستمر في تعنتها ضد أشقائها؟ وماذا ستفعل بعد فشل محاولاتها في المنظمات الدولية؟ هل تستجيب لمطالب الدول الأربع، والتي هي المطالب نفسها التي وقع عليها الأمير تميم، وكان من الأولى أن يلتزم بها؟ 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news