العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

عين الحقيقة في ملاحظات البارزاني

في حديثه إلى قناة «العربية» قبيل الاستفتاء المزمع تنظيمه يوم 25 سبتمبر الحالي في إقليم كردستان العراق بشأن استقلال الإقليم عن الوطن الأم قال رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني: إن «الشرط الوحيد الذي سيدفعه إلى إرجاء الاستفتاء على استقلال الإقليم هو ضمان أن يعيش أكراد العراق في دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية» أما الآن، على حد قول البارزاني «فنحن نعيش في ظل دولة دينية طائفية»، شرط البارزاني لإرجاء الاستفتاء هو شرط منطقي وعقلاني ومشروع أيضا، فمن حق الأكراد أسوة بجميع الشعوب أن يتمتعوا بكامل الحقوق التي يتمتع بها جميع المواطنين، ومن حقهم أيضا أن يطالبوا بدولة مدنية ديمقراطية، وليست دولة دينية، كما يصف المسؤول الكردي الوضع في بلاده العراق حاليا.

كما يعلم الجميع أن العراق وبعد جريمة الغزو الأمريكي عام 2003 تم توزيعه سياسيا وفقا لأجندة طائفية أعدها ونظمها وفصلها الحاكم العسكري الأمريكي للعراق بعد تلك الجريمة وهو بول بريمر، وكانت هذه بمثابة البَذرة الفاسدة التي أسست لمثل هذه الدولة القائمة الآن حيث المحاصصة الطائفية تهيمن على العملية السياسية القائمة في العراق منذ الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فالمحاصصة الطائفية أنتجت وأفرزت تكتلات طائفية كانت بمثابة الجاذب الأول والأكبر لجميع التكتلات الجماهيرية والبوصلة التي توجه العمل السياسي في البلاد الأمر الذي أدى إلى نشوء واستفحال الانتماءات المذهبية والعرقية على حساب الانتماء الوطني الذي تميز به الشعب العراقي منذ عهد الدولة الحديثة الملكية منها والجمهورية على حد سواء.

فالدولة المدنية الديمقراطية التي يطالب بها رئيس إقليم كردستان العراق كشرط لإرجاء الاستفتاء، هي وحدها بالفعل الدولة القادرة على وضع معيار واحد لحقوق المواطنين من دون النظر إلى انتماءاتهم العرقية أو الدينية والمذهبية، على عكس الدولة الدينية التي لا يمكن بحكم تركيبتها الأيديولوجية إلا أن تنحاز لبني أيديولوجيتها وأن تنظر إلى «المواطنين» من خارج هذه الأيديولوجية على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، هذه الوضعية لا يمكن للأكراد وغيرهم القبول بها، والأكراد من بين الأقليات العرقية التي عانت انتقاصا في حقوقها في أوطانها التي تعيش فيها.

القيادات السياسية في إقليم كردستان العراق التي ناضلت طويلا ضد مختلف الأنظمة السياسية في بغداد، انتهزت الظروف الصعبة التي دخلها النظام العراقي بقيادة صدام حسين بدءا من الحصار الجائر وإقامة منطقة حظر طيران في شمال العراق إضافة إلى جنوبه ومن ثم إسقاط النظام العراقي بعد غزو أمريكا عام 2003. انتهزت هذه الظروف المواتية بالنسبة للإقليم الكردي وبدأت في إقامة وتأسيس المؤسسات الدولية «المستقلة» وخلقت ظروفا ووضعا استقلاليا حقيقيا للأكراد في المناطق التي يعيشون فيها فزرعت بذلك في نفوسهم قوة العيش المستقل وحفزتهم على التمسك بهذا الخيار، خاصة وأن الدولة العراقية الأم فشلت، لظروف ذاتية وموضوعية، في خلق مظلة حقيقية تحتضن جميع المكونات العراقية من دون أي اعتبار لانتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية.

من الناحية النظرية فالعراق تقوده حكومة منتخبة ديمقراطيا وصناديق الاقتراع هي التي تحدد الحزب أو الكتلة السياسية التي تقود هذه الحكومة، ولكن من الناحية العملية فالعراق تحكمه عقلية دينية تفرض على مختلف مكونات المجتمع العراقي أنماط الحياة الاجتماعية والفكرية والثقافية، فليس مهما أن يعلن العراق عن هوية الدولة، فالعبرة بطبيعة الممارسة وصبغتها، هذه الصورة التي تشكلت في قيادة الدولية العراقية بعد التطورات الكبيرة التي أعقبت جريمة الغزو، هي التي أضفت الطابع الديني على هوية الدولة العراقية وهو ما يتحدث عنه زعيم إقليم كردستان العراق.

وعلى الرغم من ذلك ومع احترامنا للملاحظات التي طرحها زعيم الإقليم وخاصة هوية الدولة التي يريد أن يعيش الأكراد في كنفها، ورغم الاعتراف بمشروعية هذه المطالب إلا أن التوجه نحو فصل إقليم شمال العراق عن الوطن الأم هو توجه خاطئ وخطير في مثل هذه الظروف التي يمر بها العراق، خاصة التهديد الخطير الذي تتعرض له جميع مكونات الشعب العراقي من جانب المنظمات الإرهابية وعلى رأسها ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» ونجاح القوات العراقية في تحقيق انتصارات وإنجازات كبيرة في حربها ضد هذه الآفة الخطيرة.

فحق الأكراد في تقرير مصيرهم وإن كان حقا مشروعا ومقدسا، فإن حق الحفاظ على الوطن العراقي بجميع مكوناته العرقية والدينية والمذهبية هو حق مشروع ومقدس أيضا لجميع هذه المكونات، فالعراق حاله كحال أي بلد آخر، ليس ملكا لأبناء هذا العرق أو ذاك ولا لأبناء هذه الديانة أو تلك، وبالتالي فإن الجميع مسؤول عن تحديد هوية وطنهم ووحدته، فاستخدام الأكراد لحقهم المشروع لتحقيق الانفصال عن الوطن الأم من شأنه أن يفتح الباب أمام الأقليات العرقية والدينية، بل والمذهبية أيضا لسلوك نفس الطريق، وبالتالي يمكن أن يؤدي ذلك إلى فتح أبواب جهنم على مصاريعها مما قد يتسبب في إشعال نار فتنة خطيرة لن تقف ألسنتها عند حدود العراق الجغرافية وإنما قد تؤدي إلى إشعال المنطقة برمتها، خاصة وأن خريطة التكوينات العرقية والدينية والمذهبية العراقية هي امتداد لخريطة إقليمية واحدة ومتشابهة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news