العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

الثقافي

«دبلو» وتماهيات الصور المرئية

قراءة: جليل عابد

السبت ٠٩ ٢٠١٧ - 01:00

للإبداع وجوه عديدة والنقد أحد هذه الوجوه المهمة جدا في مقياس الحالة الإبداعية ومضمون المنجز الأدبي والفني على حد سواء، وقد انهال كثير من النصوص النقدية والرؤى الفنية حول التجربة المسرحية «دبلو» التي عرضت في مهرجان الريف المسرحي التاسع للأعمال الكوميدية «ليالي الريف الكوميدية 2017» الذي أقامه مسرح الريف تحت رعاية سيدة الحرف والكلمة، سيدة الثقافة الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار على الصالة الثقافية خلال الفترة من 23 إلى 28 أغسطس الجاري، ولعل من أهم النصوص النقدية الجديرة بالاهتمام والتأمل والنشر هذه الورقة النقدية التي وصلتنا من الأستاذ جليل العابد بكل ما تحمله من قراءة نقدية علمية راقية وغاية في الجمال والتحليل الدقيق والنهج الأكاديمي البليغ.

ويوردها العابد منطلقا في قراءته النوعية قائلا: عرضت مسرحية «دبلو» على الصالة الثقافية ضمن مهرجان الريف المسرحي من تأليف الأستاذ حسن بو حسن وإخراج الفنان حسن منصور، انطلقت البنية الدرامية من مدير مبيعات شركة الذي كان ينتظر مع موظفيه قدوم مندوب، وقد كشف الحوار الذي دار بين مدير الشركة وأحد مروجيه عن أحداث تداعت في المشاهد المسرحية المتوالية التي تستبطن حالة من الفساد الإداري داخل الشركة.

يزج مخرج المسرحية المتلقي في مشهد فلكلوري صاخب أصيل مستمد من البيئة البحرانية (زفة معرس). ذلك الاستعراض الفلكلوري الذي بالغ فيه المخرج، والملفت للمشاهد أن تداعيات الصورة الذهنية التي أحدثها ذلك المشهد قبل ظهور المندوب تؤكد ظهوره بأبهى حلّة. غير أنّ الصورة تتجلّى بصدمة مرئية لشخصيّة يؤسسها المنتج المسرحيّ يتعرف المشاهد إلى شخصية بطل النصّ (دبلو).

ما يميّز الصدمة المرئية أنّها تناغمت مع النغمة التصاعديّة للفلكور التراثي الممزوج بالفكاهة المسرحيّة، لتظهر لنا شخصيّة دبلو شخصية شبه عارية، ربّما أراد بطل النص أن يختبئ وراء ذلك المشهد الفكاهي، ويقنع المشاهد أنه مجرد سائح تائه يبحث عن مأوى يطعمه، ويقيه من شدة البرد.

ينقلنا مؤّلف النّص إلى دائرة حدثية أخرى؛ ليؤصّل بها عتمة شخصية بطل النّص وخباياه الفسيولوجية. فعبر الحوار التهكمي الذي حرّك الفعل الدرامي بين دبلو والرجل الكفيف الذي يعزف أنغامه الساخرة، يشتد توتر الحدث إلى أن تظهر وظيفة بطل النص الحوارية المتجليّة في إقحام نفسه في الصورة المأساوية للعميان. يؤدي الحوار وظيفة كاشفة لأبعاد شخصية دبلو الذي تمثل في صورة إنسان مرهف الحسّ مع أولئك الذين لا يبصرون النّور، ويعانون مرارة الفقر.

وعبر الانتقال من الصورة المرئية إلى الصورة الكاشفة تتجلى أمام مشاهد المسرحيّة أبعاد شخصية دبلو الذي لا يكاد يمتلك سوى خرقة يسدّ بها عورته إلى مؤسس لمشروع يخرجهم من صراعاتهم النفسية التي كانوا يعانون فيها في عملهم. إنه مشروع (تجميع العلب الفارغة). ومن خلال الحوار الذي استرسلت فيه شخصيات النص تبرز نبرة التسلط والتعنيف الممزوجة بالوعود التي تمارسها شخصية دبلو. استطاعت هذه اللفتة الإخراجية أن ترسم مستوى عاليا من التناغم النفسي بين العميان الثلاثة المتمثلة في امتداد صورة العكاكيز في خط متناغم.

إنّ انعطاف الفعل الدرامي في خشبة المسرح انطلق من عتمة الليل. وظّف مخرج النص لفته بصرية تمثلت في عبثية الألوان في الأنوار المضاءة، وأصوات الكلاب البوليسة التي تقودهم رجال الشركة الذين كانوا يبحثون عن السّارق. 

ومن الملفت أنّ توتّر أحداث المسرحية في هذه الدّائرة قد قاد المتلقي إلى التنبؤ بأحداث محتملة. فخروج مؤذن المسرحيّة، والحوار الذي دار بينه وبين العميان فتح في ذهن مشاهد المسرحية لاستحضار مجموعة من تداعيات محتملة متصلة بشخصية دبلو.

يقحمنا منتج النص إلى حزمة درامية تحمل سلسلة من الأحداث المتوالية لتعري شخصيّة بطل النص دبلو المتهم بسرقة مجوهرات البلدة، وتبرز في هذه الآونة تجليات انقلاب صورة دبلو من شخصية تائهة إلى شخصية تحمل مشروعًا تدميريّا، اغتنى المشهد البصري بمنظمة إخراجية تنساق مع الرؤية الإخراجية لمسرحية «الرجل الذي صار كلبًا» للكاتب الأرجنتيني أوزفالدو دراغون. إن نباح العميان وشدهم برباط من الحبل الغليظ، وانطلاقهم في حزمة حركية متعاكسة، أعطى مشاهد النص معنى الانقياد المطلق للرجل المحقق، كما أعطت دلالة الضياع والتيه والتذلل المطلق للعميان.

إن إقحام شخصية المحامي الذي توشح عباءة جدته بينما تفوح منه رائحة (الكدو) ربما كان الغرض من ذلك هو إحداث خط تصادمي مع اتهامات العميان، لكنه أحدث عبثًا واضحًا لمسار النص، ولكنّ القيمة الموضوعية للصراعات النفسية التي أطاحت بشخصية دبلو الذي خضع للعلاج النفسي تفتح للمشاهد فرصة البحث عن دلالة أخرى محتملة. 

ما يميّز نهاية المشهد المسرحي هو تصادم بنيتين حدثيتين هما هيمنة العنصر المدمّر المتمثل في تفشي ظاهرة العري؛ مخافة من الأمراض الفتاكة التي أنتنشر عبر الملابس.

وقدوم المندوب الحقيقي الذي استطاع أن يخلّص أهل البلدة من سلطة دبلو الإفسادية. ولكن السؤال الذي يمكن أن يثيره مشاهد النّص، كيف وظّف مخرج المسرحية ديكور المسرحية. وما سرّ جمود المنظر البصري على خشبة المسرح؟ ماذا لو أتيح للمشاهد فرصة التعايش مع الأبعاد النفسية لشخصيات النص المسرحي كما يصوره (هنري بك أندريه أنطوان)؟

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news