العدد : ١٤٤٣٠ - الاثنين ٢٥ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٥ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٣٠ - الاثنين ٢٥ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٥ محرّم ١٤٣٩هـ

الاسلامي

العقدة

الجمعة ٠٨ ٢٠١٧ - 11:05

من بين حروف العنوان تُطل كل الأباطيل والالتواءات التي نعانيها يوميًا وتوشك أن تُهلك الحرث والنسل وتُبعثر النفس وتُحيل حياتنا ضنكًا نكتوي بِنيْره وتأتي على بقايا الجمال المتناثرة هنا وهناك في حياة الناس، حياتنا التي ما فتئت تننزلق بتسارع منتظم نحو جُب الأكدار.

يُقال ان الضد يُظهر جماله الضد وهنا سنقلب الصورة رأسًا على عقب ونقول ان الضد الذي سنبحث فيه هنا يكشف القناع عن العُقد( القُبح) من خلال ضدها الذي يفضح قُبحها من خلال «الجمال والجميل في القرآن»، ولا بد لي من تنويه بسيط سريع هو أنني لست واعظًا ولا داعية ولن أكون ولكني ما وجدت أنقى ولا أبلغ مما سوف أسوقه في هذا السياق المأخوذ من نفحات القرآن العظيم استوقفنتي ودفعتني دفعًا للتأمل بالعُقد المُعقدة التي نتجرعها أثناء معاملاتنا ونخص بالذكر المواقف التي تُمحص الإيمان النقي والحقيقي. 

ما أن يتأمل الإنسان إشراقة الشمس وهي مُثقلة بالمعاني الجميلة السامية حتى يُدرك معنى الجمال في لوحات النفس بألوان حيوية دفّاقة ومتدفقة جمالاً ينبجس من كوّة النور والأمل لتُحيل الحياة إلى لحظات فيّاضة بمعاني متلالئة ففي «يس» (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون). هنا دقة الرياضيات وصرامة النظام وسرمديته وكلها عين الجمال وأصله... جمال يُولد إيمانا مع مطلع كل يوم جديد. ولك أن تتيه أخي القارئ بفضاءات المعاني المستنبطة من الإشراق روحيًا كان أم جماليًا أم فكريًا، واكتفي بإيراد لمحة الجمال الروحي لأنها لحظات إنتاج السكينة حيث انقشاع سحائب القلق والتوتر والحيرة التي تعشَقها النفس أثناء النهار «وجعلنا النهار معاشا». فيطلبه الليل حثيثًا للنظر إلى جمال السماء المُرصعة بنجوم فيها جمال باعث على الإلهام ومنه ينفجر الإبداع وكل مُيسر لما خُلق له «وجعلنا الليل لباسا». 

ومن الطبيعي بمن أُوكلت إليه مهمة خلافة الأرض أن يقبض على جمال الروح والعقل والوجدان ويعض عليها بالنواجذ ففي الآية الأولى يقبع ثالوث الفكر والعقل والوجدان ولن نعدم آيات أُخرى تعاضدها قصيرة الكلمات عميقة المعنى والدلالة لمن أراد أن يدّكر «الذي أحسن كل شيء خلقه» والحُسن والجمال متجاوران في المعنى هذا قبس من خارج الذات من كتاب الطبيعة المُنعكس إلى عُمق الذات ولنأتي على جميل الأخلاق النابع من جِبلة الإنسان كما رسمها لنا سبحانه وتعالى.

وأول ما يأسرني هو جمال التعبير القرآني دقةً وبلاغةً وبما يحويه من حمولات معرفية الذي هو بوابة الفنون وأحدُّها أثرًا في النفس إيجابًا «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك» (159 آل عمران)، فالنفس مجبولة على حُب الرفق وطلاقة اللسان ولا أدري من صاحب بيت الشعر الذي يُقر هذه الحقيقة بكلمات موزونات:

بُني إنَّ البِر شيء هينٌ *** وجهٌ طليقٌ ولسانٌ لينٌ

وكيف نغفل عن جمال الصبر فيلاحقنا وصف الله للجمال بأكثر من موقع في القرآن الحكيم: «فاصبر صبرًا جميلاً»... «قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل» (18- يوسف). حبذا هنا أن لا نقرأ القرآن بل سنتقرئ القرآن إذعانًا للأمر الرباني المُتكرر بالتفكر والتعقل والتُدبر ويُخيل لي أحيانًا أنه خطاب مُوجه الى غيرنا من شدة إصرارنا فقط على تلاوة القرآن لنضرب في عشرة ونراكم مليارات الحسنات «أهكذا يكون التعامل مع المُطلق!.. لا أظن ذلك» ويحضُرني قول لأحد السلف الصالح ـ أظنه ـ بِشر الحافي حيث يقول كنت أقرأ القرآن كل ثلاثة.. ثم كل عشرة.. ثم كل شهر مرة... وها أنا منذ اثني عشر عاما لم أكمله.. لأنه استبدل التلاوة بقراءة تدبرية واعية متذوقة إيمانية.

ويستمر الرحمن الرحيم بالحث على مفردة الجمال التابعة لصفات أخرى فها هو يردف على الصفح بالجميل..» وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل لنلحظ صيغة الأمر.. وما أروع الصفح من مقام القوة وما أجمله حين يكون صفحًا لا خوف فيه ولا طمع وإنما صفح منزه من المتطلبات والتطلعات الأرضية ابتغاء لوجه الله الأكرم وأين نحن من رد المصطفى عليه السلام لمن أخرجوه «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وقديمًا قالت العرب:

سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ** وإن عظُمت منه علي الجرائم»

وحتى في اللحظات العصيبة هناك توجيه من الحنّان المنّان إلى الجدال الحسن وهل الحُسن إلا تاج رأس الجمال «وجادلهم بالتي هي أحسن ولم يتركنا الرحيم حتى لو أُغلق الباب وانسد الأفق بعد الجدال الحسن فوضعنا على جادة هي مجمع الأخلاق وأُم الفضائل فأوصى بالهجر الجميل المخرج الأخلاقي الذي ارتضيته لكم يا عبادي «واهجرهم هجرًا جميلا».

أين نذهب فما لنا من محيص وهل يتركنا مولانا على هوانا في إدارة لبنة المجتمع وذروة سنامه في أضيق نطاق.. بين الأزواج وحتى هنا لا ينفك القرآن العظيم عن إيراد صفة الجمال في أعسر لحظات العمر والحياة لحظة الفراق هنا أقام الحُجة علينا رغم أُنوفنا وحددّ بما لا مجالا للتأويل فيه فأمر أمرًا لا خيارًا بالتسريح ايضًا الجميل «وسرحوهنّ سراحًا جميلاً» طلاق راقٍ.. فراق حضاري... وداع الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس الكاتمين للسر الذي عرفناه حُكمًا أثناء العِشرة المديدة بين الأزواج أصحاب الميثاق الغليظ... لا يخالجني شك بأن هؤلاء من أولي العزم ولا يعتريني ريب بأن أُولئك من المقربين في جنات النعيم وقليل من الآخرين. أين أولو الألباب؟ لكن هناك تقريرا صادما ومُرعبا لمن يبتغي الادكار والاتعاظ من رب الناس، حيث يقول «وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هُم» أليست مرعبة كلمة قليل ما هُم بحيث تُخرجنا من زمرة المؤمنين العاملين للصالحات «رحماك ربي».

من خلال مظاهر الجمال التي وردت آنفًا «يُعبد الله» وأسفي عندما نختزل عبادة الله في الأركان فقط مع ما لها من مكانة عظيمة!! ففي المعاملات تتجلى التقوى ويتجلى الورع فقد ورد في الأثر عن جبريل أنه قال لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لوكان لنا عبادة في الأرض لعملنا ثلاث خِصال سقاية الماء وإعالة أبو العيال وستر الذنب عندما يُذنب المُسلم. ومما قالته العرب شِعرًا 

ليست الأحلام في حال الرضا *** إنما الأحلام في حال الغضب 

أُدرِك أنني استطردت وأورثت السأم والضجر في نفس من يقرأ، لكن تدفق القلم عصي على الضبط في هكذا حالات، وما كان ذلك ليكون لولا أني أردت أن أصرخ بملء الفم بأن فككة كل العُقد التي نخرت النفس والروح موجودة وجلية ومنثورة ومكررة في ثنايا الكتاب المكنون في صفحات الدستور الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وعلى رأي ابن عباس رضي الله عنه «ومن القرآن لا يُعذر فيه أحد».

 عاطف الصبحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news