العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

دروس مــــن الـــــحــج (3)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٠٨ ٢٠١٧ - 11:02

مازلنا نتابع الحديث عن الدروس المستفادة من الحج. ومع الدرس الخامس من الدروس المستفادة من الحج: درس الصبر وتحمل المشاق ابتغاء مرضات الله تعالى. واليقين أن مع العسر يسرا، ومع شدة الكرب يأتي الفرج. يتضح ذلك مما يعرض للحاج في سفره للحج، وما يُلاقيه من زحام وطول انتظار فإنه يصبر ويتحمل هذه المشقة برضا نفس ويقين أنها عارض سيزول، ويتذكر الحاج أنه في نعمة عظيمة مهما كانت المشقة، حيث كان الأجداد يذهبون سيرا على الأقدام، أو ممتطين ظهور الإبل والخيل، فيطول السفر أياما وشهورا، مع ما يتعرضون له في الطريق من الحر والبرد، فما أجمل الصبر في هذه المواطن، فيرجع الحاج وقد تمكن من نفسه، فلا يثور ولا يغضب لأتفه الأسباب، وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يستعينوا بالصبر على أداء جميع الطاعات، والاستعانة بالصبر في ترك المحرمات، وقدم الله تعالى الاستعانة بالصبر في الشدائد، على الاستعانة بالصلاة. فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين. سورة البقرة: 153. وقد جعل الله معيته وعونه للصابرين، كما بشر الله الصابرين بالأجر العظيم والفضل الكبير. فقال تعالى: وبشر الصابرين. سورة البقرة: 155. وأخبر سبحانه أنه يُوفي الصابرين أُجورهم بغير حساب، جزاء صبرهم وطاعتهم ورضاهم بما أمر الله وبما قدره وأراده. يقول تعالى: إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. الزمر: 10. كل ذلك يُحصله المؤمن في رحلة الحج، ليرجع بعد ذلك وقد تخلق بخُلق الصبر، واعلم أيها الحاج أن تواصي المؤمنين فيما بينهم بالصبر من أسباب الفوز والنجاة من الخسران في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خُسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. وكما عرف الرسول. صلى الله عليه وسلم. الصبر فقال: والصلاة نور والصبر ضياء. ومعلوم أن الضياء أشد من النور، لأن النور ضوء بلا حرارة كما في نور القمر، أما الضياء ضوء وحرارة كما في ضياء الشمس. يقول تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل. يونس: 5. والمقصود أن الصبر في تأثيره في النفس أقوى من سائر العبادات، لأن الصبر طريق لأداء العبادات تامة غير منقوصة، والصبر أنواع ثلاثة 1- صبر على المصائب والبلايا، 2- صبر عن الشهوات وسائر المحرمات، 3- صبر على الطاعات وأداء الفرائض. والحاج يُحقق أنواع الصبر الثلاثة. الدرس السادس من دروس الحج: ربط الحاضر بالماضي وإحياء ذكرى الأنبياء والمرسلين من لدن آدم إلى نبينا محمد. صلى الله وسلم عليهم أجمعين. فقد حج الأنبياء جميعا إلى البيت الحرام، كما ورد في الأخبار، ففي رحلة الحج يقتفي الحاج آثار النبيين ويهتدي بهدي المرسلين، وينظر في آثار الصالحين، فيدرك عمق جذوره في التاريخ، وأصالة انتمائه للدين الصحيح، وفي الحج تأكيد عملي على تواصل الرسالات وأنها جميعا من عند الله، وفيه دليل على أنه لا يصح إيمان العبد إلا إذا آمن بجميع الأنبياء والمرسلين، وهذه من مميزات شريعة الإسلام، دون سائر الشرائع. يقول تعالى: آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكُتبه ورُسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. سورة البقرة: 285. يتأكد هذا حينما يرى ويدرك جهاد نبي الله إبراهيم في سفره وترحاله من بابل بالعراق إلى مكان البيت الحرام في مكة تاركا زوجه وولده في مكان موحش لا أنيس فيه ولا جليس، ولا زرع فيه ولا ماء، ثم يُكلفه الله ببناء البيت الحرام. يتأكد هذا في نفس الحاج عند الطواف بالبيت، وعند السعي بين الصفا والمروة، يتذكر سعي السيدة هاجر (أم اسماعيل عليه السلام) حينما يشرب من ماء زمزم ويتضلع منه، أي: يُكثر الشرب منه. يتذكر كيف نبعت هذه العين المباركة في هذه الصخور والجبال، وبقيت حتى يومنا يشرب منها الحجاج والعمار، فيجول في خاطره ذكريات الرضيع (اسماعيل عليه السلام.) حين نفد الماء والطعام، وما تجد أمه من شيء حتى تُرضعه، ويبكي الصبي حتى كان الفرج بنبع الماء من بئر زمزم، فكان الماء وكانت الحياة، وجاءت القبائل لتسكن بجوار الماء فكان الأنيس، وتحقق لأم اسماعيل ثقتها في الله حين قالت لزوجها أتتركنا هنا فأشار لها: أي نعم، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يُضيعنا. يتأكد هذا التواصل حين يبيت الحاج في منى ويقف بعرفات، وعند رمي الجمرات، حين يذبح الأضحية، فيتذكر الفداء لاسماعيل عليه السلام، إن الحاج يرجع بذاكرته عبر هذا التاريخ الممتد عبر الزمان ليتذكر هؤلاء الأنبياء، فيثبت الإيمان في فلبه، ويعلم أن عقيدته ودينه هو الدين الصحيح، فيعتز بدينه، ويفتخر بتاريخه ومجده، فيزداد حُبا وطاعة لربه، واتباعا وشوقا لرسوله. صلى الله عليه وسلم. فيستقيم على الإيمان، وتستقيم حياته على توجيهات الرحمن، ليفوز بالمغفرة والرحمة ودخول الجنة. والله المستعان. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news