العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

شعائر الحج.. ورحلة داخل الأسرار والأنوار (2)

بقلم: د. إبراهيم أبو محمد

الجمعة ٠٨ ٢٠١٧ - 10:55

نستكمل ما بدأناه في المقال السابق عن أسرار الحج، ونتحدث عن الطواف، فهل هذا الطواف يمثل شيئا من الصنمية كما يقول بعض الملحدين؟

الحقيقة أن الطواف استجابة للتكوين الطبيعي في خلقة الإنسان؛ فالإنسان مكون من مادة وروح، ولكل من المادة والروح نزوعهما إلى الأصل، فالمادة تنـزع إلى أصلها، والروح تنـزع إلى أصلها السماوي، فالإنسان له نسب سماوي، والقيم الشعورية الإيمانية تظل فكرة في النفس ما لم يكن لها نموذج عملي يجسدها في دنيا الواقع، وطبيعة الإنسان أنه ينـزع بفكره إلى ملموس يحسه ويستشعره، وطبيعة التكوين البشري هكذا، أنها لا تكتفي بالمعنويات وإنما لا بد أن يكون هناك من الحسيات ما يجسد هذه المعنويات ويماثلها، استجابة للجانب الحسي في تكوين الإنسان، واستجابة للتكوين الطبيعي في الكيان الإنساني وضع الله هذا البيت وجعله مثابة للناس وأمنا، وقال للناس حجوا هذا البيت وطوفوا حوله. 

وقضية الإيمان بالله قضية غيبية معنوية، وصحيح أن عليها ألف دليل من الحسيات والماديات، لكنها تبقي في نهاية الأمر قضية معنوية، والقضية الغيبية المعنوية هذه لا بد أن يكون لها مدلول حسي، والمدلول الحسي هذا هو أن يجعل الله له بيتا على الأرض ويقول للناس حجوا هذا البيت وتطوفوا به، وبهذا يكون للطواف معنيان:

المعنى الأول أنه استجابة لنوازع النفس في النـزوع إلى الحسيات والماديات وعدم الاكتفاء بالمعاني فقط. 

والمعنى الثاني: أن الإنسان بالطواف حول هذا البيت تنشأ بينه وبين الجمادات علاقة حسية، فيها على غير العادة شيء من الشعور والحس، وتكاد تلك العلاقة أن تكون عاقلة. ونحن نتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على جبل أحد، وجبل أحد جبل وقعت عليه هزيمة المسلمين في موقعة أحد فتشاءم المسلمون من الجبل، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد هذه العلاقة إلى معناها الصحيح من الحب المتبادل بين الإنسان وجميع الكائنات، فقال: أحد جبل يحبنا ونحبه، وهنا يظهر لنا أن دائرة جديدة من العلاقات النفسية والاجتماعية ينشئها الإسلام بين الإنسان وعناصر الطبيعة ومفردات الوجود، هذه العلاقة النفسية تنتفي فيها كل عوامل الصراع والتناقض والتضاد ويتحقق فيها الود المتبادل «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا». 

فهناك ود متبادل بين الإنسان وبين عناصر الوجود الناشئ من الخضوع لمعبود واحد، والاتجاه صوب رب واحد، والاستجابة بالتسخير أو بالإرادة لإله واحد، فتتحقق العبودية بكل ما فيها من معنى الخضوع والافتقار إلى معبود واحد «أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ». 

السعي بين الصفا والمروة

بعدما يطوف الحاج بالبيت يسعى بين الصفا والمروة، والصفا والمروة جبلان معروفان في مكة، ونحن نسعى بينهما استجابة وإحياء لذكرى المرأة التي توكلت على الله ورضيت بقدر الله فيها، حين تركها زوجها نبي الله إبراهيم هي ووليدها إسماعيل في هذا المكان وتركها في هذا الوادي الموحش بغير زاد ولا ماء، وإبراهيم رجل الوفاء كله، قال عنه ربه «وإبراهيم الذي وفي»، وهو معروف بكرمه ومروءته مع الآخرين فضلا عن أهل بيته، فكيف انصرف وترك ولده وزوجته في هذا المكان الموحش؟

وهنا أيضا مجموعة من الدروس:

أولها: علوية الأمر، إن الأمر هنا صادر عن الإرادة العليا، وهو أمر فوق العواطف والهوى، ولذلك فقد نفذ الأمر وانصرف الأب الكبير إبراهيم وقطرات من الدمع الأبوي تترقرق في عينيه.

ثانيها: أن الله إذا استودع شيئا حفظه، ورغم وحشة المكان وقسوة البيئة وغرابة الموقف فإنه قد استودع أهله وولده عناية الله، وتركهما موقنا أيضا أن الله إذا استودع شيئا حفظه.

ثالثها: مشروعية الدعاء باللسان، وإن كان الله يعلم السر وأخفى، والإنسان قد يدرك بيقين إيمانه أن ربه يعلم ما يدور بالفكر من خواطر، وأن علمه تعالى بالحال يغني عن السؤال، ولإبراهيم في هذا اليقين رصيد سابق حين أرادوا أن يحرقوه بالنار بعدما أشعلوها وأوقدوا عليها أياما وليالي، فجاءه جبريل وقال له يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا. قال جبريل سل ربك. قال إبراهيم علمه بحالي يغني عن سؤالي، وفـورا كان الأمر الإلهي: ‭{‬قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ* قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبراهيم‭}‬، فإبراهيم إذن يدرك بيقين إيمانه أن ربه يعلم السر وأخفى، إلا أنه هنا قد نطق لسانه بما يدور في القلب والعقل معا، وعبرت الكلمات عما تمتلئ به العاطفة الأبوية من حرص على الأهل والولد.

رابعها: بيان الغاية من وجود الأسرة والأبناء، فهما في كنف الله لا محالة، والله إذا استحفظ شيئا حفظه، لكن إبراهيم أراد أن يضع لنا نحن بداية الغاية العظمى فيما نرجوه ونتمناه لأبنائنا وذرياتنا، فالولد هو امتداد لأبويه في الزمان والمكان، وما لم يكن هذا الامتداد صالحا فلا خير فيه، وهنا درس كبير للذين يهتمون في تربية أولادهم وبناء أسرهم بالجانب المادي والدنيوي فقط وتغيب عن الأسرة روح التعبد، وهنا تتحول الأسرة إلى مجرد مزرعة، الاهتمام فيها بالعلف فقط، ولذلك رأينا خليل الله يجنب أسرته هذا المصير ويبين لنا الغاية من وجود الأبناء، لذلك فقد توجه إلى الله سائلا متوسلا وموضحا الغاية من سؤال الرزق الرغيد والعيش السعيد، إنها معرفة الله وطاعته وتحقيق العبودية له بإقامة الصلاة والشكر على نعمه ‭{‬رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ* رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء‭}‬. 

فإذا انتقلنا إلى الزوجة الصابرة المحتسبة فإننا نجدها قد تساءلت في حيرة: كيف تتركنا ها هنا في هذه الصحراء الجرداء القاحلة بغير زاد ولا ماء؟! فلم يرد الرجل عليها، وكررت السؤال ولم يرد، ماذا يقول؟ وأدركت المرأة أنه أمر فوق الإرادة، وأنها وإبراهيم والوليد معهم في موضع الاختبار والمحنة، وقررت أن تخوض التجربة معتصمة بالله متوكلة عليه، موقنة أنه جل جلاله لا يضيع من توكل عليه، فقالت متسائلة آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لن يضيعنا، وهذا هو الدرس الأول.

أما الدرس الثاني فهو اليقين بالفرج وعدم اليأس من رحمة الله. وقد بدأ هذا الدرس مع الاختبار العملي حين جف اللبن واشتد الظمأ بالطفل الرضيع والأم لا تدري ماذا تفعل، نظرت يمينا ويسارا فلم تجد غير شمس الصحراء القاحلة وقيظها الذي يزداد ويشتد، ويزداد معه ويشتد ظمأ الرضيع وهو يتلوى من شدة العطش، وهرولت المرأة بين الصفا والمروة في حركة مدفوعة بحنان الأم حين تود وتتمنى أن تفدي وليدها بكل ما تملك وما تبقى لها حتى من أنفاس الحياة، ورغم الوحشة وغربة المكان فإن يقينها بالله لم يتزعزع، وتذكرت المرأة فيضا من فضل ربها وأنه تعالى دائما يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وكم من مرة ينـزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد، وراحت في حركة متكررة تعلن فقرها إلى الله وحاجتها إلى عونه. 

والدرس الثالث أن اليقين لا بد أن يصحبه بذل الجهد واحترام سنة الله في الأخذ بالأسباب؛ ومن ثم لم تكتف المرأة بالدعاء فقط وإنما سعت وهرولت بحثا عن الماء، وفي الشوط السابع، وبعدما بلغ بها الجهد مداه واشتد بها التعب ظهر الملك عند وليدها وضرب بجناحيه الأرض فتفجر الماء، يالغوث الله ورحمته، ويريد الله جل جلاله أن يدون تلك اللحظات في ذاكرة الزمان، ويجعل من سلوك المرأة المتوكلة على ربها نموذجا لصدق التوكل عليه، وصدق التوجه إليه، وصدق الإيمان به، وصدق الافتقار إليه، وصدق الرغبة في فضله، فيدخل هذا الحدث كجزء ومنسك من مناسك الحج يخلد على مدار السنين والأيام ليذكر الناس أن أحدا من البشر ما توجه إلى ربه يوما وخاب، وما لجأ إليه إلا استجاب، وما استغاث به إلا أغاثه ونجاه، ورفع ذكره وعلاه، وجعل الجنة والخلود مستقره ومأواه. 

لماذا يهرول الرجال من دون النساء؟ الأم الكريمة هاجر هرولت بحثا عن الماء لولدها، وشاء الله أن تكفي كل النساء بتلك الهرولة، وبقي على كل الأبناء من الرجال أن يهرولوا إلى الله فرارا إليه وعبودية له ورغبة فيما عنده من فضل وبر باعتباره سر وجودهم هذا أولا، وثانيا: عليهم أن يهرولوا إلى أمهاتهم برا بهن وحنانا لهن وإكراما لدورهن، في الحمل والرضاعة والعناية في الصغر والكبر. 

الرجم 

ظهر إبليس لسيدنا إبراهيم فرجمه، فلماذا نرجم نحن ولم يظهر إبليس في حياتنا؟ والجواب أن الرجم هنا يحمل مجموعة من المعاني: 

الوجه الأول: هو الامتثال والتطبيق التسليم وإن لم يفهم العقل. 

الوجه الثاني: أن إبليس حين أمر بالسجود لآدم وأبى أن يسجد له برر هذا التكبر بأنه خلق من النار بينما آدم خلق من طين، فكأنه احتقر مصدر آدم الذي هو الطين، فكان جزاؤه أن يرجم به في الدنيا وأن يكون هذا الرجم بالطين في الدنيا نذيرا وتعجيلا له بعذاب الآخرة يوم الوقت المعلوم. 

الوجه الثالث: أن النار في الآخرة وقودها الناس والحجارة كما وصفها القرآن، وهذا الرجم هنا بالحجارة تعجيلا له بشيء من العذاب من جنس المادة التي استهان بها يوم قال لله خلقتني من نار وخلقته من طين، فكان من إذلال الله له أن يرجم بالعنصر نفسه الذي سخر منه واحتقره وتكبر على من اختاره الله وخلقه منه. 

الوجه الرابع: أن المرجوم هنا هو الشيطان الذي أخذ على نفسه العهد بإغواء بني آدم وقال لأحتنكن ذريته إلا قليلا، والمرجوم به هو حجر من طين الأرض، والراجم هو الإنسان، فكأن الرجم هنا يمثل خيبة أمل الشيطان في أمنيته، فقد أراد أن يكون سببا في انحراف الإنسان وعذابه بالنار، فشاء الله أن يخيب رجاءه وآماله وأن يجعل الإنسان في موقف السيادة عليه، وأن يمكنه من تعذيب الشيطان ورجمه بالعنصر نفسه الذي خلق منه الإنسان، ليكون ذلك كله إهانة للشيطان الذي تكبر على السجود لآدم، وفي الوقت نفسه رمزية لاستقلال الإرادة الإنسانية وانتصارها حين تحتمي بربها وتلوذ بجنابه، فلا يكون للشيطان سلطان عليها؛ وإنما يكون لها السلطان على الشيطان فتسخر منه وترجمه، فكأن الحاج بعد أداء الفريضة يعلن استقلاله وتحرره من كل عبودية لكل ما سوى الله، كما يعلن استقلاله وانتصاره وتحرره من إغراء الشيطان وإغوائه، وكأنه يقول له لا سلطان لك علي بعد اليوم، فقد تحررت من إغوائك وإغرائك والدليل هو هذه الجمرات أقذفها بيميني حجارة من سجيل باسم الله الله أكبر إرضاء للرحمن وكيدا للشيطان.

 

‭{‬ المفتي العام لقارة أستراليا 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news