العدد : ١٤٤٩١ - السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٩١ - السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

قراءة إيمانية اجتماعية في سورة القلم

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠٨ ٢٠١٧ - 10:52

الحياة الدنيا من دون العلم حياة بهيمية خالية من المناشط الإنسانية العلمية المنظمة، خالية من الاختراعات العظيمة كالكهرباء والسيارات والطائرات والحاسوب والأقمار الصناعية ووسائل الاتصال الحديثة، وخالية من الكتابة والأقلام والتسجيل والقراءة، خالية من القرآن الكريم الكتاب العظيم الذي ختم الله به الكتب الإلهية ومعجزة الله الدائمة لعباده إلى يوم الدين.

الحياة من دون العلم وأدواته حياة حيوانية يتمتع فيها الإنسان ويأكل ويتكاثر كما يفعل الحيوان.

لذلك أقسم الله تعالى في بداية سورة القلم أقسم بالقلم وما يكتبه الإنسان بالقلم فقال تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) [القلم: 6]

والقَسَم بالقلم وما يكتب به إشارة إلى عظم النعمة بهما وأنهما من أجلِّ النعم على الإنسان بعد النطق والبيان، فهما طريق التثقيف وانتشار العلوم والمعارف بين الجماعات والأمم والأفراد، ودليل على ما تُقدم الأمم والشعوب ونبوغها.

والقلم قد يكون أداة الحفر والكتابة على الصخور والأخشاب والحديد والورق والجلود والأجزاء النباتية والحيوانية واللوحات والسبورات الإلكترونية وعلى الرمال والحوائط والأرضيات، وما يسطرون كل ما يحفر ويكتب ويخط وينقش على الأدوات السابقة، والإنسان من دون هذا التدوين مقطوع الثقافة والأجيال والعلم. من هنا كانت الكتابة والقراءة من أهم المناشط البشرية، ومن لا يقرأ يصدأ ويجهل ويُستعبد ويُضلل لذلك كانت أول الأوامر في القرآن الكريم (اقْرَأْ)، وهذه القراءة قراءة واعية إيمانية لله تعالى (اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، وهذه القراءة تختلف عن القراءة العَلمانية (بفتح العين) البعيدة عن الإيمان بالله وبمنهاج الله في الحياة، وقد يصلى صاحبها ويصوم ويحج ويعتمر وعند تحكيم آيات الله في الحياة السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية تجده أول الرافضين لتحكيم شرع الله، لذلك قال تعالى:( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ* بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ* إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) [القلم: 5-8] (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم: 9]، وهذا السلوك هو بداية الفتنة عن دين الله ومنهاجه وشرعه، جرّ المؤمنين إلى ساحة الشبهات والوقوف على حافة الحِمى والقرب من الوقوع في المحرمات.

وهذا هو طريق المداهنين الخطير.

ثم تأتي قصة أصحاب الجنة التي تجسد حال الرافضين لتطبيق شرع الله وإعطاء الحقوق الشرعية لأصحابها من الفقراء والمساكين. (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الْجَنَّةِ) [القلم: 17] أي انا بلوناهم كما بلونا أصحاب البستان حين حلفوا أنهم سيقطعون ثمر البستان عند الصباح، حتى لا يعلم بهم الفقراء فيأخذون ما كانوا يأخذون أيام أبيهم، طمعا في اقتناء كامل الغلة والزرع وكانوا كالواثقين بأنهم يتمكنون من ذلك لا محالة، والمراد أنهم يصرمون كل الزرع ولا يستثنون المساكين نصيبهم أو القدر الذي كان أبوهم يدفعه لهم.

وكانت المفاجأة _فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) القلم: 19-20] جاءتها آفة حتى صارت كالليل الأسود المظلم، ولم يدروا بما حدث لبستانهم وانطلقوا ونادى بعضهم على بعض بهمس وقت الصباح حتى لا يسمعهم أحد ليذهبوا لقطع الثمار وقطفها (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ) [القلم: 23-24] ويقولون: لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخل عليكم، فيطلب منكم ان تعطوه منها ما كان يعطيه ابوهم (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) [القلم: 25] أي قادرون على تنفيذ خطتهم ومنع المساكين حقوقهم (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) [القلم: 26] فلما وصلوا بستانهم وشاهدوا حاله المؤلم من الاحتراق والسواد (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) أي لمَّا وصلوا اليها وشاهدوها وهي على الحالة المؤلمة من الاحتراق والسواد والهلاك قال بعضهم لبعض: لقد أخطأنا وتُهنا طريق جنتنا وليست هذه لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم وأن الله سبحانه وتعالى عاقبهم بإذهاب كل ما فيها من الزرع قالوا: (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) [القلم: 27] أي أن الله حرمهم ثمر جنتهم بسبب فعلتهم (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) [القلم: 28] أي قال أمثلهم وأعقلهم وأعدلهم وخيرهم رأيا وتدينا، هلا تسبحون الله وتذكرونه وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم، وتستغفرون الله من فعلكم وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها، ولما صُدموا بالحقيقة المرة تذكروا الله واعترفوا بذنبهم (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) [القلم: 29] (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ) [التفسير المنير، ص: 61-62].

وهذا حال العلمانيين (بفتح العين) من بني جلدتنا من أسر مسلمة ويصلون ويصومون ولكنهم ينكرون الحقوق الشرعية للفقراء والمساكين وتحكيم شرع الله في الحياة وعليهم أن يتوبوا قبل أن ينزل بهم العذاب في الدنيا والآخرة ويفعلون كما فعل أشباههم أصحاب الجنة حين أعلنوا توبتهم وخلصوا نيتهم وقالوا: (عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) [القلم: 32]،

عليكم أن تتعلموا أصول دينكم وتسلموا لله قبل فوات الأمان.

لا تظنون أن صلاتكم وصيامكم وحجكم وعمرتكم مع إصراركم على إنكار تطبيق شرع الله في حياتكم سوف تنجيكم من عذاب الله وغضب الله.

لقد هددكم الله وهدد أشباهكم بقوله كذلك العذاب (في الدنيا) (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [القلم:33]، وقال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ) المسلمون لشرع الله (كَالْمُجْرِمِينَ) الرافضين لتطبيق شرع الله (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).

أفيقوا واتعظوا قبل فوات الأوان ولا تنخدعوا بفقهاء الفساد من المزينين لكم المعصية التي أنتم فيها من الرقص العاري والأفلام الهابطة والمسلسلات اللاهية للشعوب والمسرحيات الخائبة والأغاني الفاضحة.

لقد أقسم الصِّديق أن يقاتل من حرم الفقراء من حقوقهم الشرعية ومن فرق بين الصلاة والزكاة، وعزموا على تطبيق ما يحلو لهم من الشرع ويهونه ويتركوا ما يشاؤون، وفعلا قاتلهم الصديق وأصحابه ولولا هذا القتال لارتد الناس وضاع الدين.

والحمد لله رب العالمين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news